اجتماعيةدراسات

يحيى رياض يكتب.. اطلالة علي جبال النوبة 3

المؤثرات الثقافية الخارجية :-
عاش سكان جبال النوبة حياة بسيطة، استطاعوا من خلالها أن يكونوا ثقافتهم الخاصة بهم، فقد استقرت مجموعات النوبة في منطقة جنوب كردفان علي الأرجح بعد أن نزحت منها السلالات الزنجية التي تركت الجبال للنوبة الذين اندفعوا إلي جهة الجنوب بعد أن فقدوا قواتهم في الشمال، وربما آثرت بعض مجموعات السلالات الزنجية الاستقرار في منطقة الجبال، مما يوحي بأن النوبة الحاليين هم نتاج تفاعل عناصر وافدة من شمال السودان مع العناصر الزنجية التي كانت مستقرة في جنوب كردفان، ويشير نادل (Nadel) إلي أن: النوبة استبعدوا أي ارتباط خارجي بل أكدوا وحرصوا علي ارتباطهم بالبيئة المحلية، ساعدهم في ذلك طبيعة جبال النوبة التي ساهمت في عزلتهم وتقويتها، كذلك تمسك النوبة بالجبال التي يعيشون بها، وخافوا من السفر واجتياز الغابات الكثيفة خوفا من الحيوانات المفترسة، ومن صيادي الرقيق، وزاد ذلك من تقوية علاقاتهم بجيرانهم الشلك، وتأثروا بهم وبعاداتهم، في حين قويت صلات الشماليين بالعرب الذين أتوا إلي المنطقة وتأثروا بهم دينيًا واجتماعيًا وثقافيًا( ).
فهناك موروثات كثيرة تركها سكان جبال النوبة، كالتعبير التصويرى والنقوش داخل الكهوف وعلي الصخور والنحوت المختلفة مثل صناعة الأواني الفخارية بأشكالها وألوانها المتنوعة، وكذلك بعض الصناعات اليدوية الأخرى والأدوات الزراعية البدائية، وأدوات الحرب، وأدوات صيد الحيوانات والسمك والزي التقليدي القديم، وقلع وإزالة الأسنان السفلي عند الجنسين، وهذا الأرث من الأسلاف، ويعتبرها سكان جبال النوبة نوعًا من الجمال( ).
وهناك الموروثات الدينية والأعراف التي أتت من الخارج بالإضافة إلي التأثير الإسلامي والمسيحي، فلدي قبائل جبال النوبة ثقافتين ، ثقافة عربية دينًا ولغة، وثقافة إفريقية نجدها في اللغة وفن الحياة التقليدية الموروثة، فثقافة جبال النوبة قامت علي اللغات المحلية والتقاليد والفنون الغنائية والرسومات والنحت والمصارعة والألعاب المختلفة( ).
وتعرضت جبال النوبة، مثلها مثل باقي الدول الإفريقية، للعديد من المؤثرات التي غيرت أو حاولت أن تغير من ثقافتهم التي ورثوها عن أجدادهم، ومن تلك المؤثرات:-
دخول الاسلام :-
كان دخول الإسلام إلي جبال النوبة من أكثر العوامل التي أثرت علي ثقافة أهل النوبة القديمة، فقد دخل الإسلام إلي جبال النوبة في أوقات متفاوتة، وبواسطة أفراد وكان للعرب دور كبير في معرفة الجبال للإسلام، وكذلك العابرين من غرب إفريقيا في طريقهم للحج، وقد عرفت الجبال الشرقية الإسلام قبل الجبال الغربية،إذ عرفت الإسلام في القرن الحادي عشر ولكنه لم يتسع إلا بعد دخول مؤسسو ممكة تقلي الإسلامية للمنطقة .
كانت مملكة تقلي الإسلامية هي البوابة الأولي التي دخل بها الإسلام إلي جبال النوبة، حيث انهمر سيل هجرات علماء الإسلام إلي مملكة تقلي، ومنها انداحت إلي كل المناطق لنشر اللغة العربية والثقافة الإسلامية لدى كل القبائل النوبية التي اشتهرت بحسن الاستقبالوالكرام وضيافة المسلمين من العرب، بل كل القبائل في جبال النوبة احتضنوا العرب الملسمين وتناسبوا وتصاهروا واختلطت دماؤهم بالقبائل العربية، الشيء الذي جعل الدعوة الإسلامية تنتشر بكل سهولة ويسر، ودخل الدين الإسلامي كل بيت فى مملكة تقلي حينما أعلن ملوكها إسلامهم( ).
لقد تأثرت ثقافة جبال النوبة من دخول المجموعات العربية والتي تحمل الثقافة الإسلامية، وقد جاء هذا التأثير علي مراحل مختلفة، عبر الاختلاط والتزاوج مع السكان الأصليين من النوبة، ومن تلك المجموعات العربية التي أثروا في النوبة، مجموعة الكواهلة، ولاسيما قبائل تيرا والليري لما أسسوه من علاقات تزاوج وانصهار مع سكان النوبة( ). وكذلك لعب الدعاة منفردين ومعهم أتباعهم في نشر الدين والثقافة الإسلامية بين قبائل النوبة، ومنهم الفقيه الجعلي الرباطي، وابنه أبوجريدة مؤسس مملكة تقلي الإسلامية، ومن حكم بعده من أبنائه وأحفادة، والشيخ محمد الأمين القرشي والشيخ محمد عبد الله البرناوي، والملك كندة كربوس ، وكان النوبة يسمعون ويطيعون تعاليمه الإسلامية، واستطاع هؤلاء وغيرهم أن يحولوا قبائل كثيرة وأفرادًا من ديانتهم الوثنية إلي الديانة الإسلامية( ).
الوجود المصري الإنجليزي :-
كما لعبت الدولة المهدية( ) دورًا كبيرًا في استمرار توغل الإسلام في جبال النوبة، فقد عمل المهدي علي بناء نموذج للمجتمع الإسلامي فبني المساجد والمنازل لسكن أتباعه بهدف استقرارهم، وعمل علي دعوة النوبة للنزول إلي السهول واعتناق الإسلام وترك التعاليم والعادات الوثنية( ).وبعد سقوط الدولة المهدية بيدأ الاستعمار الإنجليزي، عمل الاستعمار علي عدم وجود الثقافة الإسلامية في المناطق التي سيطر عليها، خاصة في فترة العشرينات من القرن الماضى وحتي الأربعينات منه، حيث أعلن الحكم البريطاني منطقة جبال النوبة مع أجزاء أخرى من السودان مناطق مقفولة لا يجوز الدخول إليها إلا بضوابط مشددة، وقد هدف الإنجليز من ذلك إبعاد الأثر الإسلامي والثقافة العربية ووضع العراقيل أمامها بهدف ترسيخ دعائم التبشير المسيحي بين السكان وتنصيرهم، وقد ركز الإنجليز علي المناطق حديثة العهد بالإسلام والمناطق ذات العقائدالإفريقية، وقد نجح الإنجليز بصورة كبيرة في ذلك بسبب الإمكانيات المادية الضخمة التي وفرها للكنائس التبشيرية التي عملت في جبال النوبة وفي كل المناطق التي لم يدخلها ويصلها الإسلام في ذلك الوقت، وقد نجحت الإدارة البريطانية في مناطق وقبائل عديدة في جبال النوبة، خاصة مع القبائل المتداخلة مع إقليم جنوب السودان في التأثر بالتبشير المسيحي( ).
وهناك من يري أنه بعد سقوط الدولة المهدية حكم الاستعمار السودان بغرض تحقيق أقصى جدوىاقتصادية منه، لذا لم يهتم كثيرا بحل مشاكل التنوع السوداني، بل شرع في استثمار هذا التنوع لأغراضه، ومن ثم أدخل الاستعمار عنصرًا جديدًا في مفاقمة سلبيات التنوع الثقافي حبث عمل علي تقدم من ينتمون إلي الهوية العربية الإسلامية وهمش وظلم من كان يقطن الأطراف( ). وهو ما أدى بدورهإلي الاهتمام بتلك الثقافة علي حساب ثقافة الأطراف، وأصبحوا هم المسيطرين علي مقاليد الأمور في السودان، من حيث الاهتمام بثقافتهم علي حساب ثقافة الأطراف، الذين يرون أنهم أصل السودان.
المنظمات والجماعات الإسلامية والطرق الصوفية :-
كما كانت للمنظمات الإسلامية، خاصة منظمة الدعوة الإسلامية، دورها في دعم النشاط الإسلامي في جبال النوبة، فقد بدأت عملها عام 1980، وكان جل اهتمامها العمل بالتبشير بين غير المسلمين والجماعات المسلمة الناطقة بغير اللغة العربية، فأرسلت البعثات والدعاة، وأقامت المنظمة العديد من المشروعات الدعوية مثل، بناء المساجد، إقامة معسكرات للدعوة الإسلامية، إقامة مراكز لتحفيظ القرءان الكريم، إقامة دور للمؤمنات، توزيع المصاحف مجانًا، المعونات الغذائية وتوزيع الملابس، إنشاء المعاهد والمدارس الدينية، وكذلك المستشفيات ودور الرعاية الصحية، واستقبال أبناء جبال النوبة للتعليم في المعاهد الدينية في الدول الإسلامية.
وكذلك لعبت لجنة مسلمي إفريقيا الخيرية دورها في نشر الإسلام في جبال النوبة، وقد بدأت عملها منتصف الثمانينات من القرن الماضي، وأقامت المكاتب في العديد من مناطق جبال النوبة مثل الدلنج وكادقلي ومهماتها الإشراف والعمل الدعوي بين الأسر الفقيرة بتوفير الكساء والدواء وإقامة المدارس الإسلامية لهم.
كما ساهمت الطرق الصوفية في نشر الثقافة الإسلامية داخل مجتمعات جبال النوبة، مثل الطريقة التيجانية، والطريقة الإسماعلية، والطريقة الختمية، وامتد نشاط تلك الطرق في العديد من مناطق وقبائل جبال النوبة، من جبل رشاد إلي أم حيطان وسط قبائل الكواليب، ومناطق بيترا وصبيان، وأقاموا مركزًا رئيسيًا في تلودي.
ولعبت بعض الجماعات الأخرى دورها في نشر الإسلام في جبال النوبة مثل جماعة السنة المحمدية، والتي عملت علي إخراج الناس من الشرك والاعتقادات الفاسدة ونشر عقيدة التوحيد، والالتزام بتعاليم الدين الإسلامي، وساهمت خلاوي في تحفيظ القرءان كذلك في محاولة تغيير ثقافة قبائل جبال النوبة ، خاصة التي يمنعها الدين الإسلامي، بين الرجال والنساء.
التراث الشعبيFolk Tradition
أدي اتساع مدلول مفهوم التراث إلي تباين تعريفه من بحث لآخر ومن باحث لآخر، ويري ابن منظور في لسان العرب: أن التراث لغة من ورث الشيء يرثه ورثًا ووراثة، والورث والميراث في المال والإرث في الحسب( ). وجاء في مختار الصحاح: ” ورث ” بمعني الميراث وأصل الهمزة فيه واو ( ).
وفي القرءان الكريم مشتقات مادة ورث للدلالة علي انتقال الثروات المادية والمعنوية، مثل قوله تعالي في سورة الفجر الآية 19 ” وتأكلون التراث أكلًا لما “، وهناك العديد من الآيات القرأنية التي تناولت كلمة الإرث والميراث ومدلولاتها( ).
ومما جاء في الحديث الشريف لقوله صلي الله عليه وسلم ” العلماء ورثة الأنبياء أن الأنبياء لم بورثوا دينارًا ولا درهمًا ولكن ورثوا العلم فمن أخذ منه أخذ بحظ وافٍ.
وقد عرفت موسوعة علم الاجتماع التراث – التقاليد ” Traditions – Tradition ” بأنه “مجموعة من الممارسات الاجتماعية التى تهدف إلي الاحتفاظ ببعض المعايير والقيم السلوكية وغرسها في ذهن الأفراد الممارسين، وهي معايير وقيم تعني استمرارًا لماضٍ حقيقي أو مُتصور، كما ترتبط عادة ببعض الشعائر أو غيرها من أشكال السلوك الرمزي التي تحظي بقبول واسع النطاق”( ).
وفي التعريفات الاجتماعية أيضًا نجد أن ” التراث ” في علم الآثار هو عبارة عن “مجموعة من العناصر أو السمات الثقافية المترابطة، والتي تستمر في البقاء عبر فترة زمنية طويلة نسبيًا، وتستخدم كلمة ” تراث ” في الأنثربولوجبا بديلًا عن أنماط المعتقدات والعادات الاجتماعية والقيم والسلوك والمعرفة أو الخبرة، والتي تنتقل من جيل إلي جيل عن طريق عملية التنشئة الاجتماعية داخل مجتمع معين”( ).
أما التعريف الاصطلاحي للتراث يشير إلي ما تراكم خلال الأزمنة من تقاليد وعادات وخبرات وعلوم في شعب من الشعوب، وهو جزء أساسي في قوامه الاجتماعي والإنساني والسياسي والتاريخي ويوثق علائقه بالأجيال الغابرة التي عملت على تكوين هذا التراث وإثرائه( ).
والتراث الشفهي هو ذلك الجزء من المعرفة الثقافية للمجتمع أو الثقافة التقليدية التي تتناقل بين أفراد المجتمع شفاهة، وليس بالشكل المكتوب، ومن ثم يقف علي طرفي نقيض التراث الرسمي المكتوب أو المتعلم. ويعد التراث الشفاهي مصدرًا للمعلومات حول الأنساق الثقافية والاجتماعية المعاصرة، كما يُعد مصدرًا للمعلومات عن تاريخ الجماعة أيضًا( ).
والتراث الشفهي يختلف بطبيعة الحال عن التراث المادي او الثقافة الماديةMaterial Culture، رغم أنهما يدخلان تحت علم الفولكلورالذي يضم كل من الأدب الشفاهي Oral Literature ، والعادات والمعتقدات الشعبية Social Folk Custome ، فنون الأداء الشعبي The Performing Arts ، والثقافة المادية Material Culture ،حيث يُعرف الأخير بأنه ” ذلك الجزء المحسوس والملموس من ثقافة الإنسان الذي يُري بالعين ويمكن لمسه”، مثال ذلك كيف يبني المجتمع التقليدي بيوته، ويصنع ملابسه، ويعد طعامه، ويزرع أرضه، يصيد الأسماك، ويحفظ ما تجود به الأرض، وكيف يصنع أدواته ومعداته، وأثاث منزله، وأدوات المنزل، وكل ذلك يكون في المجتمع القبلي ذات طبيعة تقليدية، وكل المنتجات يدوية الصنع( ).
