أزمة الفهم في عصر المعلومات: كيف غيّرت الوفرة الرقمية إدراكنا للحروب والأزمات؟

أسماء عبدالكريم
باحثة دكتوراه في الذكاء الاصطناعي والعلوم السياسية
مقدمة
شهد العالم خلال العقود الأخيرة تحولًا جذريًا في البيئة المعلوماتية بفعل التطور المتسارع في تكنولوجيا الاتصالات والإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي. فبعد أن كانت المجتمعات تواجه تحديات مرتبطة بندرة المعلومات وصعوبة الوصول إليها، أصبحت تواجه تحديًا من نوع مختلف يتمثل في التدفق الهائل للمحتوى وتعدد مصادره وتسارع تداوله.
وفي ظل هذا الواقع الجديد، برزت ما يمكن تسميته بـ”أزمة الفهم”، حيث لم يعد امتلاك المعلومات كافيًا لبناء معرفة دقيقة بالأحداث، بل أصبحت القدرة على التفسير والتحليل وربط الوقائع بسياقاتها المختلفة هي التحدي الحقيقي. وتزداد أهمية هذه الإشكالية خلال الحروب والأزمات الدولية، التي تحولت فيها المعلومات إلى عنصر مؤثر في إدارة الصراع وتوجيه مواقف الجماهير وصناع القرار.
من ندرة المعلومات إلى التشبع المعرفي
ارتبطت المعرفة لعقود طويلة بقدرة محدودة على الوصول إلى الأخبار والتحليلات، وكانت المؤسسات الإعلامية التقليدية تمثل المصدر الرئيسي للمعلومات. إلا أن الثورة الرقمية غيّرت هذه المعادلة بصورة جذرية، حيث أصبح بإمكان أي فرد إنتاج المحتوى ونشره والوصول إلى جمهور واسع خلال لحظات.
وقد أتاح هذا التحول فرصًا كبيرة لتبادل المعرفة وتوسيع دائرة المشاركة العامة، لكنه في المقابل أوجد حالة من التشبع المعرفي نتيجة التدفق المستمر للأخبار والآراء والصور ومقاطع الفيديو. وأصبح المتلقي مطالبًا بالتعامل مع كم هائل من المعلومات المتداخلة والمتغيرة بصورة متسارعة، وهو ما يزيد من صعوبة تكوين فهم متوازن للأحداث.
الحروب المعاصرة ومعركة السرديات
لم تعد الحروب الحديثة تقتصر على المواجهات العسكرية المباشرة، بل أصبحت تتضمن صراعًا موازياً يدور حول تشكيل الإدراك العام وتوجيه الرأي العام المحلي والدولي.
وقد برز هذا النمط بوضوح في الحرب الروسية الأوكرانية والحرب في غزة، إلى جانب التفاعلات الإقليمية والدولية في الشرق الأوسط، لاسيما في السياق المرتبط بإيران والولايات المتحدة وإسرائيل، حيث تتجاوز المواجهات أبعادها التقليدية لتشمل مجالًا إعلاميًا ورقميًا تتنافس فيه الأطراف على صياغة الروايات وتوجيه تفسير الأحداث.
وأصبحت الصور والمقاطع المصورة والرسائل الإعلامية أدوات مؤثرة في تشكيل التصورات حول أطراف الصراع وأهدافه ونتائجه، مما جعل إدارة السردية عنصرًا رئيسيًا في معادلة القوة المعاصرة.
الخوارزميات وإعادة تشكيل الإدراك
تلعب الخوارزميات دورًا محوريًا في تشكيل البيئة المعلوماتية التي يتفاعل معها الأفراد يوميًا. فالمحتوى الذي يصل إلى المستخدمين لا يتم اختياره بصورة عشوائية، بل وفق معايير تستهدف زيادة التفاعل ومدة البقاء على المنصات الرقمية.
ونتيجة لذلك، تحظى الموضوعات المثيرة للجدل والمحتويات العاطفية بفرص انتشار أكبر مقارنة بالمحتويات التحليلية المتخصصة. كما تسهم هذه الآليات في تكوين ما يعرف بـ”غرف الصدى”، حيث يتعرض الأفراد بصورة متكررة للأفكار المتوافقة مع قناعاتهم المسبقة، بما يقلل من فرص الاطلاع على وجهات نظر مختلفة ويعزز حالة الاستقطاب داخل المجتمعات.
الذكاء الاصطناعي وتحديات الثقة
أضاف الذكاء الاصطناعي بعدًا جديدًا إلى المشهد المعلوماتي المعاصر، إذ أصبح قادرًا على إنتاج نصوص وصور ومقاطع فيديو وتسجيلات صوتية بدرجة عالية من الواقعية.
ورغم ما توفره هذه التقنيات من إمكانات إيجابية في مجالات عديدة، فإنها تثير تحديات متزايدة تتعلق بموثوقية المحتوى المتداول، خاصة خلال الأزمات والصراعات. فقد أصبح من الممكن إنتاج مواد مفبركة يصعب اكتشافها بسهولة، وهو ما يهدد بإضعاف الثقة في الأدلة البصرية والسمعية ويزيد من تعقيد عملية التحقق من المعلومات.
من الأمن الإدراكي إلى السيادة الإدراكية
أدت التحولات المتسارعة في المجال المعلوماتي إلى بروز مفهوم الأمن الإدراكي، الذي يركز على حماية وعي الأفراد والمجتمعات من عمليات التضليل والتأثير المعرفي الموجه.
إلا أن طبيعة التحديات الراهنة تفرض الانتقال إلى مفهوم أكثر شمولًا يتمثل في السيادة الإدراكية، والتي تعني قدرة الدولة على حماية مجالها المعرفي والحفاظ على استقلالية تشكيل الوعي الوطني في مواجهة التأثيرات الخارجية.
فإذا كانت السيادة التقليدية ترتبط بحماية الحدود والإقليم، فإن السيادة الإدراكية ترتبط بحماية الفضاء المعلوماتي وضمان قدرة المواطنين على بناء مواقفهم استنادًا إلى المعرفة والتحليل، لا إلى حملات التوجيه والتلاعب.
دلالات استراتيجية
تكشف التحولات الراهنة أن المنافسة بين الدول لم تعد تقتصر على المجالات العسكرية أو الاقتصادية أو التكنولوجية، بل امتدت إلى المجال الإدراكي باعتباره أحد ميادين القوة في القرن الحادي والعشرين.
ومن ثم، تبرز الحاجة إلى تطوير استراتيجيات وطنية لتعزيز التفكير النقدي والوعي الإعلامي، ودعم آليات التحقق من المعلومات، والاستفادة من التقنيات الحديثة في الكشف المبكر عن حملات التضليل. كما أصبح من الضروري إدماج مفاهيم الأمن والسيادة الإدراكية ضمن سياسات الأمن القومي لضمان قدرة الدول على مواجهة التحديات الناشئة في البيئة الرقمية.
خاتمة
أفرزت الثورة الرقمية واقعًا جديدًا لم تعد فيه المشكلة الأساسية مرتبطة بالحصول على المعلومات، بل بامتلاك القدرة على فهمها وتفسيرها في سياقاتها الصحيحة. وفي عالم تتزايد فيه المنافسة على العقول بقدر المنافسة على الموارد والنفوذ، أصبحت حماية المجال الإدراكي للمجتمعات قضية استراتيجية ترتبط بالأمن والاستقرار والتنمية.
ومن هذا المنطلق، فإن بناء وعي نقدي وتعزيز السيادة الإدراكية يمثلان أحد أهم متطلبات التعامل مع الحروب والأزمات في العصر الرقمي، حيث أصبح الفهم ذاته أحد عناصر القوة في العلاقات الدولية المعاصرة.
بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب



