رأي

د.فرج بوخروبة يكتب.. قاتل بسيف مستعار

في القرن السادس الميلادي، وُثقت في التراث الصيني العسكري واحدة من أدهى القواعد التي عرفها فكر الحروب، وهي الحيلة المعروفة بـ “القتل بسيف مستعار”. تقوم فلسفة هذه الحيلة على مبدأ استراتيجي غاية في الذكاء، مفاده أنه عندما تكون قوتك الذاتية في مواجهة مخاطر استنزاف، أو عندما تكون التكلفة المباشرة للمواجهة باهظة سياسياً أو عسكرياً، عليك استغلال قوة طرف ثالث للقضاء على خصمك. وبالنظر إلى المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط، نجد أن هذا المفهوم القديم يجد تجسيداً حياً ومستمراً في العلاقة العضوية المعقدة بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية.

إن جوهر هذه الحيلة يكمن في كون السيف أداة والمظلة غطاء، حيث لا يمكن فهم الاستقرار الأمني الإسرائيلي أو قدرتها على خوض صراعات إقليمية ممتدة بمعزل عن الدعم الذي توفرها واشنطن. لكن الاستعارة هنا تتجاوز مجرد شحنات الأسلحة أو الدعم اللوجستي؛ فالسيف المستعار في هذه الحالة هو سيف مركب، دبلوماسي في المحافل الدولية، واقتصادي عبر المساعدات المليارية، وعسكري عبر التفوق النوعي. تعتمد إسرائيل في استراتيجيتها الكبرى على قاعدة ذهبية تضمن أن تظل الولايات المتحدة هي الضامن الأخير لأمنها، وهذا الاعتماد ليس وليد الصدفة، بل هو ثمرة عمل مؤسساتي طويل يهدف لتحويل المصالح الإسرائيلية إلى جزء حيوي من الأمن القومي الأمريكي. هنا تتحقق الحيلة الصينية بأبهى صورها؛ فبدلاً من أن تتحمل إسرائيل وحدها تبعات خرق القوانين الدولية أو الدخول في حروب مدمرة، تتقدم القوة العظمى لتتحمل الكلفة الأخلاقية والسياسية، مستخدمة حق النقض في مجلس الأمن كدرع يحمي ذلك السيف من الانكسار تحت ضغط العدالة الدولية.
وفي جغرافيا الصراع يبرز الردع بالوكالة، حيث تدرك إسرائيل في مواجهة القوى الإقليمية الصاعدة أن التفوق العسكري الفني قد لا يكون كافياً في حروب الاستنزاف الطويلة، لذا يبرز السيف المستعار كأداة لردع الخصوم ليس فقط من القوة الإسرائيلية، بل من رد الفعل الأمريكي الكامن خلفها. تاريخياً، سعت تل أبيب دائماً لتصوير التهديدات التي تواجهها بوصفها تهديدات مباشرة للقيم الغربية وللمصالح الحيوية الأمريكية في المنطقة، وهذا التوظيف الذكي يتيح لإسرائيل هامش مناورة غير محدود، فهي تضرب في العمق وتستهدف المنشآت الإقليمية وتتوسع في سياساتها الاستيطانية، وهي تدرك تماماً أن السيف الذي تحمله ليس ملكاً لها وحدها، بل هو ملك لأقوى إمبراطورية في التاريخ الحديث، مما يضطر خصومها لحساب خطواتهم بناءً على مدى غضب واشنطن.
لكن التساؤل العميق يظل حول طبيعة الدور الأمريكي، وهل تدرك واشنطن أنها تلعب دور السيف المستعار في هذه الاستراتيجية؟ ففي كثير من الأحيان، تبدو الإدارة الأمريكية وكأنها رهينة لخيارات إسرائيلية تضعها في مواجهة مع الرأي العام العالمي ومع مصالحها في العالم العربي والإسلامي. إن القتال بسيف مستعار يتطلب أن يظل صاحب السيف الأصلي مقتنعاً بأن المعركة هي معركته الشخصية، وهو ما نجحت فيه الماكينة الإعلامية والسياسية ببراعة منقطعة النظير، ومع ذلك، فإن هذه الاستراتيجية تواجه اليوم تحديات بنيوية في ظل التحولات الكبرى في الرأي العام العالمي وبروز أصوات داخل الولايات المتحدة ترفض هذا الدور، مما يجعل السيف يشعر بالثقل.
إن الاعتماد المفرط على قوة الغير يخلق نوعاً من الهشاشة السياسية، وإسرائيل اليوم تبدو أكثر اعتماداً من أي وقت مضى على القرار الأمريكي، وهذا الارتباط العضوي يعني أن أي تصدع في الداخل الأمريكي، أو أي تراجع في الهيمنة الأمريكية عالمياً لصالح أقطاب دولية أخرى، سيترك إسرائيل في مواجهة مباشرة مع محيطها دون سيفها المستعار. والحكمة الصينية تحذر من أن السيف قد يعود لغمده في اللحظة التي يشعر فيها صاحبه أن ثمن القتال لم يعد يبرر الربح، والاستنزاف الذي تتعرض له الولايات المتحدة في المحافل الدولية بسبب دفاعها المستميت عن السياسات الإسرائيلية بدأ يشكل عبئاً على قوتها الناعمة.
ختاماً، إن القتال بسيف مستعار ليس مجرد تكتيك عسكري عابر، بل هو فلسفة بقاء تبنتها إسرائيل بمهارة فائقة على مدار ثمانية عقود، حيث حولت واشنطن من مجرد داعم إلى مشارك يتحمل الضغوط الدولية نيابة عنها، لكن التاريخ يخبرنا أيضاً أن القوى العظمى لا تظل أدوات في أيدي الآخرين للأبد. إن المشهد الحالي في الشرق الأوسط هو المسرح الأكبر لتطبيق هذه الحيلة القديمة، حيث يمتزج الدم المحلي بالقرار الدولي، وتضيع المسؤولية الأخلاقية بين يدٍ تمسك المقبض ونصلٍ يمزق أشلاء المنطقة، ويبقى التساؤل الأخير حول المدى الذي سيظل فيه السيف الأمريكي قابلاً للاستعارة، وإلى أي حد يمكن لصاحب السيف أن يتحمل وزر معارك لم يخطط لها هو، بل خطط لها من يقاتل بيده.

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى