رأي

إشتيوي الجدي يكتب.. من يحرق ليبيا ومن يدفع الثمن؟

ليبيا اليوم ليست أمام أزمة سياسية عابرة، ولا أمام خلاف محدود على السلطة يمكن احتواؤه بتسوية مؤقتة، بل تواجه أزمة دولة تتآكل مؤسساتها، وتُستنزف ثرواتها، وتتراجع قدرتها على حماية مواطنيها وتوفير أبسط مقومات الحياة الكريمة.

وفي خضم هذا المشهد، يبقى المواطن الليبي هو الطرف الذي يدفع الثمن الأكبر؛ يدفعه من أمنه ورزقه، ومن استقرار أسرته، ومن فرص أبنائه في التعليم والعمل، بل ومن ثقته في الدولة وقدرتها على بناء مستقبل يستحقه.
لكن السؤال الذي لم يعد يحتمل التأجيل هو:
من المستفيد من بقاء ليبيا أسيرة الانقسام، ومن استمرار استنزاف ثرواتها وإضعاف مؤسساتها؟
فمع مرور السنوات، لم يعد الانقسام السياسي مجرد خلاف بين أطراف تتنافس على السلطة، بل تحوّل إلى بيئة تتشابك فيها المصالح والنفوذ، وتجد فيها شبكات الفساد والاقتصاد الموازي وأصحاب المصالح فرصاً متزايدة للتمدد.
وكلما ضعفت مؤسسات الدولة، اتسعت المساحات التي يتحرك فيها النفوذ غير الرسمي، وتراجعت سلطة القانون، وأصبحت الثروة الوطنية عرضة للتجاذب والابتزاز والمساومة. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: أن يتحول الانقسام من حالة سياسية مؤقتة إلى واقع دائم تستفيد منه أطراف، بينما تتحمل الأغلبية تكلفته.

فهل أصبح النفط، الذي يفترض أن يكون مصدر قوة الليبيين ورفاههم، وقوداً لصراعاتهم؟
فالنفط شريان الاقتصاد الليبي ومصدر الدخل الرئيسي للدولة، ولذلك فإن العبث بإنتاجه أو تصديره لا يضر حكومة أو طرفاً سياسياً بعينه، وإنما ينعكس بصورة مباشرة على حياة جميع الليبيين.
فكل اضطراب في إنتاج النفط أو تصديره يعني ضغطاً على الإيرادات العامة، وكل تراجع في الموارد ينعكس على قدرة الدولة على تمويل الخدمات الأساسية. وعندما تتأثر الكهرباء أو الوقود أو السيولة أو الإنفاق على الصحة والتعليم، تنتقل آثار الأزمة سريعاً من مؤسسات الدولة إلى البيت الليبي، ومن الموازنة العامة إلى مائدة الأسرة.
وهنا تبدو المفارقة أكثر إيلاماً:
بلد يمتلك واحدة من أهم الثروات النفطية في المنطقة، بينما يعاني مواطنوه من أزمات الكهرباء والوقود والمياه والسيولة وارتفاع تكاليف المعيشة.

إن المشكلة، في حقيقتها، لا تكمن في الانقسام السياسي وحده، بل في المصالح التي تنمو حوله وتستفيد من استمراره.
فالدولة الضعيفة تفتح الأبواب أمام التدخلات الخارجية، والمؤسسات الهشة توفر بيئة خصبة للفساد، والاقتصاد الموازي يزدهر كلما تراجعت سلطة القانون، بينما يجد أصحاب النفوذ والوسطاء وشبكات المصالح في الفوضى فرصة لتوسيع نفوذهم وتحقيق مكاسبهم.
ولهذا فإن استمرار الأزمة ليس دائماً نتيجة غياب الحلول، بل قد يكون، في بعض الأحيان، نتيجة وجود مصالح تستفيد من عدم الوصول إلى الحل.

ذلك ان إضعاف الدولة لا يعني هزيمة الخصم السياسي؛ بل يعني، في نهاية المطاف، إضعاف ليبيا نفسها.
فالمنشآت النفطية والكهربائية والمائية، والمطارات والموانئ والطرق والمرافق العامة، ليست ملكاً لحكومة أو حزب أو مدينة أو منطقة. إنها ملك للشعب الليبي، وملكيتها الوطنية لا تتغير بتغير الحكومات أو موازين القوى.
والاعتداء على هذه المنشآت أو تعطيلها لا يعني تدمير مبانٍ ومعدات فحسب، وإنما يعني المساس المباشر بحق المواطن في الطاقة والمياه والنقل والخدمات والعمل والحياة الكريمة.
ومن حق المواطن الليبي أن يسأل:
لماذا تحولت بعض أبسط حقوقه إلى خدمات تحتاج إلى واسطة أو نفوذ أو سوق موازية؟
ولماذا يدفع المواطن ثمن صراعات لم يخترها، وأزمات لم يصنعها، وفساد لم يكن طرفاً فيه؟
ولماذا أصبح المواطن مطالباً بالصبر على نتائج صراعات سياسية واقتصادية لا يملك قرارها، بينما تستمر بعض الأطراف في إدارة مصالحها وكأن الدولة وثرواتها ملك خاص؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً سياسياً، بل هي جوهر الأزمة الليبية.

فإن أخطر ما يمكن أن تخسره الدولة ليس معركة عسكرية فحسب، ولا حتى موارد مالية مؤقتة، وإنما قدرتها على بناء مؤسساتها واستعادة هيبتها وثقة مواطنيها.
فلا تنمية حقيقية في ظل الفوضى، ولا اقتصاد مستقر في ظل الفساد، ولا سيادة كاملة في ظل الانقسام، ولا أمن مستدام مع انتشار السلاح خارج سلطة الدولة.
والدولة التي تفقد قدرتها على فرض القانون بعدالة، وحماية ممتلكاتها ومرافقها، وضمان حقوق مواطنيها، تتحول تدريجياً من دولة قادرة على صناعة المستقبل إلى ساحة مفتوحة لتضارب المصالح.
ومن هنا، فإن ليبيا لا تحتاج إلى مغامرة جديدة تدفع بها نحو صراع آخر، ولا إلى إعادة إنتاج الأزمات نفسها بأسماء ووجوه مختلفة، وإنما تحتاج إلى مسار وطني سلمي وجاد لإعادة بناء الدولة.
مسار يقوم على توحيد مؤسسات الدولة، وحماية المال العام، ومكافحة الفساد، وإخضاع الإنفاق العام للرقابة والمساءلة، وحماية المنشآت الحيوية، وضمان وصول الخدمات إلى جميع المواطنين بعدالة، بعيداً عن الحسابات الجهوية والقبلية والسياسية.
كما تحتاج ليبيا إلى إعادة الاعتبار لمفهوم المواطنة؛ بحيث لا يتوقف حق الليبي في الثروة أو الأمن أو الخدمة العامة على موقعه الجغرافي، أو انتمائه القبلي، أو علاقاته السياسية، أو قدرته على الوصول إلى مراكز النفوذ.
فليبيا ليست غنيمة تتقاسمها النخب، ولا ساحة مفتوحة للنفوذ الخارجي، ولا مصدراً دائماً للصفقات والامتيازات.
ليبيا وطن لكل الليبيين؛ وطن يملك ثروة هائلة، لكنه يحتاج قبل كل شيء إلى دولة واحدة، ومؤسسات موحدة، وقانون واحد، وثروة وطنية تُدار بشفافية ومسؤولية لمصلحة جميع الليبيين.
فالوطن الذي تُستنزف منشآته اليوم قد يعجز غداً عن إعادة بنائها.
والدولة التي تُضعف مؤسساتها اليوم قد تجد نفسها غداً عاجزة عن حماية مواطنيها.
والجيل الذي يُحرم اليوم من التعليم والصحة والخدمات وفرص العمل، سيدفع غداً ثمن أخطاء لم يرتكبها، وصراعات لم يخترها، وقرارات لم يكن طرفاً فيها.
وهنا يجب أن يكون واضحاً أن الخلاف السياسي، مهما بلغ، لا يمكن أن يبرر تدمير الدولة أو تعطيل مواردها أو إضعاف مؤسساتها.
فالسياسة يجب أن تكون وسيلة لبناء الدولة، لا ذريعة لهدمها.
لذلك، فإن المعركة الحقيقية ليست بين شرق وغرب، ولا بين مدينة ومدينة، ولا بين قبيلة وقبيلة.
المعركة الحقيقية هي بين من يريد ليبيا دولةً لكل أبنائها، ومن يريدها ساحةً مفتوحة للمصالح والنفوذ والفوضى.
وهي بين من يرى في النفط ثروة وطنية يجب أن تتحول إلى مدارس ومستشفيات وطرق ومشروعات وفرص عمل، ومن يراه ورقة ضغط ومصدراً للنفوذ والمكاسب.
وهي بين من يريد بناء مؤسسات تحكمها القوانين، ومن يريد مؤسسات ضعيفة يمكن إخضاعها للمصالح والصفقات.
ولهذا فإن إنقاذ ليبيا لا يبدأ بإشعال حرب جديدة، ولا بإقصاء طرف لحساب طرف آخر، بل يبدأ بإطفاء حرائق الانقسام والفساد والتخريب، وإعادة بناء الثقة في الدولة ومؤسساتها، وترسيخ قاعدة بسيطة يجب ألا تكون محل خلاف:
ثروات ليبيا لليبيين جميعاً، ومؤسساتها ملك لجميع أبنائها، والقانون يجب أن يكون فوق الجميع.
فليبيا أكبر من كل سلطة، وأبقى من كل حكومة، وأغلى من كل صفقة.
وثروتها الوطنية ليست ملكاً لجماعة، ولا مدينة، ولا قبيلة، ولا تيار سياسي؛ إنها أمانة وطنية في أعناق الجميع.

ويبقى السؤال الأهم:
من يدفع ثمن حرق ليبيا؟
هل هم أصحاب الصفقات؟
هل هم أمراء النفوذ؟
هل هم تجار الأزمات؟
هل هم الذين وجدوا في الفوضى فرصة لتوسيع نفوذهم وتحقيق مكاسبهم؟
في الغالب، لا.
الذين يدفعون الثمن الحقيقي هم المواطنون.
هم أبناء ليبيا الذين يريدون وطناً آمناً، ومدرسة جيدة لأبنائهم، ومستشفى محترماً، وكهرباء مستقرة، ومياهاً نظيفة، وعملاً كريماً، ودولة تحميهم ولا تتركهم رهائن للفوضى والانقسام.
هم الآباء الذين يخشون على مستقبل أبنائهم، والشباب الذين يبحثون عن فرصة في وطن يملك من الثروات ما يكفي لبناء مستقبل أفضل، والأسر التي تدفع يومياً تكلفة أزمات لم تكن سبباً فيها.
ولهذا، فإن إنقاذ ليبيا ليس مسؤولية طرف واحد، ولا مدينة واحدة، ولا مؤسسة واحدة.
إنه مسؤولية وطنية مشتركة.
وإذا كان لا يزال هناك وقت لإنقاذ ما تبقى، فالوقت هو الآن.
قبل أن يصبح الفساد نظاماً، والفوضى واقعاً دائماً، والخراب أمراً معتاداً، وقبل أن يصبح جيل كامل معتاداً على دولة لا تقدم له ما يستحقه من أمن وخدمات وفرص.
فليبيا لا تحتاج إلى من ينتصر على ليبيا…
ليبيا تحتاج إلى من ينقذ ليبيا.

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى