رامي زهدي يكتب.. دونالد دك لن يحكم العالم
الكاتب — سياسي مصري — نائب رئيس مركز العرب للأبحاث والدراسات الإستراتيجية

لم يعد المشهد السياسي الدولي يحتمل المزيد من العبث المغلف بشعارات براقة، ولا تلك اللغة المتعالية التي تتخفى خلف دعاوى الواقعية السياسية بينما تمارس في حقيقتها نوعا فجا من الفوضى المقننة.
ما نشهده اليوم من خطاب وسلوك صادر عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يمكن قراءته باعتباره مجرد انحراف فردي في الأداء السياسي، بل هو تعبير صارخ عن أزمة عميقة في بنية التفكير الاستراتيجي داخل واحدة من أكبر القوى العالمية، أزمة تتجلى في تراجع القيم لصالح النزعات، وتغليب الصفقات على المبادئ، واستبدال الرؤية بالارتجال، وشخصية التاجر المرابي وليس حتي رجل الأعمال أو المستثمر الماهر التي تطغي علي كل شئ.
حين نستخدم توصيفا ساخرا مثل “دونالد دك”، فنحن لا نسعى إلى التهكم بقدر ما نحاول توصيف حالة من التناقض الحاد بين موقع يفترض فيه الرصانة والاتزان، وسلوك يقترب أحيانا من الهزل السياسي.
رئيس يتحدث عن السلام بينما يبارك سياسات الهدم، يرفع شعار حماية المصالح بينما يعترف صراحة بمنطق السطو على ثروات الشعوب، ويخاطب العالم بلغة استعلائية لا تليق بدبلوماسية دولة تدعي قيادة النظام الدولي.
الأخطر من ذلك أن هذا النموذج من القيادة لا يكتفي بإرباك التوازنات الدولية، بل يضرب في عمق مفهوم الدولة الوطنية ذاتها، حين يقدم للعالم صورة مفادها أن القوة وحدها تكفي، وأن القانون الدولي مجرد أداة انتقائية، وأن التحالفات يمكن أن تتحول إلى أوراق ضغط لحظية لا إلى شراكات استراتيجية طويلة المدى.
هذا التحول لا يمر دون تكلفة، فبيانات المؤسسات الدولية تشير إلى تراجع الثقة في القيادة الأمريكية عالميا بنسب تجاوزت 20% في بعض المناطق خلال فترات حكم ترامب، كما أظهرت استطلاعات الرأي في أوروبا وآسيا تصاعد القلق من السياسات الأمريكية غير المتوقعة.
لغة الخطاب نفسها تعكس خللا أعمق، حين يتم استخدام تعبيرات صادمة مثل التلويح بهدم حضارات أو التهديد المباشر لدول وشعوب، فإننا لا نكون أمام مجرد زلة لسان، بل أمام نمط تفكير قائم على استسهال الصدام وتغليب منطق الاستعراض على حساب الحسابات الدقيقة.
السياسة ليست تغريدة، وليست تصريحا انفعاليا، بل هي منظومة متكاملة من التوازنات الدقيقة التي تتطلب قدرا عاليا من الانضباط والوعي بالتداعيات.
ما يثير القلق أيضا هو هذا الإقرار غير المسبوق بمنطق “أخذ ما يمكن أخذه” من ثروات الآخرين، وكأننا عدنا إلى عصور ما قبل الدولة الحديثة، حيث كانت القوة وحدها تحدد الحقوق، هذا الخطاب، حتى وإن كان موجها للاستهلاك الداخلي أو لتحقيق مكاسب انتخابية، فإنه يترك أثرا تراكمياً على صورة النظام الدولي، ويعزز من نزعات التفكك والصراع، ويفتح الباب أمام قوى أخرى لتبني نفس المنهج، وهو ما بدأنا نراه بالفعل في بعض مناطق العالم.
لكن الحقيقة التي يجب التأكيد عليها بوضوح هي أن العالم لم يعد كما كان، ولم تعد دولة واحدة قادرة على فرض إرادتها المطلقة.
التحولات الجارية في بنية الاقتصاد العالمي، وصعود قوى إقليمية جديدة، وتزايد الاعتماد المتبادل بين الدول، كلها عوامل تجعل من فكرة “حكم العالم” مجرد وهم سياسي، حتى لو امتلك صاحبه أدوات القوة التقليدية.
الأرقام هنا حاسمة، فحصة الولايات المتحدة من الاقتصاد العالمي تراجعت من نحو 40% بعد الحرب العالمية الثانية إلى أقل من 25% حاليا، في مقابل صعود قوى آسيوية وأوروبية وأفريقية تسعى لإعادة تشكيل موازين القوة.
في هذا السياق، يصبح من الضروري إعادة قراءة المشهد من منظور أوسع، لا يقتصر على نقد شخص أو إدارة، بل يمتد إلى فهم طبيعة المرحلة الدولية الراهنة.
نحن أمام نظام عالمي يتشكل من جديد، تتراجع فيه الهيمنة المطلقة لصالح التعددية، وتتصاعد فيه أهمية الشراكات الإقليمية، وتزداد فيه قدرة الدول المتوسطة على المناورة وتحقيق مصالحها عبر سياسات أكثر توازنا واستقلالية.
بالنسبة لمصر، فإن التعامل مع هذا الواقع يتطلب قدرا عاليا من اليقظة الاستراتيجية، والقدرة على تنويع العلاقات الدولية، وعدم الارتهان لأي محور واحد، مع الحفاظ على ثوابت السياسة الخارجية القائمة على احترام السيادة وعدم التدخل والسعي لتحقيق الاستقرار الإقليمي.
التجربة المصرية خلال السنوات الأخيرة تؤكد أن التوازن في العلاقات، والانفتاح على مختلف القوى الدولية، هو الخيار الأكثر أمانا وفعالية في عالم متغير.
وفي الداخل، تطرح هذه التحولات سؤالا جوهريا حول طبيعة الخطاب السياسي الذي نحتاجه، وإذا كان العالم يشهد صعود نماذج شعبوية تعتمد على الإثارة والاختزال، فإن التحدي الحقيقي أمام النخب السياسية هو تقديم خطاب بديل يقوم على الوعي والتحليل والقدرة على تفكيك الظواهر المعقدة دون الوقوع في فخ التبسيط المخل.
والأحزاب السياسية هنا مطالبة بدور أكبر، ليس فقط في نقد الخارج، بل في بناء وعي داخلي قادر على استيعاب هذه التحولات والتعامل معها بفاعلية.
إن ما يمثله نموذج “دونالد دك” في السياسة الدولية هو لحظة كاشفة، تكشف هشاشة بعض البنى التي كنا نظنها راسخة، وتدفعنا في الوقت ذاته لإعادة التفكير في مفاهيم القيادة والشرعية والقدرة على التأثير.
العالم لا يحكمه الصخب، ولا تقوده التغريدات، ولا تصنع مستقبله التصريحات الانفعالية، بل تحكمه معادلات أكثر تعقيدا، تقوم على التوازن، والمصالح المتبادلة، والقدرة على بناء الثقة.
وفي النهاية، قد يستطيع بعض القادة إثارة الجدل، أو حتى فرض واقع مؤقت، لكنهم لا يستطيعون إعادة تشكيل العالم وفق أهوائهم.
التاريخ أثبت أن النزعات الفردية، مهما بدت صاخبة، تظل عابرة أمام منطق المصالح الكبرى وحركة الشعوب، ومن هنا، فإن الإجابة الحاسمة على هذا النموذج من الخطاب والسياسة ليست في السخرية منه فقط، بل في بناء بدائل أكثر نضجا واتزانا، قادرة على حماية الاستقرار العالمي وتحقيق مصالح الدول دون الانزلاق إلى فوضى غير محسوبة.
دونالد دك قد يثير الضجيج، لكنه لن يحكم العالم.



