رامي زهدي يكتب.. السيادة الإعلامية الإفريقية

لم يعد الإعلام الإفريقي مجرد قضية مهنية تتعلق بتطوير أدوات البث أو تحديث المنصات الرقمية، بل أصبح جزءا أساسيا من معركة السيادة الإفريقية وإعادة تشكيل صورة القارة أمام العالم، فإفريقيا تخوض اليوم معركة تتجاوز الاقتصاد والأمن إلى معركة الوعي والرواية والهوية، بعدما ظلت لعقود طويلة أسيرة صور ذهنية اختزلتها في الحروب والمجاعات والانقلابات والأوبئة، مع تجاهل قصص النمو الاقتصادي والابتكار والتحولات الاجتماعية وصعود الأسواق الإفريقية.
هذا التشويه لم يكن عفويا بالكامل، بل ارتبط بمنظومة دولية تعاملت مع إفريقيا باعتبارها هامشا تابعا لا يمتلك حق تقديم روايته الخاصة، ومع تطور أدوات القوة الناعمة، أدركت القوى الكبرى أن السيطرة على الوعي الجمعي وصناعة الإدراك أكثر استدامة من السيطرة العسكرية المباشرة، فأصبح الإعلام أحد أهم ميادين الصراع الجيوسياسي داخل القارة.

وتكتسب هذه المعركة أهمية مضاعفة في ظل التحولات الديموغرافية الهائلة التي تشهدها إفريقيا، حيث تضم القارة أكثر من 1.4 مليار نسمة، ومن المتوقع أن يتجاوز العدد 2.5 مليار بحلول عام 2050 وفقا لتقديرات الأمم المتحدة، بما يمثل نحو ربع سكان العالم، كما تمتلك إفريقيا أصغر متوسط عمري عالميا، وهو ما يجعل الأجيال الجديدة أكثر ارتباطا بالمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل وعيها السياسي والثقافي.
وتشير تقديرات الاتحاد الدولي للاتصالات إلى أن عدد مستخدمي الإنترنت في إفريقيا تجاوز 570 مليون مستخدم، مع معدلات نمو رقمية من الأسرع عالميا، وأصبحت الهواتف الذكية الوسيلة الأساسية لاستهلاك الأخبار والمحتوى العام لدى قطاعات واسعة من الشباب الإفريقي، لكن المشكلة لا تتعلق فقط بالوصول الرقمي، بل بمن يملك المنصة ومن يصنع المحتوى، إذ لا تزال مساحات واسعة من الرواية المتعلقة بإفريقيا تنتج خارج القارة أو تعكس أولويات خارجية لا تنطلق من الواقع الإفريقي.
وهنا تبرز خطورة ما يمكن وصفه بـ”الفقر السردي”، أي فقدان القدرة على رواية الذات وصناعة الصورة الخاصة بالقارة، فالدول التي تعجز عن إنتاج روايتها الوطنية والقارية تظل رهينة لروايات الآخرين. لذلك توسعت القوى الدولية في أدواتها الإعلامية داخل إفريقيا، سواء عبر القنوات الدولية أو الوكالات الإخبارية أو المنصات الرقمية أو برامج التدريب الإعلامي. وقد أدركت الصين مبكرا أهمية الإعلام في إفريقيا فضخت استثمارات كبيرة في شبكات البث والتعاون الإعلامي والتكنولوجي، كما عززت روسيا وتركيا وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة حضورها الإعلامي داخل القارة، في إطار تنافس لم يعد يقتصر على الموارد الطبيعية والطاقة، بل امتد إلى السيطرة على الوعي الإفريقي ذاته.
وفي المقابل بدأت إفريقيا تدرك تدريجيا أن امتلاك أدوات إعلامية مستقلة لم يعد ترفا، بل ضرورة استراتيجية، لذلك شهدت السنوات الأخيرة نموا في المبادرات الإعلامية الإفريقية العابرة للحدود، سواء عبر القنوات الإخبارية أو المنصات الرقمية أو شبكات الصحافة الاستقصائية التي تسعى إلى تقديم سردية أكثر توازنا وارتباطا بالواقع الحقيقي للقارة.
ورغم ذلك لا تزال التحديات كبيرة، إذ تعاني العديد من المؤسسات الإعلامية الإفريقية من أزمات تمويل وضعف البنية التكنولوجية ومحدودية الوصول إلى المعلومات، إضافة إلى هشاشة الأسواق الإعلانية واعتماد بعض المؤسسات على تمويلات خارجية قد تؤثر على استقلالية الخطاب الإعلامي. كما يمثل التنوع اللغوي والثقافي تحديا مركبا، فالقارة تضم أكثر من ألفي لغة محلية إلى جانب اللغات الرسمية الموروثة عن الحقبة الاستعمارية، وهو ما يفرض ضرورة بناء إعلام متعدد اللغات قادر على مخاطبة المجتمعات المحلية دون فقدان البعد القاري الجامع.
وتزداد أهمية الإعلام مع توجه إفريقيا نحو تعزيز التكامل القاري، خاصة في ظل مشروع منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، التي تعد أكبر منطقة تجارة حرة في العالم من حيث عدد الدول المشاركة. فبناء سوق إفريقية موحدة يتطلب وعيا قاريا مشتركا، ولا يمكن تحقيق ذلك دون فضاء إعلامي قادر على تجاوز الحدود الضيقة والانقسامات التقليدية.
كما يلعب الإعلام دورا محوريا في مواجهة أخطر تحديات القارة، وعلى رأسها التطرف والإرهاب وخطابات الكراهية والتدخلات الخارجية، خاصة أن الجماعات المسلحة باتت تعتمد بشكل متزايد على الإعلام الرقمي والدعاية الإلكترونية لاستقطاب الشباب والتأثير النفسي والمعنوي، ما يجعل بناء إعلام إفريقي مهني ومسؤول جزءا من منظومة الأمن القومي الإفريقي.
وترتبط المعركة الإعلامية أيضا بالاقتصاد، إذ تمثل صناعة المحتوى الرقمي أحد أسرع القطاعات نموا عالميا، بينما تمتلك إفريقيا فرصا ضخمة غير مستغلة بالكامل، وتشير بعض التقديرات إلى أن الاقتصاد الرقمي الإفريقي قد يساهم بأكثر من 700 مليار دولار في الناتج المحلي الإجمالي للقارة بحلول 2050 إذا تم الاستثمار بفاعلية في البنية الرقمية والمهارات التكنولوجية والإبداعية.
وفي النهاية، تقف إفريقيا أمام لحظة تاريخية تتجاوز تطوير الإعلام إلى إعادة تعريف الذات القارية بالكامل. فالقارة التي كانت موضوعا للروايات الخارجية تسعى اليوم لأن تصبح الراوي الرئيسي لقصتها، وهي معركة سيادة وهوية ونفوذ دولي، فامتلاك الثروات وحده لا يصنع القوة، وإنما القدرة على امتلاك الرواية والدفاع عن الذاكرة وصناعة الصورة الذاتية أمام العالم. ولذلك فإن بناء إعلام إفريقي قوي ومستقل لم يعد رفاهية، بل ضرورة وجودية لحماية الوعي الإفريقي وصناعة مستقبل القارة.