تأثير الرواية الشفاهية علي تاريخ جبال النوبة:-
يعتبر التاريخ الشفوي من الوثائق المهمة التي لا تقل أهمية عن الوثائق المكتوبة لأنها تحفظ جوانب من التاريخ وسيرة الشعوب الإنسانية ويساعد الوقوف عليه الحصول علي رصيد معرفي وعلمي بتاريخ البيئات الإنسانية التي لم تُدون مسيرتها في الحقب المختلفة لاختلاف لغاتها،الأمر الذي يجعل من ضرورة تدوين التاريخ الشفوي بجميع لغاته واستخدامه في كتابة تاريخ المجتمعات البشرية، وعلي أسس علمية، مسألة غاية في الأهمية خاصة في هذا العصر الذي بدت تأثيرات ثقافات العولمة وانعكاساتها تؤثر علي الذاكرة الجمعية للشعوب، وتشكل هاجسا للباحثين وذوي الاهتمام بالتراث الشفوي للكيانات الاجتماعية المختلفة في عالم اليوم، وتنبثق أهمية التراث الشفوي في علاقته بتاريخ الشعوب من حقيقة أن تراث هذه الشعوب، وبينها السودان ومناطقها المختلفة، لا يزال في طياته الكثير من الحقائق والمعلومات والقصص والروايات التي يمكن من خلال الاطلاع عليها والوقوف علي حقائق ووقائع ومعلومات مهمة تكتنزها صدور الرواة وشهود العيان لا يمكن العثور عليها من التاريخ المدون والمكتوب، وذلك لارتباط كل معلومة أو حقيقة يتم العثور عليها في تراث المجتمعات البشرية بأصول ووقائع وحقائق ذات صلة بتاريخ الإنسان ولغته عبر مسيرته الطويلة.
وقد بدأت مؤخراً أصوات تنادي بضرورة وأهمية الروايات الشفهية والحاجة إلي الاهتمام بها كمصدر من مصادر كتابة تاريخ السودان، باعتبار أن التاريخ الشفوي وغير المدون يمثل وعاءًا من أوعية التاريخ غير المكتوب للشعوب والمجتمعات البشرية خاصة في عصرنا الحاضرالذي أفردت فيه مؤسسات البحث العلمي ومراكز تدوين وتوثيق التراث الإنساني حيزًا مقدرًا من الاهتمام والرعاية إلي هذا الجانب من مصادر التاريخ البشريخاصة في البيئات التي لم تحظ بقدر من التدوين لنماذج حياتها من ناحية لغوية ومراحل تطورها عبر العصور.
وتعتبر منطقة جبال النوبة من المناطق ذات الأهمية التاريخية والاقتصادية في السودان، وهي من المناطق التي ينطبق عليها ما ذكرناه من أنها لم تحظ بقدر من التدوين لحياة قاطنيها ومسيرتهم عبرالتاريخ، فكل ما كتب عنها هو بيد الآخر الذي كتبه بناءً علي أهدافه السياسية والاجتماعية والثقافية، مهمشا، أو حتي لاغيا، تصورات أهل جبال النوبة ورؤيتهم لما تم علي أرضهم، والمعاناه التي عاشوها طوال تاريخهم الحافل بالأحداث التي أثرت فيهم وأثرت في تاريخ السودان عبر عصوره.
لا شك أن كتابة التاريخ الشفهي لجبال النوبة سوف يكون له تأثير كبير في كافة المجالات :-
– يعطي صورة واضحة لجبال النوبة وما حدث بها من وجهة نظر سكان جبال النوبة، فهذا الزخم القبلي الهائل فى جبال النوبة يتبعه زخم وتنوع فى التاريخ الشفاهى، فلكل قبيلة تاريخها الخاص بها الذي يتحدث عن أصولها وهجراتها وارتباطها العرقي بسلالات أخرى أو ارتباطها بدول وجماعات عرقية أخرى أكبر، وارتباطها بغيرها من القبائل بعلاقات جيدة أو عداءات كبرى، والأحداث التى مرت بها وتأثيرها فى تاريخ الصراع بجبال النوبة بصفة خاصة والسودان بصفة عامة. بالإضافة إلى الزعماء التاريخين لها، الذي تحول بعضهم إلي أساطير في جبال النوبة.
– سوف يزيد من شعور سكان جبال النوبة بالهوية الخاصة بهم، في إطار الهوية العامة للسودان ككل.
– يعطى دارسي التاريخ القدرة علي تفسير بعض الأحداث التاريخية التي تبدو مبهمة وغير مفهومة عند تفسير الاتجاه الفكري لسكان جبال النوبة، بما ييسر للسياسيين ومتخذي القرار من اتخاذ قرارات قد تفسر من قبل سكان النوبة بأنها ضد تاريخهم الخاص ومعتقداتهم التي ورثوها عن الأجداد والأسلاف.
– الحفاظ علي تلك العقائد والتقاليد باعتبارها منتج إنساني يهم العالم كله وليس سكان النوبة فقط.
كيفية التمييز بين الأساطير والتاريخ
إن محاولة التمييز بين الأسطورة والتاريخ يتطلب أن نحدد هل هما مرتبطان بعلاقة ما، أم أنهما منفصلان تمامًا عن بعضهما؟، فالأسطورة هي إحدي الموروثات الشعبية، والمعني اللغوي لها كما جاء في مختار الصحاح أنها جاءت من سطر حيث يقال سطرًا، وغرس سطرًا، والسطر أيضًا الخط والكتابة وهو في الأصل مصدر، ويُقال سطرًا والجمع أسطار، وجمع أساطير وجمع السطر أسطر وسطور، والأساطير الأباطيل، ومفرد الأساطير أسطورة بالضم( ).
أما من حيث المعني الاصطلاحي، فقد اجتهد الباحثون في تعريف الأساطير، وعرفوها بأنها الأحاديث والأقاويل وأخبار الماضي، فالقرءان الكريم في سورة الفرقان الآية (5) قال تعالي ” وقالوا أساطير الأولين “، ومعناه ما سطره الأولون، أي ما ألفه الأولون وما كتبوه من أحاديث وخرافات، وفي قوله تعالي في سورة القلم الآية (1)( ن والقلم وما يسطرون )، وقال ابن منظور ” الأسطار بمعني الأخطاء، ويقولون أسطر الرجل إذا أخطأ”. والأساطير الأباطيل والأحاديث التى لا نظام لها، وسطرها ألفها، وسطر علينا أي أتانا بالأساطير، ويُقال سطر فلان علينا.
وهناك من يري في الأسطورة أنها أحاديث مصورة لأحداث تاريخية حقيقية واقعية، وأن أبطالها حقيقيون قاموا بأعمال مجيدة فخلدهم من جاء بعدهم وحولهم من بشر إلي آلهة، إلا أن هؤلاء اشترطوا التمييز عند تناول الأساطير بين الأسطورة الحقيقية والأسطورة التي قام الشعراء والفلاسفة والأدباء عموما بتحريف كلامها عن موضوعة( ).
أما عن بطل الأسطورة، فيري المهتمون بعلم النفس أن بطل الأسطورة حالما يخضع لتحولات سحرية، ويقوم بالخوارق ( ما هو فوق طاقة البشر )، فان تحولهم إلي “أسطورة “، لا يعدو إلا انعكاسًالرغبات وأماني مكبوتة تنطلق بعيدًا عن رقابة الوعي، لذلك تمتلء برموز لو تمكنا من تفسيرها لزودتنا بفهم عميق لنفس الإنسان ورغباته، وإذا تم تفسير الأسطورة برموزها نجد أنها جملة من الأفكار الدينية والفلسفية والأخلاقية.
أما التاريخ فينظر إلي موضوعه باعتباره تجلٍ للإرادة الإنسانية في جدليتها مع قوانين فاعلة في حياة الإنسان الاجتماعية، قام به الإنسان مفرغًا من أي مقدس أو غير طبيعي، فالأسطورة والتاريخ ينشأن عن الرغبة إلي معرفة أصل الحاضر، غير أن الاختلاف بينهما ظاهر إذ أن القيمة التي تسبغها علي ذلك الأصل عند الأسطورة قدسي، وعند التاريخ أصل دنيوي مفرغ من أي خوراق أو أشياء غير ممكنه، وبمعني آخر فإن الأسطورة تنظر إلي التاريخ معتبرةأياه تجلٍ للمشيئة الألهية( ).
من ذلك يتضح أن الأسطورة من حيث الشكل هي قصة تحكمها مبادئ السرد القصصي من حيث الحبكة وعقدة وشخصيات وما إليها، وغالبًا ما يجري صياغتها بشكل شعري، وتتزود بسلطات العاطفة، وفي هذا الإطار تكون الخرافة هي أكثر أنواع الحكايات التقليدية شبهًا بالأسطورة – بالرغم من الفارق بينهما – وأن كلا من الأسطورة والتاريخ هو وسيلة يفهم الإنسان من خلالها ذاته، ولكن ما يميز الأسطورة عن التاريخ هو أن الفكر الحديث أحل أفعال الإنسان وقوانين التطور كمحرك للتاريخ محل مشيئة وأفعال الآلهة.

 

 

 

 

 

 

المصادر والمراجع
1- – Nadel, S.F, The Nuba, Oxford University Press, Londom, 1947, P3-4
2- ابن منظور، لسان العرب، دار إحياء التراث العربي، القاهرة، ج15، 1997.
3- أحمد إلياس، الصلات بين النوبة وقبائل السودان، د.ن، الخرطوم.
4- أحمد عثمان خالد، تحديات الدعوة الإسلامية بجبال النوبة، رسالة ماجستير غير منشورة.
5- أسحق كودي كودي كانيدى، صراع الهوية في جبال النوبة .. الدوافع والحلول : دراسة تحليلية في الفترة 1983 – 2018.
6- إسماعيل كوه، الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في جبال النوبة، د.ن، 2010.
7- إسماعيل مظهر، رسالة الفكر الحر والنقد الاجتماعي، دار الثقافة للنشر والتوزيع، بيروت، د.ت.
8- الرازي، محمد بن أبي بكر، مختار الصحاح، مركز تحقيق التراث، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، د.ت.
9- القرءان الكريم سورة النساء آية 11، وسورة فاطر الآية 32.
10- بشير حمودة القوم، أثر انفصال الجنوب علي الدعوة الإسلامية بجبال النوبة: دراسة تحليلية.
11- جبريل إدريس تيه عبد الله، موروثات جبال النوبة وأثرها في الدعوة الاسلامية: دراسة وصفية تحليلية، رسالة دكتوراة، كلية الدعوة الاسلامية، جامعة أم درمان الإسلامية، الخرطوم، 2016.
12- جبور عبد النور، المعجم الأدبي، دار العلوم، بيروت، 1979.
13- حسن إبراهيم حسن، انتشار الإسلام في القارة الإفريقية، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1963.
14- حيدر إبراهيم على، التنوع الثقافي، أبحاث ندوة مركز الدراسات السودانية، القاهرة، 1-3 أبريل 1995.
15- عبد العزيز خالد، جبال النوبة : إثنيات وتراث.
16- مارشال، جوردن، موسوعة علم الاجتماع، ترجمة محمد الجوهري، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلي للثقافة، القاهرة، مج 1، 2000.
17- محمد حامد إبراهيم الفايق، الثبات والتغير في ثقافة المادية في بادية كردفان، مجلة الدراسات الإنسانية، كلبة الآداب والدراسات الإنسانية، جامعة دنقلا، ع23، 2020.
18- نادية إبراهيم أحمد، التراث الشعبي ودوره في تعزيز الهوية الثقافية: دراسة تطبيقية علي تراث ولاية كردفان، مجلة جامعة سنار، جامعة سنار، مج 2، ع2، 2013.
19- يوسف صالح الفرجاني، الأسطورة والتاريخ : قراءة أولية في علاقة الأسطورة بالتاريخ، مجلة الجامعي، النقابة العامة لأعضاء هيئة التدريس الجامعي، الخرطوم، 2015.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى