جمال المحلاوي يكتب: الميزان الاستراتيجي للحرب في اليمن من ولادة دول الخليج إلى إغلاق باب المندب الحلقة الثانية

بينما تكثر الروايات الشائعة التي تتحدث عن الإنفاق اليومي الخيالي بل ويذهب البعض إلى جعل دور مصر في اليمن السبب الأصيل والوحيد لهزيمة يونيو 1967 .ولكن هل تصمد تلك الإدعاءات أمام لغة الأرقام ومضابط مجلس الأمة وشهادات القادة؟في هذا الجزء نستعرض اللحظات الأخيرة للوجود المصري في اليمن عقب اتفاقية الخرطوم ونقوم بتفنيد الاثار الحقيقية للأزمة اقتصاديا وعسكريا لنكتشف كيف تحولت الخسائر المباشرة من بوجه عام إلى مزايا استراتيجية بعيدة المدى لعل أهمها التحكم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر وولادة دول الخليج العربي . وإذا كان ذيل الأسد البريطاني قد قطع في بورسعيد 1956 فإن أنيابه ومخالبه قد سقطت بلا رجعة في عدن بل تعداه لانحسار الإمبراطورية البريطانية وفي هذا المقال نخوص في تفاصيل المشهد اليمني في مرحلته الثالثة ونضع الآثار الاقتصادية والعسكرية والإقليمية للدور المصري في ميزان النقد والتحليل لنتبين كيف صنعت تضحيات الأمس خريطة دول اليوم .
المرحلة الثالثة : تمثلت في انتهاء التدخل الذي تضافرت فيه الرغبتان الأمريكية والبريطانية في جر مصر لصدام مدمر يعجل بانتهاء الوجود المصري في اليمن حتى قبل عام 1968 وقد بدا الحل في توجيه إسرائيل ضربة عسكرية قاصمة لمصر والذي لاقى حماسا من إسرائيل للقضاء على القوة العسكرية المصرية فضلا عن قلقها من من نمو المقاومة الفلسطينية بعد الانقلاب العسكري في سوريا في فبراير 1966 واحتضان الحكام الجدد للمقاومة الفلسطينية . فكان من مصلحة إسرائيل عدم نجاح مصر في اليمن لأن معنى النجاح هو تجسد الحركة القومية العربية في دولة كبرى تصبح خطرا على وجود إسرائيل وتحكم مصر في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر وخنق إسرائيل ويرى البعض أن إجراءات جمال عبد الناصر في 14 مايو 1967 كانت بحجة إيجاد مخرج للقوات المصرية من اليمن بحجة مواجهة الخطر الإسرائيلي , ولكن الضربة الإسرائيلية في 5 يونيو 1967 قد عجلت حقيقة بسحب تلك القوات بأكملها بعد هزيمة يونيو بشهور .والذي تقرر في الخرطوم ويعرف باسم اتفاقية الخرطوم على هامش مؤتمر القمة العربي في أغسطس 1967 بناءا على مبادرة مصرية تؤكد على العمل العربي المشترك وضمان عدم عودة أسرة حميد الدين للحكم في اليمن مرة أخرى ولذلك طالب السلال المصريين بضرورة الإبقاء على بعض الأسلحة لضمان حماية الجمهورية ووعده المصريون بذلك إلا أن الظروف حالت دون تحقيق ذلك وأطيح بالسلال نفسه في 5 نوفمبر وشكل مجلس جمهوري ثلاثي برئاسة الإيرياني تلك القيادة الجديدة التي حرصت على إثبات حسن نواياها تجاه مصر وتقدير دورها في اليمن , وتوالى إنسحاب القوات المصرية تطبيقا لإتفاقية الخرطوم حتى يوم 29 نوفمبر 1967 والذي أقيم فيه وداع رسمي للقوات المصرية قال فيه الفريق حسن العمري القائد الجديد للقوات المسلحة اليمنية “لقد أديتم رسالتكم في مساندة الثورة اليمنية التي حققت لليمنيين آمالاً ووضعت الشعب اليمني في مكانته اللائقة بين الشعوب ” . وفي نفس الوقت كان نظاما جمهوريا مستقلاً يظهر في جنوب اليمن بإتمام القوات البريطانية إنسحابها .هكذا كان الدور المصري في اليمن والذي استمر لعدة سنوات مساندا لآمال اليمنيين في تحقيق آمالهم في الحرية والاستقلال .ذلك الدور الذي ينسب خصوم جمال عبد الناصر كافة المصاعب والأزمات والنكسات إل تدخل مصر في اليمن .
وختاما لابد أن نعرض للقاريء الآثار السلبية والإيجابية للتدخل المصري في اليمن.
أولا الآثار الاقتصادية : ليس من الممكن أن نعزل الآثار الاقتصادية لحرب اليمن عن الآثار الاقتصادية لسياسة مصر الخارجية بصفة عامة , فقد بلغت حجم المساعدات الأمريكية والسوفيتية خلال تلك الفترة لمصر مايوازن بسهولة إن لم يكم زيادة عن الإنفاق المصري في اليمن سواء لإقناع مصر بالتخلي عن سياستها في اليمن كما في الحالة الأمريكية أو لتعويض مصر عن الآثار الضارة للحرب كما في الحالة السوفيتية نظرا للوزن الدولي الذي يعتد به لمصر في تلك الفترة ويجدر بالذكر هنا أن بعض الآراء قد قدرت بالفعل الإنفاق اليومي بمليون جنيه من العملة الصعبة وهو الأمر الذي فنده جمال عبد الناصر شخصيا برد منطقي في خطاب عيد لنصر يوم 23 ديسمبر 1962 وهو أن كل رصيد مصر من العملة الصعبة كان 130 مليون جنيه إسترليني تنفق في المجالات المختلفة وأما المتبقي للشئون الخارجية هو 7 مليون جنيه .وإذا نظرنا إلى ميزانية الإنفاق على الدفاع والأمن والعدالة من العام المالي 62-63 إلى العام المالي 65-66 من مضابط مجلس الأمة في الفصل التشريعي الأول مضبطة الجلسة الخامسة والثلاثين في 23 مايو 1965 ص 2870 نجد أ الرقم المتاح للقوات المسلحة بلغ 142,2 مليون جنيه بزيادة قدرها 9 مليون جنيه عن العام المالي 64 -65 .ليست تلك الزيادة كلها لحرب اليمن بل لكل إنفاق القوات المسلحة على التطوير والتسليح ولإنشاء فرقق جديدة تحل محل الفرق العاملة في اليمن لمواجهة احتمالات الصدام مع إسرائيل .وبالرغم من كون وجود آثار سلبية للإنفاق على حرب اليمن إلا أن مصر قد حققت ميزة إستراتيجية بوجود نظام عربي مستقل في المداخل الجنوبية للبحر الأحمر والذي مكنها بعد ذلك من إغلاق مضيق باب المندب في حرب أكتوبر 1973 وبالتالي لايمكن الحكم على التجربة من آثارها الاقتصادية فقد في هذه الحالة.
ثانيا الآثار العسكرية :ولعلها أهم الآثار التي أثارت تساؤلات عن دور حرب اليمن في هزيمة 5 يونيو 1967. كانت القوات المصرية في اليمن تقر بنحو 20 ألف مقاتل في ذلك الوقت وقد تم تعويضه من خلال قوات الاحتياط ولكنه كانت تفتقر للتدريب الجيد . وفي رأي بعض المحللين أنه حتى لو كانت القوات إنسحبت من اليمن قبل العدوان لم يكن مصيرها يختلف عن باقي القوات لعدة عوامل منها اختلاف الطبيعة الجغرافية للقتال بين اليمن وسيناء كما أن طبيعة القتال تختلف عن الخبرة المطلوبة لحرب إسرائيل فقد كانت القوات المصرية تواجه حرب عصابات في اليمن لايملك العدو أي طائرات وتمتع سلاح الجو المصري بسيادة مطلقة الأمر الذي حرم القوات المصرية البرية في اليمن من خبرة اتخاذ إجراءات دفاعية ضد الطائرات وكانت هذه الظروف قاتلة لجيش حديث يعد نفسه أساسا لقتال جيش عصري كالجيش الإسرائيلي في التسليح وأسلوب القتال والذي يعتمد بشكل أساسي على قواته الجوية .ومع ذلك لايمكن وضع هذا الأثر للتدخل في اليمن كسبب أصيل لهزيمة وأن وضعه كسبب أساسي يصرف النظر عن الأسباب الأصيلة لهزيمة يونيو.
ثالثا ً : الآثار الاستراتيجية :قررت اليمن في 30 أبريل 1967 بمد مياهها الإقليمية من ثلاثة إلى إثنى عشر ميلا وكانت تلك الخطوة تنبيء عن خطة لمنع إسرائيل من المرور في باب المندب متزامنا ذلك مع الانسحاب البريطاني المتوقع من جنوب اليمن قبل نهاية العام 1968 وكان قلق إسرائيل من تلك الخطوة يسبق ذلك التاريخ حتى أنها أيدت الملكيين ووصل التأييد إلى إرسال يهود يمنيين من الذين هاجروا إلى إسرائيل ليحاربوا في صفوف الملكيين وأن مندوب الإمام زار اسرائيل سرا في عام 1963 وأن طائرات إسرائيلية بدون علامات قامت بحوالي 15 طلعة من جيبوتي لإسقاط الأسلحة للملكيين في الفترة من 1962-1963 .ولكن تحققت مخاوف إسرائيل بالفعل في أكتوبر 1973 ولم يكن يحدث ذلك إلا باستقلال جنوب اليمن
رابعا الآثار الإقليمية :كان لحرب اليمن تأثير على الدائرة الإقليمية في شبه الجزيرة العربية خاصة في جزئها الجنوبي بينما كان الجيش المصري يساند الجمهورية في شمال اليمن كان المصريون أيضا يساندون الثوار في جنوب اليمن لمواجهة الاحتلال البريطاني في عدن خاصة . كانت بريطانيا متيقنة بأن سيطرة بريطانيا على جنوب اليمن لابد أن يتم ذلك باستبدال الاحتلال العسكري المكلف إقتصاديا بشكل كبير لجنوب اليمن بسيطرة من نوع آخر سيطرة سياسية تضمن مصالح الغرب في تلك المنطقة فقامت بإقامة كيان سياسي فيدرالي موالي أطلق عليه اتحاد إمارات الجنوب العربي 1959وتم تعديله إلى إتحاد الجنوب العربي عام 1963 ويضم عددا من السلطنات والإمارات والمشيخات التي كانت ترتبط مع بريطانيا بمعاهدات حماية بالإضافة إلى عدن بلغت 17 كيانا سياسيا وقبليا .وقد انهار ذلك الكيان في نوفمبر 1967 متزامنا مع جلاء القوات البريطانية من عدن وكان ذلك بسبب ثورة 14 أكتوبر من ذات العام بالمقاومة المسلحة للجبهة القومية للتحرير والمدعومة من مصر وإعلان قيام جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية في كل أراضي جنوب اليمن وكانت تلك الحالة الوحيدة التي شهدها الاستعمار البريطاني والتي تم فيها الانسحاب في ظروف مثل هذا االنضال المسلح الذي لم تسبقه أي مفاوضات سياسية إلا قبل الانسحاب بأيام وهكذا أخفقت كل الخطط البريطانية للإحتفاظ بقاعدة عدن أو إقامة نظام يصلح قاعدة سياسية للحفاظ على المصالح البريطانية والغربية في تلك المنطقة .ومثل الانسحاب من عدن بداية إنفراط حبات العقد البريطاني في منطقة الخليج العربي ففي عام 1968 أدركت حكومة حزب العمال بقيادة “هارولد ويلسون “أنها لاتستطيع تحمل الكلفة العسكرية والمالية لحماية بقية محمياتها في الخليج العربي وتم الإعلان رسميا قرارا يقضي بالانسحاب العسكري الكامل من الخليج العربي بحلول عام 1971الأمر الذي أدى إلى اعلان عن إستقلال الإمارات العربية المتحدة بعد ترتيب الأوضاع وكذلك البحرين وقطر كدول ذات سيادة كاملة .وهنا ندرك أن موقف مصر في اليمن كان له الفضل في ظهور دول عربية مستقلة ذات سيادة كاملة كالإمارات وقطر والبحرين ولم يكن يحدث ذلك إلا بما قدمته مصر عسكريا وسياسيا بل أن ذلك التأثير تعدى حدوده الإقليمية حتى وصل إلى جنوب شرق آسيا , وانحسار الإمبراطورية البريطانية واكفاءها على العمق الأوربي وإن كان ذيل الأسد البريطاني قد قطع في بورسعيد فإن مخالبه وأنيابه قد سقطت في عدن.



