رأي

دكتور فرج بوخروبة يكتب.. العرب والتاريخ مجد لا ينام

كنا المجد عندما غفى العالم. لم يكن ذلك ادعاءً يتكئ على عاطفة فحسب، بل خلاصة قرون تفيض بالنضال والإبداع ومراكمة الوعي. العرب لم ينتظروا أن يدعوهم أحد إلى خشبة المسرح، بل بنوا مسرحهم الخاص، واعتلوا صدارته دون استئذان، لأن الروح التي تمشي في عروقهم تعرف تماماً أنّ الوجود لا يحتمل المترددين.

في الصحراء حيث يضيق كل شيء إلا الأفق، تربى العرب على درس أساسه أنّ الشظف يلد القوة، وأنّ الندرة تعجن النفوس لتصنع منها رجالاً ونساءً يعرفون قيمة ما بين أيديهم. هناك لا مجال للترف الذي يُفسد الطبع، ولا للكسل الذي يدفن الأحلام. لذلك نشأت قيم تتحدى الوقت: كرم يُدهش الغريب، وشجاعة تفتت الخوف، وشهامة لا تبيع رفاق الدرب مهما اشتد البلاء. حتى الكلام تحوّل إلى جوهرة، لأن الكلمة في البادية سلاح لا يقل شأناً عن السيف.

قبل الإسلام كان العرب شعراً يمشي على رمال ساخنة. أسواقهم منصّات للفكر، وصدورهم دفاتر تُدوّن فيها القصائد قبل الورق. كان الشاعر ناطقاً باسم القبيلة، يرسم ملامح الذاكرة، ويمنح الجماعة سبباً آخر لترفَع الرأس. غير أنّ التاريخ الذي يعرف اللحظات الفاصلة قرّر أن يحمل العرب مسؤولية أكبر، فكانت الرسالة التي أعادت ترتيب المشهد كله. تحوّل العربي من ابن الصحراء إلى حامل مشروع كوني، ومن فارس قبيلته إلى صانع قيم حضارية تتجاوز الحدود.

في عهد الراشدين تشكّلت معايير جديدة للقيادة، لا تقوم على النسب وحده بل على العدل والحكمة وحضور الضمير. كان حاكم المسلمين ينام بلا حراس، لأن العادل لا يخشى من أمن عدالته. ثم جاءت الدولة الأموية فصارت دمشق عاصمة للكون، ومنها امتد الحضور العربي إلى الأندلس في أقصى الغرب، وإلى تخوم آسيا في أقصى الشرق. لم تكن الفتوحات مجرد رقعة تتسع على خرائط الجغرافيا، بل مجالاً لانتشار المعرفة وتكامل الثقافات.

بلغ العرب في العصر العباسي أوج ازدهارهم العلمي. بغداد التي تلامس دجلة برفق، كانت عقل العالم. جُمعت فيها العلوم القديمة، ونُقدت، وطُوّرت، وتمّ إنتاج الجديد الذي صار لاحقاً أساس نهضة أوروبا. بيت الحكمة لم يكن مكتبة فقط، بل ورشة تفكر وابتكار. هناك وُضعت أسس الجبر، وهناك دُقّق عمل الفلكيين، وهناك ترجمت الفلسفة اليونانية إلى لغة استعادت رونقها في سجالات المتكلمين والعلماء. بفضل هؤلاء تحوّلت العربية إلى إحدى أرقى لغات العلم، لغة قادرة على معانقة المجرات والحسابات وتعليل الظواهر الطبيعية بصرامة عقلية.

وما كان للطب أن يزدهر لولا أبقراط العرب، ابن سينا، الذي كتب في النفس كما كتب في الجسد، راسماً لوحة للإنسان في توازن بين الروح والمادة. وما كان للظواهر البصرية أن تُفهم كما فهمها ابن الهيثم، الذي علّم الدنيا أنّ التجربة سيد البرهان وأن النظر لا يكفي ما لم تتبعه الحجة. وما كان للجغرافيا أن تتسع في عيون البشر لولا الإدريسي، الذي رسم الخرائط بدقة مدهشة في زمن لم يعرف الطائرات ولا الأقمار الصناعية. تلك نماذج وما خفي أعظم.

امتلك العرب ناصية البحر أيضاً. كانت أساطيلهم تلامس أمواج المتوسط وتصل إلى بحر الهند، حاملةً التجارة والأفكار لا السلب والنهب. الحضارة العربية الإسلامية كانت لقاءً بين أمة بنت قوتها على مكارم الأخلاق وأمم أخرى وجدت في هذا اللقاء فرصة لتحرير عقلها من أغلال الخوف والجهل.

الروح العربية لا تختزل في التاريخ البعيد وحده. عبر العصور كان هناك دائماً من يشعل جمرة الهوية ويعيد تعريف الانتماء. الأدب، مثلاً، عاش موجاته الصاعدة من الجاهلية إلى العصور الإسلامية ثم إلى النهضة الحديثة. حتى في زمن الانكسار ظل الشاعر العربي قادراً على الوقوف، يرفض الهزيمة اللغوية والفكرية. لولا تلك الكلمات التي كتبت بالروح قبل القلم، لذابت ذاكرة أمة كاملة تحت وطأة الأحداث.

كان للعرب دور جوهري في نقل الحضارة إلى الأندلس، وهناك حدثت المعجزة. قرطبة غرست شجراً من المعرفة لولا جذوره العربية لما أورقت أوروبا لاحقاً بنهضتها. شُيّدت الجامعات، وأُضيئت الشوارع، وتنافست العقول في الخلفيات العلمية والفلسفية. وعندما أطفأت محاكم التفتيش تلك الأنوار، بقيت الكتب العربية التي هربها الأوروبيون وقوداً لثورات فكرية قادمة.

التاريخ لا يجامل أحداً. يمنح المجد لمن يستحقه ثم يحفظه في دفاتر الذاكرة. صحيح أنّ العرب مرّوا بقرون صعبة، اختلطت فيها الهزائم بالتحديات، وتعرضت فيها المنطقة لتمزقات سياسية وفكرية، غير أنّ الانقطاع لم يكن كاملاً. ما زالت هناك ملامح لنفس الروح التي بنت حضارة ذات يوم. روح تسأل: لماذا لا نعود في المقدمة؟

نهضة اليوم تحتاج إلى وعي بالأمس وتخطيط للغد. امتلاك التكنولوجيا ضرورة، وإحياء التعليم مطلب لا يقبل التأجيل، واستعادة الثقة بالذات الخطوة الأولى. ما دامت هذه الأمة قد أنجبت من سبقوا عصرهم، فبوسعها أن تنجب من يصنعون المستقبل. الشرط الوحيد هو أن يلتقي العقل بالإرادة. الحلم يصبح واقعاً عندما يجد من يحرسه.

في قلب كل عربي حنين إلى السمو. ربما تشتد الرياح أحياناً، وربما تتعثر الخطى، غير أنّ جذوة الضوء لا تنطفئ. لا تحتاج الأمة إلا أن تتذكر أنّ السماء التي كانت سقفها في الصحراء الأولى ما زالت هناك، تنتظر من يرفع رأسه ويحدق نحوها. نحن أبناء الذين علّموا الدنيا كيف تكتب الأرقام، وكيف تُوزن النجوم، وكيف تُحترم الكلمة.

كنا المجد عندما غفى العالم، ولن يتبدد المجد ما دامت الذاكرة حية، وما دام هناك من يصر على أن الشمس تشرق من الشرق مهما طال الليل. العرب ليسوا مجرد فصل في كتاب التاريخ. هم من كتبوا ما سبق، وما زال بيدهم أن يكتبوا ما سيأتي. التاريخ لا ينتهي إلا إذا قررت الأمم أن تستسلم. والعرب لم يتعلموا يوماً معنى الاستسلام.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى