صبري الديب يكتب.. حاورت الرئيس عرفات

في مارس 1989، وقع انشقاق كارثي داخل حزب العمل الاشتراكي المصري، الذي كان يتزعمه وزير الزراعة الأسبق، المهندس إبراهيم شكري، على خلفية الصراع الذي اندلع بين الاتجاهين الاشتراكي والإسلامي داخل الحزب، بعد سيطرة جماعة الإخوان على أغلب مفاصله، في أعقاب التحالف الذي جمعها في الانتخابات البرلمانية عام 1987، وسط أحداث عنف تمت بدعم ومباركة عدد من أجهزة الدولة، التي كانت ترى في إضعاف أحد أكبر الأحزاب المعارضة في مصر دعمًا لسيطرة الحزب الوطني، الذي كان يهيمن على كافة أوجه الحياة السياسية في البلاد في ذلك الحين.
ورغم أنني كنت أعمل في ذلك الحين بمكتب إحدى أكبر الصحف العربية، فقد عرضت على مسؤول التحرير بالقاهرة رفع اقتراح لإدارة التحرير في لندن، برغبتي في إجراء حوارين، يتم نشرهما على صفحتين متقابلتين، في صورة مواجهة مع قائدي قطبي الصراع: «المهندس إبراهيم شكري، والسيد أحمد مجاهد». وبالفعل، تمت الموافقة على الاقتراح، وقمت بإجراء الحوارين، وتم نشرهما بذات االشكل المقترح، وكان لهما أثر كبير في تقريب وجهات النظر بين الجبهتين المتصارعتين.
وبعد النشر بأيام، فوجئت بمكالمة من المهندس إبراهيم شكري، يشكرني فيها على أمانة العرض، ويدعوني إلى حفل عشاء بمنزله، على شرف الزعيم الفلسطيني «ياسر عرفات». وبالفعل، لبيت الدعوة، التي اقتصرت على عدد قليل للغاية من الشخصيات، والتي وجدت فيها، ومعي الصديق الراحل محمود بكري، فرصة لإجراء حوار مع الزعيم عرفات، الذي لا زلت أشهد بوطنيته وتاريخه النضالي الرائع حتى اليوم.
وأذكر أنني عندما عرضت الأمر على الزعيم الراحل، ابتسم ووافق على الفور، مشترطًا أن يكون اللقاء علنيًا وسط الحضور. وبالفعل، بدأت، ومعي الراحل محمود بكري، في تبادل الأسئلة، والرجل يرد بصراحة شديدة، إلى أن طرحت عليه سؤالًا يتعلق بالموقف السلبي لمنظمة التحرير الفلسطينية من الموقف المنفتح الذي أتاحه الرئيس الراحل أنور السادات لحل القضية الفلسطينية.
ولأن السؤال كان شديد الحساسية، ويتعلق بموقف قد يسجله التاريخ على الزعيم الفلسطيني، ومعه جيل كامل من القادة المؤسسين لمنظمة التحرير، فقد فوجئت به يبادلني السؤال بسؤال، قائلًا: «وهل ستستطيع نشر إجابتي؟». فرددت على الفور: «أعدك بنشر الإجابة نصًا». فرد: «وإن فعلت، فسأتصل بك وأشكرك بنفسي».
وبالفعل، أجاب الزعيم الفلسطيني قائلًا: «إن أنور السادات فرّط في القضية منذ ذهب لإسرائيل، ولو أنه تمسّك بقيام الدولة الفلسطينية في خطابه أمام الكنيست لتغيّر الموقف تمامًا، حتى إن موشي ديان اعترف في مذكراته أنه استطاع أن يقنع السادات بحذف الفقرة الخاصة بالدولة الفلسطينية من خطابه في الكنيست، واستمر على ذات النهج خلال محادثات كامب ديفيد».
فقلت له: «ولكن هذا الطرح مخالف للحقيقة، وأن خطاب الرئيس السادات أمام الكنيست الإسرائيلي تضمن فقرة كاملة عن شرعية الدولة وحق تقرير المصير، فضلًا عن مؤتمر مينا هاوس الذي رفضتم حضوره، رغم أنه كان فرصة لانتزاع حقوقكم وإنهاء الاحتلال وعودة الأرض المحتلة إلى حدود الخامس من يونيو 1967».
المذهل أن الزعيم الفلسطيني أصرّ خلال إجابته – ضمنًا – على إظهار الرئيس السادات بـ«الخائن»، على عكس الحقيقة، بل ورفض بشدة طرحي بارتكاب منظمة التحرير خطأ تاريخيًا بمخالفة كل خطوات الرئيس المصري الراحل، وتركه يفاوض الإسرائيليين وحيدًا، استجابة للضغوط السوفيتية والعراقية والليبية والجزائرية في ذلك الحين.
ورغم أنني راعيت الأمانة المهنية، ونشرت الحوار نصًا، كما وعدت الزعيم الفلسطيني الراحل، فإنني لا زلت على قناعة بأنه ومنظمة التحرير قد ارتكبا خطأ تاريخيًا، وأن التمسك بموقفهما ليس أكثر من تجنٍّ على الرئيس السادات، للتنصل من إهدارهما فرصة تاريخية لاستعادة الأرض وحل القضية، وهو ما أثبتته الأيام والأحداث، وأنصفت الرئيس الراحل، وأيدت طرحي الذي رفضه الزعيم عرفات.. وكفى.



