دراساتسياسية

بعد تعليق مذكرة التفاهم.. هل يتشكل تحالف دولي لفتح هرمز وما مصير تماسك النظام الإيراني؟

رضا عبدالعزيز- وحدة الدراسات السياسية

منذ انهيار الاتفاق المؤقت لوقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران في السابع من يوليو الجاري، دخلت المواجهة الأمريكية الإيرانية طورًا أكثر حدة، بعدما أعلنت إيران السبت التاسع عشر من يوليو تعليق العمل بكل التزاماتها بموجب مذكرة التفاهم الموقعة مع الولايات المتحدة، متهمة واشنطن بخرق تعهداتها واللجوء إلى القوة. في المقابل، رفضت بيانات خليجية وأوروبية مشتركة أي ادعاء بالسيطرة على مضيق هرمز، فيما تتواصل الغارات الأمريكية داخل الأراضي الإيرانية والهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن. وبين تصعيد ميداني متسارع وبوادر انقسام سياسي في الجبهة الداخلية الإيرانية، تطرح هذه اللحظة أسئلة محورية عن مستقبل الممر المائي الأكثر حساسية في العالم، وعن إمكانية تشكل تحالف دولي لفتحه ولو بالقوة، وعن قدرة النظام الإيراني على الصمود أمام ضغط خارجي قد يعمل على تحريض المواطنين ضد نظام الملالي؟

هل تتشكل جبهة دولية لفرض فتح المضيق؟

أعلنت طهران تعليق التزاماتها بمذكرة التفاهم التي كانت قد وُقّعت برعاية باكستانية وقطرية بهدف تثبيت التهدئة وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية. وجاء الإعلان على لسان نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية غريب أبادي، الذي اتهم واشنطن بأنها داست على التزاماتها بعدما شنّت ضربات عسكرية اعتبرتها طهران خرقًا مباشرًا للاتفاق، مؤكدًا أن الأولوية الإيرانية الآن هي “الدفاع الحازم” لا مواصلة المسار التفاوضي.
في موازاة ذلك، خرج بيان خليجي أوروبي مشترك السبت الثامن عشر من يوليو الجاري، عقب اجتماع رفيع المستوى للأمن الإقليمي عُقد في بروكسل مؤخرًا، برئاسة مشتركة أوروبية خليجية، ليرفض بشكل قاطع أي ادعاء بالسيادة أو السيطرة على المضيق من جانب أي دولة، وأي محاولة لفرض تصاريح أو رسوم عبور على الملاحة الدولية. وأكد البيان أن حرية المرور عبر المضيق حق مكفول بموجب القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ولا يجوز إخضاعه لسيطرة أي طرف أو لأي ترتيب ثنائي. كما طالب البيان إيران بوقف فوري وغير مشروط لكل الهجمات وأشكال التدخل في الملاحة، مستندًا إلى قرار مجلس الأمن رقم 2817، ومحمّلًا طهران المسؤولية الكاملة عما وصفه بجرائم حرب تستوجب المحاسبة الدولية.
هذا التقاطع بين تصعيد ميداني أمريكي إيراني، وتصعيد سياسي قانوني خليجي أوروبي، يضع على الطاولة سؤالًا لم يعد نظريًا: هل تسير الأطراف نحو تحالف دولي واسع لفرض فتح المضيق، ولو بالقوة؟ المعطيات الميدانية تشير إلى أن واشنطن تنفذ بالفعل عملية مزدوجة في محيط المضيق، تجمع بين ضربات مركزة على مواقع إيرانية قريبة منه وحصار بحري يستهدف تقييد قدرة طهران على المناورة، بينما تكشف تقارير أمريكية عن استمرار استهداف السفن التجارية ومعاناة أطقمها وبحارتها منذ الإعلان عن مذكرة الإطار، وهو ما يمنح الموقف الأمريكي الغربي الخليجي غطاءً إضافيًا لتصعيد لهجته القانونية والسياسية. وفي المقابل، يُظهر البيان الخليجي الأوروبي، بحديثه عن “جرائم حرب” و”مساءلة دولية”، ودعوته الصريحة لبقاء المضيق مفتوحًا “بصورة مستدامة” دون شروط، أن دول المنطقة والاتحاد الأوروبي يتحركان نحو تأطير قانوني وسياسي موحّد قد يشكل الأساس لأي تحرك جماعي لاحق- واشنطن ليست بعيدة عنه-، سواء عبر مزيد من الضغط الدبلوماسي والعقوبات، أو عبر تنسيق عسكري بحري أوسع لحماية الملاحة إذا استمر التصعيد الإيراني.
مع ذلك، يبقى الفارق جوهريًا بين تشكّل موقف دولي موحّد رافض لأي سيطرة إيرانية على المضيق، وبين تبلور “تحالف قتالي” فعلي يخوض مواجهة مباشرة مع طهران. فالبيان الخليجي الأوروبي، رغم لهجته الحازمة، لا يزال يختم بالتأكيد على “ضبط النفس” و”الالتزام بالحوار والدبلوماسية” كسبيل لحل الأزمة، ما يعكس حرص دول الخليج تحديدًا على عدم الانجرار إلى مواجهة مفتوحة تُقحمها بشكل مباشر في الحرب، حتى وهي تتعرض بنفسها لهجمات إيرانية طالت منشآت مدنية وعسكرية على أراضيها، إلا أن تواصل الاستهداف الإيراني للسفن التجارية، تزامنًا مع دفع الرئيس الأمريكي للعواصم الأوروبية للتدخل قد يبلور في النهاية تحالفًا يعمل على فرض حرية الملاحة في المضائق والممرات المائية.

انقسام طهران: بين معسكر التفاوض وجبهة التشدد

في الداخل الإيراني، حمل الأسبوع الأخير مؤشرات على توتر متصاعد لا بين تيارين رمزيين فحسب، بل بين معسكرٍ تنفيذي يقود ملف التفاوض ومعسكرٍ متشددٍ متغلغل في الحرس الثوري والبرلمان. فقد وجّه المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي رسالة مكتوبة إلى الداخل، دعا فيها إلى “الحفاظ على الوحدة وتجنب الفرقة والصراع”، واصفًا ذلك بأنه مسؤولية جماعية. واللافت أن موافقته على مذكرة التفاهم نفسها، بحسب ما أعلنه لاحقًا، كانت مشروطة بتعهدٍ قدّمه الرئيس بزشكيان، بصفته رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي، بتحمّل مسؤولية حماية مصالح إيران وعدم تقديم أي تنازلات إذا بالغت واشنطن في مطالبها — وهي صياغة تُقرأ عمليًا كإخلاءٍ مسبق لمسؤولية المرشد عن نتائج التفاوض، وتحميلٍ لبزشكيان وحده كلفة أي تداعيات قد يعتبرها التيار المتشدد سلبية لاحقًا. ويأتي هذا التموضع الحذر في سياقٍ لم يُحسم بعد: فالمرشد الجديد لم يظهر علنًا منذ تعيينه، واكتفى بالرسائل والبيانات المكتوبة.

هذا التباين بين خطاب “الوحدة” وممارسة تحميل المسؤولية ينعكس أيضًا على الأرض: فقد بادر بزشكيان إلى الاعتذار لدول الخليج عن استهداف أراضيها، متعهدًا بوقف ذلك نهائيًا، إلا أن الحرس الثوري عاد وشنّ هجماتٍ مباشرة على الدول ذاتها بُعيد هذا التعهد مباشرة، في مشهدٍ كشف أن القرار العسكري لا يخضع فعليًا لسلطة الحكومة المدنية التي تتصدّر واجهة التفاوض. ولم يكن هذا التصادم طارئًا، بل امتدادًا لنمطٍ أقدم: فحتى قبل الحرب، خاضت جبهةٌ برلمانية متشددة صغيرة العدد لكنها نافذة، تُعرف بـ “جبهة الصمود”، مزايداتٍ متكررة على فريق التفاوض نفسه، فاتُّهم رئيس البرلمان وكبير المفاوضين قاليباف بالتواطؤ من جانب أعضائها، فيما دعا أحد نوابها إلى إقالة وزير الخارجية عراقجي من الفريق، معتبرًا التفاوض على البرنامج النووي خطأً استراتيجيًا. هذا النمط يُظهر أن الانقسام ليس وليد اللحظة الراهنة، بل صراعُ نفوذٍ ممتد بين معسكر بزشكيان وقاليباف وعراقجي من جهة، وتيارٍ متشددٍ داخل البرلمان مسنودٍ ضمنيًا بأجنحة في الحرس الثوري من جهة أخرى.

في هذا السياق بالذات، جاء السجال العلني الذي أعاد فتحه الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي، حين أعلن تأييده الكامل لما وصفه بـ “السلام المشرّف”، محذرًا من أن دعاة الحرب والانتقام يسيرون عمليًا في الطريق الذي تريده إسرائيل، ومعتبرًا أن استخدام الرموز الدينية لتبرير مهاجمة المفاوضات لا يخدم إيران ولا يخفف معاناة ضحايا الحرب. ووصف مذكرة التفاهم بأنها فرصة قد تفتح أفقًا وطنيًا ودوليًا جديدًا، مشيرًا إلى أنها حظيت بموافقة القيادة وتوقيع الرئيس بصورة نهائية.

والرد جاء سريعًا وحادًا من المعسكر المحافظ، الذي اتهم خاتمي بتقديم “وصفة استسلام” تحت غطاء السلام، ورأى أن تجارب التفاوض السابقة أثبتت عدم التزام الطرف الآخر بتعهداته، بل ذهب إلى المطالبة بالتعامل القضائي مع من وصفهم بشبكات النفوذ والمتعاونين مع الخارج — وهو ردٌّ لم يكن استثناءً، بل تكرارًا لنمط المزايدة نفسه الذي مارسته جبهة الصمود مع فريق التفاوض من قبل، وإن كان هذه المرة موجّهًا إلى رمزٍ إصلاحي بحجم خاتمي بدل مفاوضٍ حكومي. وبين الموقفين، تتوزع قراءات متعددة: فهناك من يرى أن بيان خاتمي لا يعبّر عن موقف شخصي بل عن رأي عام لدى التيار الإصلاحي بمختلف أطيافه، وأن توقيته يعكس قلقًا حقيقيًا من تصاعد المواجهة وتراجع موقع القوى المؤيدة للتسوية أمام صعود خطاب متشدد مؤيد للحرب. في المقابل، هناك من يرى أن الدعوة إلى السلام دون توضيح آليات تحقيقه أو اشتراط تغيير في السلوك الأمريكي تجاه إيران، تحوّل التفاوض إلى هدف بحد ذاته، وتفتح الباب أمام قبول تسوية “بأي ثمن”، كما جرى في تجربة الاتفاق النووي السابق.

بين هذا وذاك، تبدو رسالة المرشد الداعية إلى الوحدة أقرب إلى استجابةٍ مباشرة لهذا الاحتقان المزدوج — بين معسكر تفاوضي يُحمَّل المسؤولية سلفًا، وجبهة تشددٍ تُواصل المزايدة عليه — منها إلى خطابٍ روتيني. فحين يشدد المرشد على أن “الحفاظ على تماسك البلاد ووحدتها أكثر أهمية وحساسية” في هذه المرحلة تحديدًا، فإن ذلك يقرأ عمليًا كاعترافٍ ضمني بأن الانقسام بين معسكري التفاوض والتشدد بلغ درجة تستدعي تدخلًا من أعلى هرم السلطة، في وقتٍ يعاني فيه النظام من فراغٍ قيادي شبه معلن بغياب المرشد نفسه عن الظهور العلني.

لماذا تواصل إيران استهداف مواقع مدنية في دول الخليج والأردن؟

منذ انهيار الاتفاق المؤقت مطلع الأسبوع الماضي، حوّلت طهران جزءًا كبيرًا من ردودها العسكرية نحو دول الجوار الخليجي والأردن، في نمط تكرر خلال الساعات الماضية بأكثر من موقع في آن واحد. ففي الكويت، تعاملت فرق الإطفاء مع عدة حرائق اندلعت إثر سقوط شظايا في مناطق سكنية، إلى جانب حريقين في موقعين مختلفين إثر ما وُصف بالاعتداءات الإيرانية، وطالت الأضرار منشآت تابعة لقطاعي النفط والكهرباء والماء، ما أدى إلى إصابة عدد من رجال الإطفاء والعاملين في القطاع النفطي، وإعادة جدولة الخطوط الجوية الكويتية لمعظم رحلاتها بعد إغلاق مؤقت للمجال الجوي. وفي البحرين، تصدت قوة الدفاع لاعتداءات جوية إيرانية وصفتها بالغادرة، وسط إطلاق صفارات الإنذار عديد من المرات، بعدما أعلن الجيش الإيراني استهدافه قاعدة جوية بحرينية. أما في قطر، فقد أسفرت شظايا ناتجة عن عمليات الاعتراض عن إصابات، فيما دعت السلطات إلى عدم تداول الشائعات والاكتفاء بالمصادر الرسمية. وفي الأردن، اعترضت القوات المسلحة عدة طائرات مسيّرة دخلت الأجواء الأردنية.

هذا النمط من الاستهداف، الذي طال محطات كهرباء ومياه وقواعد جوية ومجالًا جويًا لدول لا تُعد طرفًا مباشرًا في المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران، يمكن قراءته في ضوء عدة عوامل متداخلة. فمن جهة، تسعى إيران إلى توسيع كلفة الحرب على حلفاء واشنطن الإقليميين، في محاولة للضغط سياسيًا على الولايات المتحدة عبر أطراف ثالثة، ورفع كلفة استمرار الحرب في حسابات دول المنطقة. ولم تعد تجدي تبريرات الرواية الإيرانية بأن هذه الهجمات تندرج ضمن عمليات اعتراض وردود ميدانية متبادلة أكثر منها استهدافًا مباشرًا مقصودًا للبنية المدنية، بالنظر إلى كثافة الاستهدافات وتوسعها وشمولها مؤسسات مدنية وخدمات عامة للمواطنين وبنية تحتية؛ مما يجعلها اعتداءات مباشرة لا عرضية.

وقد جاءت الإدانات الإقليمية سريعة وموحدة اللهجة: فقد وصف مجلس التعاون الخليجي استهداف البنى التحتية والمنشآت المدنية في البحرين والكويت والأردن بأنه “تصعيد بالغ الخطورة” و”انتهاك جسيم” للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، بل ذهب إلى وصفه بجرائم حرب تستوجب المساءلة، فيما أدانت السعودية بأشد العبارات ما وصفته بـ”العدوان الإيراني الغاشم” على الدول الثلاث، مؤكدة وقوفها الكامل مع الدول الشقيقة. هذا التوحد الخليجي في الموقف واللغة يعكس إدراكًا مشتركًا بأن استمرار استهداف المنشآت المدنية يحوّل دول الخليج من أطراف حريصة على النأي بالنفس إلى طرف متضرر مباشرة، وهو ما قد يدفعها إلى مزيد من التنسيق الأمني والسياسي مع واشنطن وأوروبا في المرحلة المقبلة، حتى لو ظل خطابها الرسمي متمسكًا بالدعوة إلى ضبط النفس والحل الدبلوماسي.

هل يدفع الحصار والقصف المواطن الإيراني إلى الانقلاب على النظام؟

يطرح استمرار الضربات الأمريكية على قطاع الطاقة والطرق والجسور ومحطات الكهرباء والمياه، إلى جانب الحصار البحري والعقوبات الاقتصادية، سؤالًا موازيًا لسؤال الانقسام السياسي: هل يدفع هذا الضغط المتراكم المواطن العادي إلى الانقلاب على النظام؟ الإجابة، بحسب المعطيات الراهنة، أقرب إلى “ليس بعد، لكن الاحتمال قائم” منها إلى يقينٍ في أي من الاتجاهين. فمن جهة، تصيب الضربات خدماتٍ أساسية يشعر بأثرها المواطن مباشرة — كهرباء، مياه، طرق — وهو نمط ضغطٍ تاريخيًا أكثر قابلية لتوليد سخطٍ شعبي من الضربات العسكرية البحتة، لأنه يمسّ الحياة اليومية لا مراكز القوة وحدها. ومن جهة أخرى، تُظهر تجارب سابقة لأنظمة مركزية قادرة على السيطرة الأمنية الداخلية أنها يمكن أن تمتصّ ضغطًا اقتصاديًا طويلًا دون أن يتحول تلقائيًا إلى تهديدٍ وجودي، طالما ظلّ جهاز القمع متماسكًا وغير منقسم.

وهنا يكمن مربط الفرس: تماسك النظام لا يُقاس فقط بمدى غضب الشارع، بل بمدى تماسك الحرس الثوري وأجهزة الأمن الداخلي نفسها. وما تكشفه المؤشرات الراهنة — اكتفاء المرشد بالرسائل المكتوبة دون الظهور العلني، ربطُه موافقته على التفاوض بتحميل بزشكيان مسؤولية النتائج سلفًا، والمزايدات المتكررة لجبهة الصمود على فريق التفاوض ذاته — هو أن الصدع، أقرب إلى قمة الهرم منه إلى قاعدته حتى الآن. بعبارة أخرى: الخطر الأقرب على تماسك النظام في المدى المنظور ليس انتفاضةً شعبية عفوية، بل احتمال أن يتحول التوتر بين الأجنحة الحاكمة نفسها — بين معسكر التفاوض ومعسكر التشدد — إلى صراع سلطةٍ مفتوح يستغل الضغط الاقتصادي والعسكري كذريعة لتصفية حساباتٍ داخلية سابقة على الحرب نفسها.

هل تلجأ واشنطن إلى قوة نيران أكبر لتدمير البنية التحتية والعسكرية الإيرانية؟

على الجبهة الأمريكية، تتواصل الحملة الجوية على إيران وسط سجال متصاعد حول طبيعة الأهداف المضروبة داخل الأراضي الإيرانية. فبينما تؤكد الجهات العسكرية الأمريكية أن عملياتها تركز حصرًا على منشآت يستخدمها الحرس الثوري في تهديد الملاحة الإقليمية، من مواقع مراقبة وبنية لوجستية عسكرية ومستودعات أسلحة تحت الأرض وقدرات بحرية، تنفي واشنطن رسميًا أي استهداف متعمد للبنية التحتية المدنية، معتبرة أن إيران هي من تعرّض المدنيين للخطر عبر استهداف السفن التجارية والبحارة في المضيق. في المقابل، تتحدث مصادر إيرانية عن إصابة محطات كهرباء ومضخات تحلية مياه وجسور وطرق في جنوب البلاد، وعن سقوط قتلى وجرحى، في تضارب روايات يعكس اتساع الخلاف حول حدود العمليات العسكرية الأمريكية.

الأهم من ذلك أن واشنطن، بحسب مسؤولين أمريكيين، لا تنظر إلى المستوى الحالي من القصف باعتباره السقف النهائي. فثمة حديث صريح عن “مرحلة ثانية” مطروحة على طاولة القرار، مدعومة بمؤشرات ميدانية على نقل عتاد عسكري تعزيزي إضافي إلى المنطقة، بما يمنح مساحة أوسع لضربة أوسع نطاقًا تستهدف البنية التحتية الإيرانية ووضع النظام أمام احتمال الانهيار. وتستند هذه الحسابات إلى تقييم أمريكي مفاده أن الضربات حتى الآن نجحت في شل قدرات التصنيع العسكري الإيراني وتدمير أجزاء واسعة من القوة البحرية ومراكز القيادة والسيطرة، في حين أن الرد الإيراني الحالي، رغم إيذائه للمدنيين في دول الجوار، لا يتجاوز في تقدير مسؤولين أمريكيين تأثيرًا نفسيًا محدودًا لا يهدد استمرار تدفق الملاحة أو يمنح طهران القدرة على إغلاق المضيق فعليًا.

في الوقت نفسه، تبدو واشنطن غير مستعجلة بالضرورة على توسيع الضربات إلى ما هو أبعد من ذلك، استنادًا إلى قراءة مفادها أن النظام الإيراني بات أكثر عرضة من أي وقت مضى لضغط داخلي، تغذيه عزلة اقتصادية متزايدة نتيجة الحصار البحري وملاحقة شبكات التمويل الدولية، مع غياب دعم صيني أو روسي فاعل قادر على إعادة بناء الاقتصاد والصناعة العسكرية الإيرانية. وهذا ما يجعل عامل الوقت نفسه أداة ضغط تراهن عليها الإدارة الأمريكية، بالتوازي مع الخيار العسكري المفتوح
.

إلى أين تتجه الأزمة؟

في ضوء المسارات المتشابكة الراهنة، تُطرح أمام المنطقة صورتان متعارضتان لما قد تؤول إليه الأزمة خلال الأسابيع المقبلة.
السيناريو الأول يرجّح استمرار التصعيد وتوسعه، استنادًا إلى عدة مؤشرات مجتمعة: تعليق إيران الرسمي لالتزاماتها بمذكرة التفاهم، والحديث الأمريكي عن “مرحلة ثانية” من الضربات مدعومة بتعزيزات عسكرية، والموقف الخليجي الأوروبي الذي بات يصف استهداف المدنيين بأنه “جرائم حرب”، إلى جانب الانقسام المتصاعد بين معسكر التفاوض ومعسكر التشدد داخل إيران نفسها في مواجهة أي طرح للتهدئة. في هذا المسار، يصعب تصور عودة سريعة إلى طاولة التفاوض، إذ يغذي كل طرف موقف الطرف الآخر: فكل ضربة أمريكية تعزز خطاب المتشددين في طهران بأن التفاوض استسلام لا يجلب سوى مزيد من الاستهداف، وكل رد إيراني على دول الخليج يعزز قناعة واشنطن وحلفائها بأن التهدئة مع النظام الحالي غير ممكنة إلا بتغيير جذري في موازين القوة، سواء عبر إضعافه العسكري والاقتصادي المستمر أو عبر تغييرات أعمق في بنيته.

السيناريو الثاني، وإن بدا أقل حضورًا في المعطيات الميدانية الراهنة، يستند إلى مؤشرات لا تزال قائمة رغم ضعفها: فبيان المرشد الإيراني نفسه، رغم لهجته الحذرة، يعكس قلقًا من الانزلاق نحو صراع داخلي مفتوح يهدد تماسك الدولة، وموقف خاتمي وتيار الاعتدال، وإن قوبل برفض حاد من المعسكر المحافظ، يظل يمثل تيارًا حقيقيًا داخل مؤسسات الحكم لا يمكن تجاهله كليًا. كما أن البيان الخليجي الأوروبي نفسه، رغم تشدده القانوني، يختم بالتأكيد على الحوار والدبلوماسية كسبيل لحل الأزمة، وهو ما يترك نافذة ضيقة، لكنها قائمة، لمسار تفاوضي إذا ما توفرت لحظة سياسية مناسبة، سواء بضغط دولي متزايد أو بتبدل في موازين القوى الداخلية الإيرانية.

بين المسارين، تبقى الأسابيع المقبلة مرشحة لأن تحدد أي الاتجاهين يترجح: استمرار دائرة الضربات والرد حتى بلوغ نقطة تحول حاسمة في طهران، أو عودة محسوبة إلى تفاهمات جزئية تحت ضغط الكلفة المتصاعدة على جميع الأطراف. وما يبدو مؤكدًا حتى الآن هو أن مضيق هرمز، الذي كان يُفترض أن يكون نقطة الاستقرار التي تبنى عليها التهدئة، تحوّل إلى الساحة التي تُختبر فيها بشكل مباشر قدرة الأطراف الإقليمية والدولية على فرض معادلة أمنية جديدة في الخليج، بصرف النظر عن مصير مذكرة التفاهم نفسها.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى