تقدير موقف

من وادي سيدنا إلى قناة السويس.. كيف ساند السودان مصر في حرب أكتوبر؟

القاهرة- منة خضر

تُعد حرب أكتوبر 1973 محطة مفصلية في التاريخ العسكري المصري والعربي، والتي رافقتها مواقف عربية داعمة لمصر في أثنائها وقبل اندلاعها وكان السودان في مقدمة الدول التي قدمت مساندة فعلية لمصر وشاركت بجانبها في الميدان العسكري، ضمن مسار تعاون انطلق عقب نكسة يونيو 1967 وتطور عبر السنوات التالية.

 بعد النكسة.. السودان يستقبل الطائرات المصرية والكلية الحربية

شهد يوم 5 يونيو 1967 ضربات إسرائيلية استهدفت المطارات المصرية في بداية حرب يونيو، والتي انتهت باحتلال سيناء ومناطق عربية أخرى، وعقب الحرب، أعلن رئيس الوزراء السوداني محمد أحمد محجوب وقوف بلاده إلى جوار القاهرة وتلبية احتياجاتها القتالية، في وقت كانت تسعى فيه مصر لترتيب بيتها العسكري بعد الخسائر الفادحة. وبحسب الهيئة العامة للاستعلامات، احتضن السودان الطائرات المصرية التي سلمت من الغارات، كما استقبل دفعات طلاب الكلية الحربية المصرية التي نُقلت من القاهرة إلى منطقة الخزان قرب الخرطوم، مما ضمن استمرار إعداد وتدريب الكوادر العسكرية المصرية بعيداً عن مرمى الاستهداف.

ولم يقف الدعم عند الإيواء والتدريب، بل امتد لتدفق عسكري مباشر؛ ففي يونيو 1967 تحركت قوة سودانية إلى الجبهة المصرية بعد أيام قليلة من الهزيمة، لتغدو جزءاً من التواجد العسكري العربي المرابط على الضفة الغربية للقناة.

 يونيو 1967.. القوات السودانية على الجبهة المصرية

دفع السودان بكتيبة مشاة إلى مصر في يونيو 1967 تمركزت بقطاع بورفؤاد، بالتزامن مع سيطرة القوات الإسرائيلية على أغلب الضفة الشرقية، وأُوكلت للقوة السودانية مهام قتالية في المنطقة، بتنسيق وإسناد من وحدات مصرية شملت المدفعية والدفاع الجوي والهندسة والدبابات والصاعقة.

واستمر التواجد السوداني على الجبهة وتوسع تدريجياً خلال السنوات التالية ليُشكل لاحقاً قوة أكبر عُرفت بـ «لواء النصر». وبذلك لم تكن المشاركة السودانية مجرد رد فعل موقت عقب النكسة، بل تمركزاً مستمراً ضمن ترتيبات الجبهة السابقة لحرب أكتوبر.

وفي 1 يوليو 1967، شهدت منطقة رأس العش معركة ضد القوات الإسرائيلية التي حاولت الالتفاف نحو بورفؤاد، وانتهت بوقف التمدد الإسرائيلي هناك، في وقت كانت تعمل فيه القوات المصرية والسودانية على إحكام السيطرة وترسيخ المواقع بعد تحولات خريطة الانتشار العسكري، واستمر هذا التواجد عبر الميدان في السنوات اللاحقة مع استبدال الوحدات وإرسال عناصر جديدة في إطار التعاون المشترك، بينما واصلت مصر بناء قواتها للتحضير لمرحلة المواجهة التالية.

 أغسطس 1967.. قمة الخرطوم

بعد أقل من ثلاثة أشهر على الهزيمة، احتضنت العاصمة السودانية القمة العربية الرابعة من 29 أغسطس إلى 1 سبتمبر 1967 لبحث تداعيات النكسة ومصير الأراضي المحتلة، وخرج المؤتمر بقرارات سياسية وعسكرية واقتصادية حاسمة، أبرزها «اللاءات الثلاث»: لا صلح، ولا تفاوض، ولا اعتراف بإسرائيل، مع التوكيد على إزالة آثار العدوان وتوحيد الصف العربي. كما أقرت القمة خططاً لدعم الجاهزية العسكرية لمواجهة احتمالات تجدد القتال.

وامتد المسار إلى الجانب المالي، حيث تعهدت السعودية والكويت وليبيا بتقديم ضخ مالي سنوياً لمصر والأردن يبدأ من منتصف أكتوبر 1967 وحتى زوال آثار العدوان؛ بلغت الالتزامات 50 مليون جنيه إسترليني من السعودية، و55 مليوناً من الكويت، و30 مليوناً من ليبيا، بهدف إسناد الدول المتضررة وإعادة بناء جيوشها.

كما تناولت القمة ملف النفط، واستقرت على أن استمرار إنتاجه وتوظيف عوائده يمثل مورداً لدعم الاقتصادات المتأثرة بدلاً من الاقتصار على الحظر. وأقرت القمة مشروع تأسيس الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، ودعت لتصفية القواعد الأجنبية في المنطقة.

وفي الوقت الذي شهدت فيه الخرطوم التجمع السياسي العربي، كانت القوات السودانية تربض بالفعل على خط النار في مصر، ليمزج الموقف السوداني حينها بين المشاركة الميدانية المباشرة واستضافة القرارات السياسية الشاملة

مايو 1969.. نميري يتولى الحكم

في 25 مايو 1969، صعد جعفر محمد نميري إلى السلطة في السودان، فشهدت العلاقات مع مصر تقارباً سياسياً وعسكرياً أعمق، لا سيما في عهد الرئيس أنور السادات. وتبين بيانات الهيئة العامة للاستعلامات أن العلاقات بلغت منحنى متقدماً من التنسيق خلال تلك المرحلة.

وتواصل التعاون العسكري بالتوازي مع الاستعدادات المصرية لإعادة بناء القوات وخوض معركة استرداد الأرض المحتلة عام 1967. وفي هذه الفترة، أخذ استخدام الأراضي السودانية طابعاً أكثر تعقيداً يرتبط بالتدريب والجاهزية القتالية، إلى جانب استمرار الاستضافة الآمنة للطائرات والكوادر المصرية.

وادي سيدنا.. مركزاً للتدريب قبل أكتوبر 1973

برزت قاعدة وادي سيدنا قرب الخرطوم كركيزة للتعاون العسكري قبل الحرب؛ فبعد أن أمنت الطائرات المصرية عقب 1967، اتسع دورها ليشمل التحضير الميداني، وأوضح أحمد أبو الغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية، في تصريحات تلفزيونية، أن القاذفات الثقيلة المصرية سوفييتية الصنع اتخذت من وادي سيدنا وقواعد سودانية أخرى مقراً للتدريب والحماية بين 1967 و1973، كما احتضن السودان الطيارين المصريين للتدريب قبل معركة العبور. وأشار إلى أن هذه القاذفات شاركت بفاعلية في دك القواعد الاستطلاعية الإسرائيلية بعمق سيناء يوم 6 أكتوبر 1973.

ويعكس ذلك أبعاد التنسيق العسكري؛ حيث لم يقتصر الدور السوداني على ملجأ للطائرات الناجية من ضربة يونيو، بل تحول إلى ساحة إعداد وتدريب وحماية للأسلحة التي قادت الضربات الأولى في الحرب.

 أكتوبر 1973.. المشاركة في الحرب

مع انطلاق حرب 6 أكتوبر 1973، بدأت القوات المصرية اقتحام قناة السويس وخط بارليف لاستعادة سيناء، وطبقاً للهيئة العامة للاستعلامات، شارك الجيش السوداني بقوة احتياط تلثمت في لواء مشاة وكتيبة قوات خاصة ومتطوعين تولوا مهام الإسناد للجيش المصري، كما عبرت عناصر سودانية القناة جنباً إلى جنب مع القوات المصرية خلال عمليات الاقتحام.

وجاءت هذه المشاركة المباشرة كتتويج لسنوات من التواجد الميداني والتعاون العسكري واستغلال القواعد السودانية في الإعداد والتدريب. وبذلك تدرج الدور السوداني من تقديم الملجأ عقب نكسة 1967، إلى التمركز الميداني على الجبهة، ثم توفير القواعد للتدريب، وصولاً إلى المشاركة بالدم والعتاد في حرب أكتوبر

اتفاقيات جديدة تعزز التكامل بين مصر والسودان

تواصل التعاون بين البلدين بعد الحرب عبر مسارات تنموية واقتصادية متكاملة وقبل الحرب، وتحديداً في 12 ديسمبر 1970، وقع الطرفان اتفاقية لمنع الازدواج الضريبي وتبادل المعلومات المالية، وبعد انتصار أكتوبر، اتسعت الأطر المشتركة؛ ففي فبراير 1974 وقع السادات ونميري «منهاج العمل السياسي والتكامل الاقتصادي» كمظلة للتنسيق السياسي والنمو الاقتصادي، مع التركيز على استثمار الأراضي الزراعية، وتنظيم مياه النيل، وتوفير فرص العمل.

وتحولت هذه التفاهمات إلى إجراءات عملية شملت الاستثمار ونقل العمالة؛ حيث أقرت اللجنة الوزارية العليا اتفاقيات لحماية الاستثمارات، وتنقل العمالة، والتعاون الصحي، وتسهيل حركة الأفراد والبضائع.

 

وشمل ذلك تطوير الطرق والسكك الحديدية والملاحة البحرية والنهرية، واعتبار الطيران بين القاهرة والخرطوم رحلات داخلية بتخفيض 25% بحسب هيئة الاستعلامات. وفي 1978، انطلقت «هيئة وادي النيل للملاحة النهرية» كشركة مشتركة لنقل الركاب والبضائع عبر النيل لربط الشعبين وتسهيل التجارة.

وفي 12 أكتوبر 1982، توج هذا المسار بـ «ميثاق التكامل المصري السوداني» لتعميق الروابط الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والعسكرية، والذي منح المواطنين حقوقاً متبادلة وإلغاء القيود على حركة الأفراد ورؤوس الأموال والإقامة والعمل. وهكذا، تطور التعاون المصري السوداني منذ نكسة 1967 عبر محطات متتالية؛ بدأ بالإسناد العسكري واستضافة الطائرات والكلية الحربية، مروراً بالتمركز على خط القناة، واستخدام القواعد السودانية للتدريب، ثم المشاركة المباشرة في القتال عام 1973، وصولاً إلى آفاق أرحب من التكامل الاقتصادي والاجتماعي وحرية الحركة والاستثمار بين البلدين.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى