رأي

إدريس أحميد يكتب.. لماذا تحتاج أمريكا دائمًا إلى منافس؟

من البديهي أن الولايات المتحدة تُعدّ القوة الأقوى في العالم عسكريًا واقتصاديًا وتكنولوجيًا، غير أن هذه القوة، بطبيعتها، لا تستطيع الاستمرار أو التماسك دون وجود منافس واضح. هذه القراءة جاءت كمتابعة مستمرة للأحداث، في محاولة لتقييم وجهات النظر المختلفة وفهم التحولات الاستراتيجية، وتحليل ما تعكسه من سياسات أمريكية داخلية وخارجية. وهي نتاج اطلاع ومواكبة دقيقة لمجريات السياسة الدولية، تهدف إلى تقديم رؤية متكاملة عن سبب حاجة القوة العظمى دومًا إلى خصم، وعن الأدوات التي تستخدمها لإدارة مواقعها القيادية في عالم سريع التغير.
ولا يقتصر هذا الاحتياج على البعد الخارجي فحسب، بل يمتد إلى الداخل الأمريكي ذاته. فوجود تهديد واضح يسهم في توحيد الرأي العام، واحتواء الانقسام السياسي، وتسهيل تمرير الميزانيات الدفاعية الضخمة داخل الكونغرس، فضلًا عن دعم المجمع الصناعي–العسكري الذي يشكّل أحد أعمدة الاقتصاد الأمريكي. وفي غياب هذا “الخصم”، تصبح كلفة القيادة العالمية محل تساؤل داخلي متزايد.
التاريخ الحديث يوضح هذه القاعدة بجلاء. خلال الحرب الباردة، كان الاتحاد السوفيتي هو العدو الأول، في صراع شامل أيديولوجيًا وعسكريًا، انتهى بتفكك الاتحاد، وهو ما شكّل لحظة مفصلية في تكريس التفوق الأمريكي. غير أن سقوط هذا الخصم خلق فراغًا استراتيجيًا لا ينسجم مع طبيعة القوة المهيمنة، ما دفع واشنطن للبحث عن عنوان جديد للتهديد.
في المرحلة اللاحقة، برز “التشدد الإسلامي” كإطار جامع للخصم الجديد، بدءًا من أفغانستان في سياق الحرب بالوكالة ضد السوفييت، ثم مع تنظيم القاعدة، وصولًا إلى أحداث 11 سبتمبر، التي منحت الولايات المتحدة مبررًا واسعًا لإعادة رسم سياستها الخارجية، وتسخير أدواتها العسكرية والإعلامية والسياسية تحت شعار “الحرب على الإرهاب”.
ومع تراجع هذا الملف تدريجيًا، لم يعد كافيًا لتبرير استمرار القيادة الأمريكية للعالم، فكان لا بد من منافس أكثر تعقيدًا. هنا ظهرت الصين، لا كعدو أيديولوجي تقليدي، بل كمنافس اقتصادي وتكنولوجي طويل المدى، يسعى لإعادة تشكيل قواعد الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد والتفوق التكنولوجي. وبخلاف الاتحاد السوفيتي، لا تسعى بكين إلى مواجهة عسكرية مباشرة، بل إلى منافسة هادئة وطويلة النفس، ما يجعل الصراع أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للحسم السريع.
بالتوازي، أُعيد تصعيد روسيا كعدو مباشر، خاصة في ظل الإدارات الديمقراطية، وبانسجام واضح مع الحلفاء الأوروبيين. وفي هذا السياق، جاءت الحرب في أوكرانيا، حيث رأت موسكو في توسع حلف الناتو شرقًا وضم أوكرانيا فعليًا إلى المعسكر الغربي تهديدًا لأمنها القومي، بينما رأت واشنطن في الصراع فرصة استراتيجية لإضعاف روسيا دون الانخراط في مواجهة مباشرة.
وقد شكّلت الحرب نموذجًا عمليًا لاستراتيجية “إدارة الصراع عن بُعد”، إذ قدّمت الولايات المتحدة دعمًا ماليًا وعسكريًا ضخمًا لكييف، بما سمح لها باستنزاف القدرات الروسية، واختبار فاعلية السلاح الغربي، وتعزيز موقعها القيادي داخل الناتو، ولو بثمن تحمّله الحلفاء الأوروبيون أكثر مما تحمّلته واشنطن نفسها.
غير أن عودة الجمهوريين، وتحديدًا دونالد ترامب، أعادت ترتيب الأولويات الأمريكية. الصين عادت إلى صدارة التهديدات، خصوصًا اقتصاديًا وتكنولوجيًا، بينما جرى التعامل مع روسيا من زاوية المصالح الممكنة لا العداء المطلق. هذا النهج أثار جدلًا واسعًا داخل الولايات المتحدة وخارجها، وأعاد طرح أسئلة حول طبيعة التحالفات وحدود الالتزام الأمريكي تجاهها.
فلسفة ترامب بين الرؤية الشخصية والسياسة الأمريكية
هنا يبرز تساؤل جوهري: هل سياسة ترامب مجرد أسلوب شخصي أم رؤية استراتيجية عميقة لدولة عظمى؟ الإجابة تتضح في توازنه بين فلسفة شخصية ونهج استراتيجي. مبدأ “أمريكا أولًا” لم يكن مجرد شعار، بل إعادة ترتيب للأولويات على أساس المصالح المباشرة والربحية الاقتصادية، مع تحميل الحلفاء العبء الأكبر. العالم قد يراه غريبًا لأنه بعيد عن لغة المفاوضات التقليدية والتحالفات الطويلة الأمد، لكنه قائم على حسابات مصالح مشروعة تُطبق بالقوة والضغط المباشر.
استمرارية هذه السياسات لا ترتبط فقط بترامب نفسه؛ بعض مبادئه أصبحت تُدرس داخل المؤسسات الأمريكية: إعادة ترتيب التحالفات على أساس المصالح، التركيز على الاقتصاد والتكنولوجيا، والتعامل مع المنافسين بالقوة والضغط الاقتصادي. بمعنى آخر، حتى بعد انتهاء ولايته، قد تستمر بعض أبعاد هذه الفلسفة داخل السياسة الأمريكية الجديدة، مع تعديلها وفق التوازنات الداخلية والخارجية.
التناقض بين خطاب السلام واستعمال القوة
إضافة إلى ذلك، لوحظ تناقض واضح بين خطاب ترامب الداعم للسلام وبين سياساته العملية في مناطق مثل فنزويلا، نيجيريا، فلسطين، سوريا، وإيران، حيث اعتمد على القوة المباشرة أو التهديد الاقتصادي والعسكري. هذا التناقض لا يعني العشوائية، بل يعكس منطق المصلحة المباشرة: فحين تكون المفاوضات أقل كلفة وفعالية، يتجه ترامب للسلام والحوار؛ وحين تكون المصالح الأمريكية بحاجة إلى فرض النفوذ بسرعة، يعتمد القوة والضغط.
هذا الأسلوب أعطى السياسة الأمريكية مرونة عملية، لكنه أثار استغرابًا لدى الحلفاء الأوروبيين ودول العالم، لأنه يبتعد عن لغة التحالفات التقليدية والقيم الثابتة. وفي الوقت نفسه، يكشف عن تحول مهم في مفهوم القوة الأمريكية: من قيادة تعتمد على التحالفات والقيم، إلى قيادة مرنة، مباشرة، ومرتكزة على النتائج والمصالح القابلة للقياس.
في ولايته الثانية، أكّد ترامب مواجهة الصين كأولوية استراتيجية، وإنهاء الحرب في أوكرانيا بشروط تحفظ المصالح الأمريكية، واسترداد كلفة الدعم عبر اتفاقيات اقتصادية، مع تحميل أوروبا العبء الأكبر من الإنفاق العسكري. هذا التحول كشف هشاشة فكرة التحالفات الدائمة. فالحليف لم يعد شريكًا استراتيجيًا ثابتًا، بل طرفًا يُقاس بقدر ما يقدمه من مقابل، والحماية لم تعد مجانية.
في المقابل، تسعى قوى أخرى مثل الهند والبرازيل وجنوب إفريقيا، وحتى حلفاء تقليديين كاليابان وكوريا الجنوبية، إلى توسيع هامش استقلالها ومناورتها داخل نظام دولي سريع التغير. وفي هذا الإطار، يندرج الاتفاق الاقتصادي التاريخي بين الاتحاد الأوروبي والهند، الذي يهدف إلى فتح السوق الهندية أمام الشركات الأوروبية عبر تخفيف القيود الجمركية والتنظيمية، بما يعزز الصادرات الأوروبية ويعمّق الشراكة مع أحد أسرع الاقتصادات نموًا في العالم. ويعكس هذا الاتفاق توجهًا عالميًا نحو تنويع الشراكات وتقليل الاعتماد على القوى التقليدية، في ظل تصاعد الاعتبارات الاقتصادية والتكنولوجية على حساب الأيديولوجيا.
في المحصلة، لا تبحث الولايات المتحدة عن خصم بدافع الهوس بالصراع، بل لأن بنية القوة العظمى نفسها تفترض وجود منافس يُبرّر الاستمرار ويمنح القيادة شرعية داخلية وخارجية. غير أن ما يتغير اليوم ليس فقط هوية هذا المنافس، بل طبيعة النظام الدولي بأكمله. فنحن أمام مرحلة انتقالية عميقة، لا تعني انهيار الهيمنة الأمريكية، بقدر ما تعكس سعيها لإعادة تعريفها بأدوات أقل كلفة وأكثر براغماتية.
وفي عالم كهذا، لن يكون البقاء للأقوى فقط، بل للأكثر قدرة على قراءة التحولات، وبناء هامش مناورة ذكي، واستخدام القوة – أو تجنبها – في التوقيت المناسب.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى