إدريس أحميد يكتب.. المفاوضات الأمريكية – الإيرانية: بين تعثر الجولة الأولى ومآلات التصعيد

تعود المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران إلى الواجهة مجددًا وسط حالة من الترقب الإقليمي والدولي لمدى إمكانية تحقيق اختراق في ملف معقد يتجاوز في أبعاده الجوانب النووية إلى اعتبارات سياسية وأمنية واقتصادية أوسع. وقد انتهت الجولة الأولى دون نتائج ملموسة، ليس فقط بسبب خلافات تقنية، بل نتيجة تباين عميق في الرؤى حول طبيعة الاتفاق المطلوب وحدود التنازلات الممكنة، في ظل بيئة دولية تتسم بتصاعد التنافس بين واشنطن وكل من الصين وروسيا، وهو ما جعل الملف الإيراني جزءًا من مشهد دولي أوسع وليس مجرد قضية ثنائية.
ويعود تعثر هذه الجولة إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها الفجوة في الشروط السياسية، حيث لم تعد الولايات المتحدة تنظر إلى الملف الإيراني من زاوية نووية بحتة، بل ضمن مقاربة أشمل تشمل تقييد البرنامج الصاروخي الإيراني، والحد من النفوذ الإقليمي لطهران، وإعادة ضبط سلوكها في ملفات المنطقة، بينما ترى إيران أن هذه المطالب تمس جوهر سيادتها وأمنها القومي. ويضاف إلى ذلك أزمة الثقة المتراكمة بين الطرفين، الناتجة عن تاريخ طويل من الانسحاب من الاتفاقات وسياسات الضغط المتبادل، ما يجعل أي تفاهم جديد هشًا منذ بدايته. كما أن اختلاف تعريف مفهوم “الاتفاق” بين الطرفين يزيد من تعقيد المشهد، إذ تميل واشنطن إلى اتفاق موسع يعالج السلوك الإقليمي لإيران، بينما تسعى طهران إلى اتفاق نووي محدود يركز على رفع العقوبات دون المساس بدورها الإقليمي.
وفي ظل هذا التعقيد، تظهر المعادلة الإقليمية والدولية بشكل أكثر وضوحًا، حيث لم تعد السياسة الأمريكية تجاه إيران معزولة، بل أصبحت جزءًا من إعادة ترتيب الأولويات العالمية في سياق التنافس مع الصين وروسيا. وتبدو إيران هنا كحالة مزدوجة، فهي من جهة تُعتبر عنصر تهديد إقليمي يجب احتواؤه، ومن جهة أخرى ورقة ضغط في صراع دولي أوسع، خاصة أن استقرار الخليج يرتبط مباشرة بأسواق الطاقة العالمية ومصالح القوى الكبرى، ما يجعل أي تطور في الملف الإيراني ذا تأثير يتجاوز حدوده الجغرافية.
وفي المقابل، تشير المعطيات إلى أن الولايات المتحدة لا ترفض مبدأ التوصل إلى اتفاق، لكنها تسعى إلى صيغة أكثر شمولًا واستقرارًا وأطول أمدًا تمنع العودة إلى دوائر التصعيد، غير أن هذه الرؤية تصطدم بواقع داخلي وإقليمي معقد يجعل الوصول إلى صيغة توافقية متوازنة أمرًا بالغ الصعوبة، ما يدفع السياسة الأمريكية إلى التذبذب بين خيار الضغط لإعادة التفاوض وخيار إدارة الأزمة دون انفجار شامل.
ومع انتقال الأزمة من إطار التفاوض التقليدي إلى مرحلة إدارة التوتر، خصوصًا مع ما يرتبط بالملاحة في مضيق هرمز، تتداخل أدوات الدبلوماسية مع الضغط الاقتصادي والعسكري، ما يرفع من احتمالات سوء التقدير ويزيد من مستوى المخاطر الإقليمية والدولية في آن واحد.
كما أن التطورات المرتبطة بملف الموانئ الإيرانية تشير إلى احتمال توجه أمريكي نحو تشديد الخناق البحري أو فرض قيود على حركة السفن المتجهة إلى الموانئ الإيرانية، وهو ما يُنظر إليه كخطوة تصعيدية مباشرة قد تتجاوز منطق الضغط السياسي إلى مسار أقرب إلى المواجهة غير المباشرة. إلا أن هذا الخيار لا يواجه إيران وحدها، بل يثير تحفظات دولية واسعة لدى دول ترتبط مصالحها التجارية والطاقة بالمنطقة، ما قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وزيادة الأعباء الاقتصادية على الأسواق العالمية.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن تداعيات أي حصار محتمل تفرضه إدارة ترامب على إيران تمثل امتدادًا لنهج تصعيدي قد يُضاف إلى سلسلة من الإخفاقات السابقة في مقاربة الملف الإيراني، خاصة بعد فشل الخيارات العسكرية والأمنية في تحقيق الأهداف المعلنة. فمثل هذا الحصار لا يمكن قراءته بمعزل عن توازنات المصالح الدولية، إذ إن تأثيره لا يقتصر على إيران وحدها، بل يمتد ليصيب بالدرجة الأولى الحلفاء الأوروبيين، ثم الصين والدول المرتبطة بالاقتصاد العالمي وسلاسل الطاقة والتجارة.
وبناءً على مجمل تطورات المواجهة الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران، يتضح أن العالم قد دخل مرحلة مختلفة، لم تعد فيها أدوات القوة العسكرية والحروب التقليدية – بل وحتى الحروب السيبرانية – قادرة وحدها على فرض النتائج الحاسمة كما في السابق. في المقابل، أصبحت الأدوات الاقتصادية والضغوط المالية والسياسية أكثر تأثيرًا وفاعلية في تشكيل موازين القوى وإعادة رسم خرائط النفوذ.
وهذا التحول يفرض إعادة النظر في منطق إدارة الصراعات الدولية، من الاعتماد على القوة الصلبة إلى توظيف القوة الاقتصادية بما يتيح فضاءً أوسع للتنافس القائم على المصالح المشتركة، بما يحقق قدرًا أكبر من الاستقرار والمنفعة المتبادلة بين الدول.
ومن هنا يمكن القول إن جزءًا من حالة عدم الاستقرار وانتشار الفوضى والإرهاب في مناطق متعددة من العالم يعود إلى سياسات تقوم على التصعيد والصراع بدل الاحتواء والتكامل. فالعالم اليوم لم يعد قادرًا على تحمل كلفة الحروب الشاملة أو التداعيات الممتدة للدمار، حيث باتت النتائج السلبية تطال الجميع دون استثناء، بغض النظر عن موقعهم في معادلات الصراع.
وفي هذا الإطار، يبرز تساؤل جوهري حول قدرة الولايات المتحدة على الاستمرار في إدارة سياسة ضغط واسعة النطاق في ظل تعدد الجبهات المفتوحة مع الصين وروسيا وأوروبا، وتزايد التحديات الاقتصادية الداخلية. فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بفرض حصار أو تصعيد تكتيكي، بل بمدى قدرة واشنطن على استيعاب الكلفة الاقتصادية والسياسية والأمنية لأي مواجهة ممتدة، خصوصًا إذا تحولت أدوات الضغط إلى عبء استراتيجي بدل أن تكون وسيلة لتحقيق الأهداف.
كما أن هذا المسار يفتح الباب أمام معارضة داخلية وخارجية ترى أن توسيع أدوات الضغط دون سقف واضح قد يؤدي إلى استنزاف طويل الأمد، بدل تحقيق استقرار مستدام، خاصة في ظل غياب رؤية تفاوضية متكاملة تحدد نهاية واضحة لمسار التصعيد.
ولا يمكن فصل هذا المشهد عن التفاعلات الإقليمية الأوسع، حيث تتقاطع الساحات من الخليج إلى لبنان وإسرائيل، في شبكة مصالح مترابطة تجعل أي تصعيد في ملف ما ينعكس مباشرة على الملفات الأخرى. وفي الداخل الإسرائيلي، تعيش الحكومة الإسرائيلية حالة من التوتر السياسي والاجتماعي، ما يجعل القرار أكثر حساسية تجاه أي انخراط في مسارات تصعيد طويلة الأمد، في ظل ضغوط داخلية متزايدة.
وفي المحصلة، لا تبدو المفاوضات الأمريكية – الإيرانية مجرد خلاف ثنائي حول ملف نووي أو إقليمي، بل جزءًا من إعادة تشكيل أوسع للتوازنات الدولية. فبين سياسة ضغط أمريكية تسعى لإعادة ضبط النفوذ، ورؤية إيرانية قائمة على تثبيت الدور الإقليمي والردع، وساحات مترابطة من الخليج إلى شرق المتوسط، يبقى المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة دون مسار حاسم، ما يجعل إدارة الأزمة بحذر ضرورة لتفادي انزلاق قد تكون كلفته أعلى من قدرة جميع الأطراف على الاحتمال.



