هشام النجار خلال ندوة رسالة السلام : العودة إلى القرآن وبناء قانون عادل هو الحل لإنقاذ الاسرة .. ومشروع علي الشرفاء نقطة البداية

قال الباحث والكاتب هشام النجار عضو مؤسسة رسالة السلام العالمية اعتقد إن اختيارنا اليوم نبدأ من فيلم سينمائي قبل أن ندخل مباشرة إلى قضية قانون الأحوال الشخصية في مصر، اختيار مقصود جدًا؛ لأن الفن أحيانًا ينجح في كشف المأساة الإنسانية بصورة أعمق من عشرات الخطب والمحاضرات والمواد القانونية.
واضاف هشام النجار خلال مشاركته في ندوة “رؤى وأفكار” التي نظمتها مؤسسة رسالة السلام العالمية بالتعاون مع شبكة إعلام المرأة العربية قائلاً : أنا بصراحة، خلال بحثي عن عمل فني يستطيع أن يكون مرآة حقيقية لرؤية المفكر العربي الكبير الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي في ملف “حقوق المرأة في القرآن”، لم أجد عملًا يقترب من هذه الرؤية بقدر فيلم “رجم ثريا”
هذا الفيلم الذي أخرجه المخرج الأميركي الكندي سايروسنوراسته عام 2008، والمأخوذ عن قصة حقيقية وقعت في إيران خلال الثمانينيات، لا يتحدث فقط عن امرأة تُقتل ظلمًا ورجمًا تحت الحجارة، وإنما عن مجتمع كامل تتحول فيه التأويلات البشرية المغلقة والموروث الفقهي إلى سلطة أعلى من الرحمة والعدالة والضمير الإنساني.
تكمن هنا خطورة القضية التي نناقشها اليوم
لأن “الرجم” ليس دائمًا وليس فقط حجارة تُلقى على الجسد..
هناك رجم نفسي، ورجم اجتماعي، ورجم قانوني، ورجم معنوي، ورجم اقتصادي، ورجم يتم عبر تشويه السمعة، أو سلب الحقوق، أو تحويل المرأة إلى كائن تابع فاقد القدرة على الاختيار والحماية والكرامة.
الفيلم يبدأ حينما تتعطل سيارة صحفي إيراني في قرية نائية، فتقترب منه امرأة عجوز تُدعى “زهرة”، وتحكي له قصة ابنة أختها “ثريا”، المرأة البسيطة التي أراد زوجها التخلص منها ليتزوج فتاة أصغر سنًا.
ولأن الرجل لم يكن قادرًا على حرمانها من حقوقها بصورة قانونية، بدأ تصنيع جريمة كاملة ضدها؛ تحالف بين الزوج، ورجل الدين، وعمدة القرية، وبعض رجال المجتمع، ثم جرى اختراع تهمة الزنا، وتحول المجتمع كله بالتدريج إلى آلة قتل جماعي تتحرك باسم “الشرف” و”الدين”.
المرعب في الفيلم أن الجميع تقريبًا كانوا يعرفون أن ثريا بريئة.

لكن الخوف، والتواطؤ، والطاعة العمياء، وتحول التأويل البشري إلى مقدس مغلق، جعل المجتمع كله شريكًا في الجريمة.
يبدأ التقاطع العميق مع مشروع المفكر الأستاذ علي الشرفاء الحمادي.
لأن القضية التي يطرحها الشرفاء في ملف “حقوق المرأة في القرآن” هي تشير إلى القراءات البشرية التي هجرت القرآن، واستبدلت منطقه القيمي والرحيم والعادل بمنظومات فقهية واجتماعية تراكمت عبر قرون طويلة، تأثرت بالسياسة والعصبيات الذكورية والعادات القبلية والمصالح السلطوية.
عندما نقرأ القرآن، نجد خطابًا يؤسس لعلاقة قائمة على السكينة والمودة والرحمة والتكامل الإنساني: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة).
ونجد أيضًا: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف)
ونجد اشتراط أربعة شهود في حال اتهام الزوج للزوجة في شرفها.
ونجد تجريم القذف (الذين يرمون المحصنات).
ونجد حماية السمعة والكرامة الإنسانية.
ونجد منظومة كاملة تحاصر الظلم والتسرع والانفعال والرغبة في الانتقام.
لكن ماذا حدث تاريخيًا؟
الذي حدث أن جزءًا كبيرًا من الفقه التاريخي جرى إنتاجه داخل بيئات ذكورية مغلقة، احتكر فيها الرجال التشريع والتفسير والاجتهاد، بينما غابت المرأة تمامًا عن صناعة قوانين الأسرة، رغم أنها الطرف الأكثر التصاقًا بنتائج هذه القوانين نفسيًا واجتماعيًا وإنسانيًا.
ومع الوقت، انتقلت اجتهادات بشرية نسبية إلى مساحة التقديس الكامل، حتى أصبح كثير من الناس غير قادرين على التمييز بين “النص الإلهي” وبين “الموروث البشري”.
هنا تبدأ الكارثة.
لأن أي قراءة بشرية حينما تتحول إلى مقدس مغلق، تتوقف المراجعة، ويتوقف النقد، ويتوقف التطوير، ويتحول الدين من طاقة رحمة وعدالة إلى أداة ضبط اجتماعي وهيمنة وقهر.
فيلم “رجم ثريا” فضح هذه اللحظة تحديدًا.
في أحد أكثر مشاهد الفيلم قسوة، تُجبر ثريا على الوقوف داخل حفرة، ثم يبدأ الرجال، ومن بينهم والدها وأبناؤها، في رجمها بالحجارة.
المشهد مرعب بصريًا وإنسانيًا، لكنه أخطر فكريًا.
لأن الفيلم هنا يقول أن المشكلة في مجتمع كامل فقد حساسيته الأخلاقية والقيمية تحت ضغط الخوف والطاعة والتقديس الأعمى للسلطة الاجتماعية والدينية التي تستقي من موروث بشري.. وليست في فرد ظالم فقط.

ولذلك أقول دائمًا:
حينما يختل ميزان العدالة داخل الأسرة، يختل معه بالتدريج ميزان المجتمع كله.
وهذا بالضبط ما يطرحه الأستاذ علي الشرفاء.
هو يربط بصورة شديدة العمق بين أزمة المرأة، وأزمة الأسرة، وأزمة المجتمع، ثم بين ذلك كله وبين العنف والتطرف والانهيار الحضاري.
لأن الطفل الذي ينشأ داخل بيت قائم على القهر والخوف والإذلال والتسلط، لا يخرج إلى المجتمع إنسانًا متوازنًا.
والمجتمع الذي يحطم المرأة، يحطم بالتدريج قدرته على إنتاج الرحمة والاستقرار والإبداع.
ولهذا كانت رؤية الشرفاء شديدة الأهمية حينما دعا إلى إعادة بناء قانون الأحوال الشخصية انطلاقًا من القرآن الكريم باعتباره المرجعية العليا للعدل والرحمة وصيانة الإنسان.
نحن نتحدث عن مشروع حضاري كامل.
ولا نتحدث عن “تغيير مواد قانونية” فقط.
مشروع يعيد تعريف العلاقة بين الرجل والمرأة على أساس إنساني قرآني متوازن.
مشروع يفرق بوضوح بين التشريع الإلهي الثابت وبين الفقه البشري التاريخي المتغير.
مشروع يعيد الاعتبار لفكرة أن القوامة مسؤولية رعاية وإنفاق وحماية، وليست امتيازًا سلطويًا أو رخصة للهيمنة.
مشروع يدرك أن استقرار الأسرة ليس قضية اجتماعية هامشية، وإنما قضية أمن قومي وحضاري وإنساني.
ومن هنا تأتي العبقرية الحقيقية في المقترح الذي طرحه الأستاذ علي الشرفاء حينما دعا إلى تشكيل لجنة متخصصة من الرجال والنساء بالمناصفة لصياغة قانون جديد للأحوال الشخصية مستلهم من القرآن الكريم.
ولاحظوا هنا عمق الفكرة.
لأن تغييب المرأة عن التشريع طوال قرون كان أحد الأسباب الجوهرية لاختلال العدالة داخل الأسرة العربية والمسلمة.
كيف يمكن أن نصوغ قوانين تخص المرأة والأسرة بالكامل دون حضور حقيقي للمرأة في صناعة هذه القوانين؟
كيف يمكن فهم التعقيدات النفسية والاجتماعية والإنسانية للعلاقة الأسرية من زاوية واحدة فقط؟
كيف نتجاوز قرون من التسلط الذكوري باستخدام فقه بشري تراثي بعيد عن الوحي المقدس، بدون حضور المرأة وحضور المنهج الالهي؟
ولذلك فإن إشراك المرأة ضرورة معرفية وإنسانية وحضارية.
المفكر الأستاذ علي الشرفاء يطرح فكرة شديدة العمق: أن العودة إلى القرآن عودة إلى المصدر الأعلى للرحمة والعدل والتوازن الإنساني.
وهذا فارق مهم جدًا.
لأن البعض يتصور أن أي حديث عن المرجعية القرآنية يعني العودة إلى الانغلاق أو التشدد، بينما الحقيقة أن القرآن نفسه هو المنقذ من الانغلاق والتشدد والإكراه والظلم الذي نشأ بعد وفاة الرسول وحجب نوره عنا عبر قرون، ولا مفر من العودة إليه لتحرير الإنسان من الظلم والعصبية والاستبداد والخوف.
ولهذا نجد أن كثيرًا من أكثر الممارسات قسوة ضد المرأة عبر التاريخ الإسلامي أتت من تراكمات اجتماعية وفقهية وسياسية أُحيطت مع الزمن بقداسة وهمية مزيفة.
فيلم ورؤى الأستاذ الشرفاء “رجم ثريا” يكشف هذه النقطة بعبقرية
فالمأساة الخاصة بالمرأة والأسرة بدأت لأن الاسلام اختُطف لصالح السلطة الذكورية والخوف الجمعي والتأويل المغلق، وهذا ما يؤكده أستاذنا الشرفاء في مشروعه الإصلاحي.
أعتقد أننا أمام سؤال مصيري اليوم في مصر والعالم العربي..
هل نريد قانونًا يعيد إنتاج الأزمات القديمة؟
أم نريد قانونًا يستلهم روح القرآن ومقاصده الكبرى في العدل والرحمة وصيانة الإنسان والأسرة؟
لأن القضية في النهاية تتعلق بمستقبل المجتمع كله وليست صراعًا بين رجل وامرأة، وتتعلق بشكل الإنسان الذي نريد بناءه.
تتعلق بالبيت الذي سيخرج لنا طفلًا متوازنًا أو طفلًا محطمًا نفسيًا.
تتعلق بفكرة العدالة نفسها داخل المجال الاجتماعي.
ولهذا أعتقد أن مشروع الأستاذ علي الشرفاء الحمادييكتسب اليوم أهمية استثنائية، لأنه يحاول إعادة فتح النقاش من جذوره الحقيقية، بعيدًا عن الصخب الأيديولوجي أو المزايدات أو الاستقطابات التقليدية.
هو يدعو ببساطة إلى العودة إلى النور الأول..
إلى القرآن باعتباره المرجعية التي تحمي الإنسان من تغولالسلطة، ومن قسوة العرف وقهر العادات الاجتماعية وظلم الرجل للمرأة بأداة دينية مزورة، ومن تحجر التأويل، ومن استبداد القراءة الواحدة.
لذلك فإن معركة إصلاح قانون الأحوال الشخصية معركة وعي وحضارة ومستقبل وليست معركة قانونية فقط..
لأن الحضارة تبدأ من البيت.
والعدالة تبدأ من الأسرة.
والرحمة التي تغيب داخل العلاقة بين الرجل والمرأة، يصعب أن تظهر لاحقًا داخل المجتمع والدولة والعالم.
والإنسان حينما يبتعد عن جوهر الرحمة الإلهية، يتحول الإسلام في يد البعض إلى أداة قهر، بينما جاء الوحي أصلًا ليحرر الإنسان من القهر والظلم.



