
لم ينسَ العالم تجول الرئيس الفرنسي في شوارع القاهرة التاريخية وحفاوة الاستقبال من المصريين البسطاء في محلات بيع المنتجات السياحية أو المقاهي والمطاعم التي تحمل الصورة الذهنية المصرية الأصيلة، ولم يمر عام حتى تكرر هذا المشهد في شوارع الإسكندرية صاحبة الخصوصية في كونها مرآة تعكس التنوع الحضاري والإرث الإنساني عبر العصور التاريخية، ولكن استطاعت مصر بين الزيارتين أن تقدم نفسها ملاذًا آمنًا خلال الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، فمصر حذرت من مخاطر انزلاق المنطقة في دوامة السيولة الأمنية وتأثير هذه الحرب على المقدرات الاقتصادية لدول الخليج والشرق الأوسط، ونبهت إلى ما يحاك للمنطقة من تغيرات جذرية في الجغرافيا السياسية لها وتبعات هذه التغيرات، وفي ظل رهانات المكسب والخسارة برزت مصر ملاذًا آمنًا جعل من زيارة ماكرون لمصر نموذجًا يؤكد على هذا التصنيف، فوجود ماكرون لم يكن فقط لافتتاح “جامعة سانجور” الفرنكوفونية، بل تعدى هذا الأمر لا سيما أن المنطقة تمر بمرحلة إعادة تشكيل توازنات عميقة، وهي الحرب في غزة والتوتر في البحر الأحمر والتحولات في شرق المتوسط والتنافس الدولي على الطاقة، وأيضًا التراجع النسبي للدور الأمريكي المباشر في بعض ملفات المنطقة.
في هذا السياق أصبحت فرنسا بحاجة إلى شركاء إقليميين يمتلكون ثباتًا مؤسسيًا وقدرة على لعب دور توازن، ومصر تمثل بالنسبة لباريس أحد أهم هذه المراكز، وهو ما تمت ترجمته بتوسيع الاستثمارات الفرنسية فى مصر لتلامس حاجز 8 مليارات دولار بنهاية عام 2025 تضخها نحو 940 شركة تعمل في السوق المحلية بقطاعات النقل والطاقة والصناعة لتحمل العديد من الرسائل السياسية والجيوسياسية الواضحة في توقيت شديد الحساسية، وهو تحول نوعي بعد ترقية العلاقات الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، فقد رأى المجتمع الفرنسي أن هذه الزيارة لا يمكن قراءتها في إطار العلاقات الثنائية فقط، بل ضمن تحولات جيوسياسية يعيشها الفضاء الأورومتوسطي منذ حرب أوكرانيا، فأوروبا تحاول التحول من قوة من داخل قوة إلى قوة مركبة دولية والشرق الأوسط في قلب المعادلة ومصر في قلب القلب، كما أن فرنسا ترغب فى إعادة التموضع وتبييض وجهها بعد ارتفاع خطاب الكراهية ضدها داخل القارة السمراء.
أهم ما يميز هذه العلاقة الثنائية وجود تقاطع في مفهوم “استقرار الدولة الوطنية”، فالقاهرة وباريس تنظران بقلق إلى سيناريوهات الفوضى الإقليمية وصعود العناصر غير الوطنية وتآكل المؤسسات في عدد من دول المنطقة، ما يخلق تفاهمًا عميقًا حول أولوية حماية الدولة ومؤسساتها قبل أي اعتبارات آيديولوجية، فباريس باتت تدرك أن أي تسوية واقعية يجب أن تمر عبر الفاعلين العرب، وفي مقدمتهم مصر بحكم دورها الأمني والجغرافي والسياسي، فأوروبا تبحث عن “شركاء استقرار” في جنوب المتوسط وهو ما تؤكده أرقام المفوضية الأوروبية التي تشير إلى أن حوالي 20 % من التجارة العالمية و30 % من حركة الحاويات العالمية تمر عبر البحر الأحمر وقناة السويس، ما يجعل استقرار مصر جزءًا من الأمن الاقتصادي الأوروبي نفسه، كما تنظر أوروبا إلى القاهرة كشريك أمني أساسي ظهر بوضوح فى تقارير وكالة “فرونتكس” التي تؤكد الانخفاض الواضح في موجات الهجرة غير النظامية المقبلة من السواحل المصرية مقارنة بمسارات أخرى في المتوسط، مما خلق حديثًا متزايدًا داخل المؤسسات الأوروبية عن ضرورة بناء ما يسمى “Nearshoring méditerranéen”، أي نقل جزء من القدرات الصناعية الأوروبية نحو الضفة الجنوبية للمتوسط لتقليل المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالصين، خصوصًا بعد مطالبة الصين دول العالم بالاعتراف بالصين الواحدة، وأن تايوان جزء لا يتجزأ منها، وهو ما ترفضه أوروبا، ومن هذا المنظور تبدو مصر مرشحة لتكون أحد أهم المراكز الصناعية واللوجستية المرتبطة بالسوق الأوروبية خلال العقد المقبل، فنحن أمام تشكل تدريجي لسيناريو أوروبي شرق أوسطي وشمال أفريقي، أي انتقال أوروبا من مجرد شريك اقتصادي للمنطقة إلى فاعل يسعى لإعادة بناء عمقه الاستراتيجي جنوب المتوسط، خصوصًا أن أفريقيا ستكون بحلول 2050 موطن ربع سكان العالم، وأن التنافس عليها بين الصين وروسيا وتركيا والخليج يتسارع بشكل غير مسبوق.
وفي هذا السياق تتحول مصر إلى عقدة لوجستية ومنصة طاقية ومحور عبور نحو أفريقيا والبحر الأحمر والخليج فى ظل وجود قناة السويس التي تمر عبرها سنويًا تجارة تتجاوز قيمتها تريليون دولار، كما أن مصر أصبحت مركزًا إقليميًا للغاز في شرق المتوسط، وهو عبور آمن تتمتع به مصر دون غيرها، فهي شريك مقبول من كل الأطراف، فوجودها كوسيط نزيه في الأزمة الفلسطينية – الإسرائيلية، وكوسيط في الرباعية الإقليمية بين أمريكا وإيران خير دليل على ذلك.
هذه المقاربة تقوم على “البراجماتية الاستراتيجية”، وهو ما شجع الاتحاد الأوروبي الذي وقّع مع مصر خلال 2024، شراكة استراتيجية شاملة بقيمة تقارب 7.4 مليار يورو، ولم يعد ينظر إلى مصر كدولة جوار فقط، بل كشريك استراتيجي في إعادة تشكيل المجال الأورومتوسطي، وفرنسا تلعب دور القاطرة السياسية داخل أوروبا، خصوصًا بعد تراجع الدور الألماني نسبيًا بسبب الأزمات الاقتصادية والطاقة.



