رأي

هل يمثل دروز سوريا عاملا للوحدة أم خنجرا في خاصرة الوطن

إعداد/ جمال المحلاوي

1—تعتبر الطائفة الدرزية أحد أكثر الأقليات الدينية المنتشرة في عدة دول في منطقة الشرق الأوسط واكثرالأقليات تعقيدًا ، لما لها من خصوصية دينية واجتماعية تجعلها تتعامل بحذر مع التغيرات السياسية والصراعات الإقليمية، وقد تميزت هذه الطائفة بسعيها للحفاظ على هويتها واستقلاليتها في ظل ظروف سياسية معقدة .
2-و في سوريا، يعيش الدروز في منطقة جبل الدروز (محافظة السويداء)، وهي منطقة شهدت توترات كبيرة منذ اندلاع الحرب الأهلية السورية عام 2011.
3-الدروز في إسرائيل، يتمتع الدروز بوضع خاص كأقلية معترف بها، حيث يخدمون في الجيش الإسرائيلي ويتمتعون بعلاقة معقدة مع الدولة العبرية.
4- وفي سياق الصراع السوري المستمر برزت العلاقة بين دروز إسرائيل ودروز سوريا خصوصًا في ظل التداخل بين العوامل الإنسانية والسياسية والدينية.
5- تمثل الطائفة الدرزية في إسرائيل جزءًا صغيرًا من السكان، حيث يبلغ عددهم حوالي 150,000 نسمة تقريبًا، يتركزون في مناطق مثل الجليل والكرمل،في الشمال و منذ تأسيس إسرائيل عام 1948، تم إدماج الدروز كمواطنين مع فرض الخدمة العسكرية عليهم، وعلى الرغم من أن الدروز في إسرائيل يعتبرون أنفسهم جزءًا من المجتمع الإسرائيلي، إلا أنهم يحتفظون بهويتهم الدرزية المميزة، التي تربطهم بإخوانهم في سوريا ولبنان والأردن.
أولاً : في ظل النظام السوري السابق
6- ومع اندلاع الصراع السوري، أبدى دروز إسرائيل اهتمامًا متزايدًا بمصير أبناء طائفتهم في سوريا، خاصة في مناطق مثل السويداء حيث يتركز الوجود الدرزي، و تعددت أشكال الدعم المقدم من دروز إسرائيل لدروز سوريا، فسعى العديد من دروز إسرائيل إلى تقديم دعم مالي لجماعات درزية في سوريا تواجه ظروفًا اقتصادية صعبة بسبب الصراع، تمثل هذا الدعم في تبرعات مالية ومساعدات غذائية وطبية، خصوصًا عندما واجهت السويداء حصارًا اقتصاديًا خانقًا.

6- كذلك قام بعض القادة الدروز داخل إسرائيل بالتعبير عن تضامنهم مع دروز سوريا عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، مع التركيز على حماية حقوقهم ورفع معاناتهم إلى المجتمع الدولي، كما ضغط بعضهم على الحكومة الإسرائيلية للتدخل دبلوماسيًا في دعم دروز سوريا. ورغم أن الحكومة الإسرائيلية لم تتدخل عسكريًا لحماية دروز سوريا بشكل مباشروذلك قبل رحيل النظام السابق إلا أن هناك تقارير تشير إلى أن بعض الشخصيات الدرزية في إسرائيل حاولت تقديم دعم غير مباشر لأبناء طائفتهم في سوريا عبر توفير معلومات استخباراتية أو التنسيق مع جهات دولية لضمان عدم استهدافهم، ومع ذلك، فإن موقف الدروز في إسرائيل من إخوانهم في سوريا ظل محكومًا بالسياسة الإسرائيلية الرسمية، فإسرائيل،كانت تتعامل بحذر مع أي اتصالات بين الدروز في إسرائيل وسوريا، خشية من تعقيد العلاقات مع النظام السوري السابق أو القوى الإقليمية الأخرى، لذلك فإن دروز اسرائيل يدركون أن أي دعم علني للدروز في سوريا قد يعرضهم لانتقادات أو حتى عقوبات من قبل الدولة الإسرائيلية.
ثانيأ: في ظل النظام السوري الحالي
1-مع تولي النظام الحالي بقيادة أحمد الشرع تم استبعاد الدروز من المؤتمر الوطني الذي رسم المعالم الرئيسة لمستقبل سوريا، دون إشارة إلى مشاركة الدروز في هذا المستقبل، ومصيرهم في ظل الحكم الحالي لسوريا. فضلًا عن هذا، لم يستجب النظام الانتقالي السوري للتصريحات المتكررة من إسرائيل باستعداد تل أبيب لحماية الدروز؛ ما عكس تجاهل النظام لمحاولات استقطاب الطائفة الدرزية؛ نظرًا إلى الأهمية الإستراتيجية للدروز في الأمن القومي الإسرائيلي، ولكن بعد أيام فقط من مذبحة العلويين في سوريا، ناقش الشرع اتفاقًا مع زعماء الدروز من محافظة السويداء، ينص على دمج المنطقة بالكامل في الدولة، ووضع الأجهزة الأمنية تحت سلطة وزارة الداخلية بالحكومة المركزية، مع ضمان اختيار ضباط شرطة بالسويداء حصريًّا من الطائفة الدرزية، في محاولة من حكومة الشرع للتقارب مع الدروز لمواجهة تحالفهم المحتمل مع تل أبيب
2- مظاهر التقارب بين إسرائيل والدروز: إعلان رئيس الوزراء لإسرائيلي بعد الاشتباكات التي شهدتها مدينة جرمانا الواقعة في ريف دمشق، التي يُعد معظم سكانها من المسيحيين والدروز، ن إسرائيل ستتدخل لحماية الدروز إذا ما أقدمت قوات النظام السوري على المساس بهم، وكذلك أكد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن الحكومة الإسرائيلية ملتزمة ببذل كل ما في وسعها لمنع تعرض الدروز في سوريا للأذى وقد صرح بذلك بعد فترة وجيزة من إلقاء نتنياهو كلمة أمام دفعة جديدة من الضباط في الجيش الإسرائيلي في فبراير الماضي، أعلن فيها أن الجنوب السوري يجب أن يصبح منطقةً منزوعة السلاح بالكامل من قوات النظام الجديد، خاصةً في محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء، مع تحذيره بالرد على أي تهديد تتعرض له الطائفة الدرزية، وفي التاسع من مارس الماضي، خطت إسرائيل خطوةً إضافية في مساعيها الرامية إلى ربط دروز سوريا بإسرائيل، فقد صرح كاتس بأن الحكومة الإسرائيلية ستسمح لهم بالدخول إلى مستوطنات مرتفعات الجولان المحتلة للعمل، وأن قوات تل أبيب ستبقى في المنطقة العازلة التي تسيطر عليها الأمم المتحدة بين إسرائيل وسوريا تحت ذريعة حماية الدروز ولعل الخطوة الأبرز في علاقة الدروز بإسرائيل، كانت زيارة وفد يضم قرابة ستين رجل دين درزي سوريًّ إسرائيل في 14 مارس الماضي في أول زيارة من نوعها منذ نحو 50 عامًا، وتوجه الوفد للقاء الزعيم الروحي لطائفة الدروز في إسرائيل موفق الطريف ولزيارة مقام النبي شعيب هناك ومن أجل توظيف دروز سوريا لخدمة المصالح الإسرائيلية في سوريا، أعدت تل أبيب خطة لجلب مواطنين سوريين دروز إلى إسرائيل للعمل، زاعمةً أن هذا في إطار الاستجابة لطلبات الدروز السوريين الذين يسعون إلى لم شمل عائلاتهم مع أقاربهم في مرتفعات الجولان المحتلة، وأيضًا لأن سيطرة اسرائيل على المنطقة العازلة في سوريا تعوق عمل الدروز في هذه المنطقة، وخاصة في أراضيهم الزراعية، وأرسلت الحكومة الإسرائيلية أكثر من عشرة آلاف جزمة مساعدات إنسانية لى المجتمع الدرزي في مناطق القتال في سوريا خلال الأسابيع القليلة الماضية لدعم الدروز في مواجهة النظام السوري .

ثالثا : شيوخ العقل
1- في الثامن من ديسمبر وبعد سقوط نظام الأسد تباينت مواقف المرجعيات الثلاث الأكبر في السويداء الشيخ الهجري والحناوي والجربوع مايطلق عليهم شيوخ العقل
2-وعلى عكس شيخي العقل الهجري والجربوع، يتخذ الحناوي ما يراه موقفا وسطا من معظم القضايا السياسية، ويحاول التأكيد الاتفاق الذي تم بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية على الوحدة الوطنية،قائلا إنه يدعم وحدة الصف السوري
3-ويؤكد الحناوي حرصه على تمثيل السويداء بجميع أطيافها، ويقول إن أي اتفاق يمثل السويداء يجب أن يصدر عن جميع فئاتها، وذلك تعليقا على محضر التفاهم الذي خرج من دارة قنوات، حيث مقرّ الرئاسة الروحية للدروز، والذي قيل إنّه وثيقة تفاهم طوت نهائيا صفحة الخلاف بين السويداء وحكومة دمشق
4-وقال الحناوي عن زيارة وفد من مشايخ الطائفة لإسرائيل منتصف مارس 2025 إن معظم من شارك فيها هم من
وأوضح أن الزيارة “كانت لأسباب دينية وعائلية بهدف تعزيز الروابط بين أبناء الطائفة الدرزية في مناطق مختلفة، ولم تكن لها أي خلفية سياسية

رابعا : القادة العسكريون
1- الشيخ ليث البلعوس :يقود قوات يطلق عليها “قوات الكرامة”، وهي فصيل مسلح تأسس خلال سنوات النزاع، وهو نجل الشيخ وحيد البلعوس الذي كان له دور بارز في المنطقة
2- الشيخ سليمان عبد الباقي يقود “أحرار الجبل”، وهو فصيل مسلح آخر يتواجد في منطقة السويداء خامسا : أسباب النزاع الحالي في السويداء
حسب إعلام سوري، انطلقت «شرارة الاشتباكات، السبت، بعد اختطاف تاجر خضار درزي من قِبل مسلحي البدو الذين وضعوا حواجز على طريق السويداء-دمشق، ليتحوّل بعد ذلك إلى عملية خطف متبادلة بين الطرفَيْن»
وقالت منصة «السويداء 24» المحلية، في وقت لاحق، إنه تم إطلاق سراح المخطوفين من الطرفين ليل الأحد
سادساً: تطور الأحداث
1-في بيان سابق صدر صباح الثلاثاء، رحبت الرئاسة الروحية الدرزية بدخول القوات الحكومية إلى السويداء، داعية الفصائل المسلحة إلى التعاون معها “وعدم مقاومة دخولها، وتسليم سلاحها لوزارة الداخلية.
2- وقالت “الهيئة” المقربة من الشيخ الدرزي البارز حكمت الهجري، في بيان صباح الثلاثاء: “نرحب بدخول قوات وزارة الداخلية”، داعيةً كل الفصائل المسلحة في السويداء إلى التعاون معها
3-وأضافت الهيئة: “ندعو إلى فتح حوار مع الحكومة السورية لعلاج تداعيات الأحداث وتفعيل مؤسسات الدولة بالتعاون مع أبناء المحافظة.
4- وعبَّر قائد الأمن الداخلي في السويداء عن ترحيبه بموقف الرئاسة الروحية لطائفة الموحدين الدروز، وحث المرجعيات الدينية في البلاد على “اتخاذ موقف وطني موحد” يدعم إجراءات وزارة الداخلية. وأضاف: “نناشد قادة الفصائل والمجموعات المسلحة الخارجة عن القانون، وقف أي أعمال تعوق دخول قوات وزارتَي الداخلية والدفاع، والتعاون الكامل من خلال تسليم أسلحتهم للجهات المختصة، حفاظاً على السلم الأهلي.
5- وتقدمت القوات الحكومية نحو مدينة السويداء ذات الأغلبية الدرزية، مساء الاثنين، بعد معارك عنيفة، بينما أكدت إسرائيل أنها تدخلت بقصفها دبابات سورية، محذرة من استهداف الدروز.
6- هذا وقت دخلت الأحداث في منعطف خطير عندما تراجع الزعيم الدرزي الشيخ حكمت الهجري عن بيان الرئاسة الروحية الذي رحب بدخول قوات الجيش والأمن للسويداء، وقال الهجري في بيان إن المحادثات مع دمشق لم تفض لنتائج رغم قبول التهدئة لحقن الدماء، داعيا إلى التصعيد.

سابعاً: السيناريوهات المستقبلية
1-السيناريو الأول وهو سيناريو متشائم :يتلخص في اشتداد المواجهات بين قوات الحكومة والتدخل البري للقوات الإسرائيلية بحجة حماية الدروز ومنع تسرب العناصر الإرهابية إلى المنطقة واقتطاع ذلك الجزء بشكل كامل من سوريا .

2- السيناريو الثاني وهو سيناريو متدرج : ويعني اكتفاء إسرائيل بالضربات الجوية مع مساعدة الدروز للوصول لشكل من أشكال الحكم الذاتي والانفصال بشكل تدرييجي عن سوريا .

3- السيناريو الثالث وهو سيناريو متفائل : ويعني التوصل إلى شكل من أشكال التهدئة مع إبقاء المنطقة تابعة للحكومة الموحدة ومنحها أدوار أكثر فاعلية في التمثيل الحكومي والحقائب الوزارية .٤ـ السيناريو الرابع محتمل : وهو دخول اللاعب التركي على الخط في محاولة لمنع إسرائيل من إحراج موقف الإدارة السورية ولكن دون مواجهة فعلية .

الخاتمة
وبعد كل ذلك العرض ربما تخبيء لنا الأيام القادمة سيناريو غير متوقع يطيح بكل السيناريوهات المتوقعة في ظل منطقة يحرقها الصراع .
وتؤكد تلك الأحداث درسا مستفادا وهو أن وحدة الشعب وتماسكه تظل عصية على أي تدخل خارجي يمكن أن يفتت وحدة الدول ويهدد مستقبلها ويدمر حاضرها .وأن وجود طوائف مسلحة غير رسمية تهديد وجودي للدول .

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى