رأي

د. أحمد عبد العزيز بكير يكتب.. بدائل مصر للطاقة في ظل تعثر صفقات الغاز الإسرائيلي: تحليل استراتيجي

شهدت السنوات الأخيرة تحولات جذرية في خريطة الطاقة الإقليمية، حيث أصبحت مصر لاعباً رئيسياً في سوق الغاز الطبيعي بعد اكتشافات حقل ظهر الضخم. ومع ذلك، فإن العلاقات الطاقوية المعقدة مع إسرائيل، التي كانت تمثل مصدراً للغاز نحو الأسواق المصرية والأوروبية، تشهد توترات متزايدة بسبب عوامل جيوسياسية واقتصادية. هذا الوضع يدفع مصر إلى التسريع في البحث عن بدائل إقليمية ودولية لضمان أمنها الطاقوي وتعزيز مكانتها كمركز إقليمي للطاقة. تبرز أسباب تراجع إسرائيل عن تصدير الغاز بسبب مجموعة من العوامل الجيوسياسية والأمنية، حيث أدت التطورات السياسية والأمنية في المنطقة، خاصة بعد حرب غزة الأخيرة وتصاعد التوترات مع حزب الله في لبنان، إلى إعادة تقييم إسرائيل لسياساتها الطاقوية، فيما تتردد مخاوف أمنية حقيقية من تعرض منشآت الغاز الإسرائيلية لهجمات محتملة جعلت عملية التصدير أكثر خطورة، بالإضافة إلى ضغوط داخلية تتزايد داخل إسرائيل بمطالبات بتوجيه الغاز للاستهلاك المحلي أولاً لخفض تكاليف الطاقة، كما أن العلاقات المتوترة مع مصر بسبب الخلافات حول عملية السلام الفلسطينية وإدارة حرب غزة والأعمال العسكرية في رفح أثرت سلباً على التعاون الثنائي.

إلى جانب العوامل الجيوسياسية، هناك أيضاً عوامل اقتصادية وتجارية تدفع إسرائيل للتراجع، حيث أن ارتفاع الطلب المحلي بسبب النمو الاقتصادي والسكاني في إسرائيل يزيد من احتياجاتها المحلية للغاز، كما أن تقلبات الأسعار العالمية جعلت بعض صفقات التصدير أقل ربيحية مقارنة بالبيع في السوق المحلي، ناهيك عن منافسة مصادر الطاقة الأخرى مثل تطور الطاقة المتجددة الذي خفض الطلب على الغاز في بعض الأسواق المستوردة.

في مواجهة هذا السيناريو، تتجه مصر إلى استراتيجيات متعددة تعتمد على البدائل الإقليمية والدولية، مع تطوير البنية التحتية المحلية والاستثمار في الطاقة المتجددة. على الصعيد الإقليمي، يبرز التعاون مع قبرص كخيار استراتيجي مهم، حيث تمتلك قبرص احتياطيات غاز كبيرة في حقول أفروديت وغيرها، ويمكن لمصر استيراد الغاز القبرصي ومعالجته بمعامل الإسالة المصرية بإدكو ودمياط التابعة للشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية (إيجاس)، وكذلك إنشاء مشاريع مشتركة للاستكشاف والإنتاج في المناطق الاقتصادية الخالصة المتجاورة، وتطوير البنية التحتية المشتركة مثل خطوط الأنابيب البحرية التي تربط الحقول القبرصية بمعامل الإسالة المصرية.

كما يمكن للشراكة مع الأشقاء في المملكة العربية السعودية أن تلعب دوراً محورياً، فعلى الرغم من أن السعودية ليست مصدراً رئيسياً للغاز حالياً، إلا أن الاستثمارات السعودية في قطاع الطاقة المصري يمكن أن تدعم تطوير البنية التحتية، والتعاون في مشاريع الطاقة المتجددة، التي من شأنها تقليل الاعتماد على الغاز في توليد الكهرباء.

ومع تصدر العراق لمشهد كبري احتياطيات الغاز والنفط في العالم، فلا يمكن إغفال التعاون مع العراق الذي يمتلك احتياطيات غاز مهولة، لكنها تطورت ببطء بسبب الظروف الأمنية والاستثمارية، وبالتالي يمكن لمصر المساعدة في تطوير الحقول العراقية من خلال الخبرة المصرية في إدارة مشاريع الغاز، وإنشاء خط أنابيب لنقل الغاز العراقي إلى مصر عبر الأردن والسعودية، والاستثمار المشترك في البنية التحتية للطاقة بين البلدين، وهذا أمر مهم جداً.

بالإضافة إلى ذلك، يمثل التعاون مع الجزائر فرصة واعدة، حيث تمتلك الجزائر بنية تحتية متطورة لتصدير الغاز ويمكن أن تشكل شريكاً إقليمياً مهماً من خلال تبادل الخبرات في مجال إنتاج وتصدير الغاز المسال، وإنشاء تحالفات إقليمية لتنظيم أسعار وتدفقات الغاز إلى الأسواق الأوروبية، ومشاريع الاستكشاف المشتركة في حوض البحر المتوسط.

وعلى المستوى الدولي، تفتح العلاقات مع القوى الكبرى آفاقاً جديدة لمصر. فتعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة التي أصبحت أحد أكبر منتجي الغاز الطبيعي في العالم يمكن أن يمكن مصر من استيراد الغاز المسال الأمريكي، إلا أن معضلته تكمن في ارتفاع أسعاره عالمياً. كما أن الشراكة مع روسيا، على الرغم من العقوبات الدولية عليها، تظل ممكنة من خلال الاستثمارات الروسية في قطاع الطاقة المصري، والشراكات التقنية في مجال المفاعلات النووية التي يمكن أن تقلل الاعتماد على الغاز.

لكن كل هذه البدائل الخارجية تحتاج إلى بنية تحتية محلية قوية لاستيعابها وتعظيم فوائدها، وتحديث تقنيات وزيادة كفاءة عمليات الإسالة وخفض التكاليف. كما أن تطوير شبكات التخزين والنقل يلعب دوراً حاسماً، من خلال بناء منشآت تخزين استراتيجية للتعامل مع التقلبات في الإنتاج والاستهلاك، وتطوير شبكة أنابيب محلية لربط مناطق الإنتاج بمراكز الاستهلاك ومصانع الإسالة، وإنشاء مراكز تداول للغاز لجعل مصر مركزاً عالمياً لتجارة الغاز في المنطقة.

ولا تقل أهمية عن ذلك ضرورة الاستثمار في الطاقة المتجددة لتحقيق مزيج طاقة متوازن ومستدام. وتمتلك مصر إمكانيات هائلة في مجال الطاقة الشمسية وطاقة الرياح يُمَكِّنها من استثمارات الطاقة المتجددة، كما أن منطقة خليج السويس تمثل ظروفاً ممتازة لتوليد طاقة الرياح. بالإضافة إلى ذلك، تمثل الطاقة النووية محوراً آخر للتنويع، حيث أن محطة الضبعة النووية ستمثل نقلة نوعية في مزيج الطاقة المصري، والتعاون مع روسيا في المجال النووي يفتح آفاقاً للتدريب ونقل التكنولوجيا، وتطوير الكوادر البشرية في المجال النووي سيدعم برنامج الطاقة النووية المصري، الذي تمتلك فيه مصر كوكبة من العلماء منذ حوالي سبعين عاماً.

يبقي القول أن الرؤية الأكثر شمولاً لمستقبل الطاقة في مصر تتطلب التكامل الإقليمي كاستراتيجية طويلة الأمد، لتمكين مصر قيادة مبادرات للتكامل الإقليمي في مجال الطاقة.

في الختام، في ظل التحديات الحالية مع إسرائيل، تمتلك مصر فرصة ذهبية لتسريع تطوير استراتيجية طاقة متكاملة تعتمد على تنويع المصادر والشركاء. من خلال الاستثمار في البنية التحتية، وتعزيز التعاون الإقليمي، والتوجه نحو الطاقة المتجددة، يمكن لمصر ليس فقط تعويض أي نقص محتمل في إمدادات الغاز من إسرائيل، ولكن أيضاً تعزيز مكانتها كمركز إقليمي/ عالمي للطاقة. البدائل المتاحة لمصر متنوعة وواعدة، لكنها تتطلب تخطيطاً استراتيجياً دقيقاً واستثمارات كبيرة في البنية التحتية والتعاون الدولي. النجاح في هذا المسار سيعزز ليس فقط أمن مصر الطاقوي، ولكن أيضاً موقعها الاقتصادي والاستراتيجي في المنطقة والعالم.

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى