
إعداد – محمد الامين ابوزيد
*مقدمة*
يمثل كل من محي الدين بن عربى ومحمود محمد طه نموذجين بارزين فى الفكر الاسلامى، حيث يجتمعان فى النزوع الصوفى والتأويل الباطنى رغم التباعد الزمنى والسياق التاريخى بينهما، تهدف هذه المقاربة الى ابراز اوجه الالتقاء والاختلاف بين التجربتين، وتحليل طبيعة العلاقة بين التصوف الفلسفى والتجديد الدينى المعاصر.
*اولا: الاطار الفكرى عند ابن عربى*
يعد ابن عربى من اعمدة التصوف الفلسفى أسس رؤيته على مفهوم وحدة الوجود، حيث يرى ان الوجود كله تجل للحقيقة الالهية. طرح مفهوم الانسان الكامل الذى يمثل ذروة التحقق الروحى. فيصبح الانسان مرآة للأسماء والصفات الالهية.
تتسم كتاباته خاصة فى الفتوحات المكية وفصوص الحكم، بلغة رمزية عميقة تتطلب تأويلا فلسفيا وصوفيا.
*ثانيا: الاطار الفكرى لمحمود محمد طه*
ينتمى محمود الى سياق فكرى حديث، قدم مشروعا اصلاحيا يعرف بالرسالة الثانية من الاسلام يقوم على التمييز بين مرحلتين فى التشريع الاسلامى(المكى والمدنى).
يركز طه على تطوير فهم الدين بما يتناسب مع تطور الانسان، مؤكدا على الحرية الفردية والمساواة مع اعتماد تأويل باطنى للنصوص فى اطار عملى اجتماعى.
*ثالثا: اوجه التشابه*
•مركزية البعد الروحى كلاهما يريان ان جوهر الدين تجربة داخلية وليس مجرد التزام ظاهرى.
•التأويل الباطنى للنصوص بتجاوز الفهم الحرفى للوصول للمعانى العميقة.
•الارتقاء بالانسان عند ابن عربى عبر تحقيق مقام الانسان الكامل، وعند طه عبر تطور الانسان نحو الحرية والمسؤلية.
*رابعا: اوجه الاختلاف*
•يمثل اتجاه ابن عربى الفكرى الفلسفى بناء ميتافيزيقى شامل للوجود. بينما يمثل محمود مشروع اصلاحى اجتماعى وسياسى.
•الفكرة المركزية عند ابن عربى وحدة الوجود والتجلى، وعند طه تطور الشريعة والرسالة الثانية.
•ابن عربى بعيد عن الاشتغال السياسى المباشر، طه منخرط فى قضايا المجتمع والدولة.
•المنهج عند ابن عربى رمزى اشارى معقد.
عند طه اكثر وضوحا وطرحا مباشرا.
يمكن النظر الى محمود محمد طه باعتباره امتدادا جزئيا للروح الصوفية التى يمثلها ابن عربى مع اعادة توجيهها نحو الواقع الاجتماعى.
•السياق التاريخى ابن عربى عاش فى القرن الثالث عشر،محمود عاش فى القرن العشرين.
العلاقة بينهما ليست علاقة تأثر مباشر بل تقاطع فى الرؤية الروحية واختلاف فى الغاية والمنهج.
التصوف كتجربة روحية يتخذ مسارات متعددة مسار فلسفى تأملى(ابن عربى) ومسار اصلاحى عملى(محمود محمد طه) وهذا بحد ذاته يعكس مرونة الفكر الاسلامى وقدرته على التفاعل مع مختلف السياقات التاريخية بعيدا عن الافكار السلفية التكفيرية الانعزالية التى تسود المشهد الان.
*خامسا: تطور الفهم الدينى*
كلاهما ينطلق من فكرة ان الدين ثابت، لكن فهم الانسان له يتدرج ويتطور.
عند ابن عربى الحقيقة الالهية واحدة لكن تتجلى بصور مختلفة بحسب استعداد الانسان.
عند طه النص واحد لكن تطبيقه يتطور مع نضج البشرية.
ابن عربى يميز بين الظاهر(الشريعة) والباطن
(الحقيقة) يرى الحقيقة اعمق لكنها لاتلغى الشريعة بل تتجاوزها فى الفهم.
عند محمود يقارب الفكرة بشكل عملى بين مرحلتين من النص القرآنى المكى والمدنى.
الحرية عند ابن عربى حرية التلقى والمعرفة (قلب المؤمن يتسع لكل الصور). بينما طه يجعل الحرية أساس التشريع نفسه(لااكراه فى الدين).
مفهوم الانسان الكامل عند ابن عربى هو مرآة تجلى الاسماء الالهية كلما ارتقى اقترب من الكمال. يلتقى معه محمود فى ان البشرية فى حالة تطور نحو مستوعى اعلى من الوعى فالانسان الكامل يقابله عند طه الانسان الحر المسؤول.
يقول ابن عربى بتعدد التجليات الدينية ضمن وحدة الحقيقة، وطه يرى ان داخل الاسلام نفسه مستويات متعددة للفهم والتطبيق.
ابن عربى يقدم مشروع روحى فلسفى يخاطب السالك الفرد، ومحمود مشروعه اصلاحى اجتماعى وسياسى يخاطب المجتمع كله.
خلاصة ابن عربى وضع الاساس العرفانى لفكرة الحقيقة اوسع من ظاهر النص، ومحمود حاول تحويل هذا المعنى الى مشروع لتجديد الشريعة وبناء مجتمع جديد.
خاتمة: هل يعد محمود امتداد لابن عربى ام قطيعة معه؟ الاقرب انه تقاطع فى الاساس الروحى، مع تحول جذرى فى الاتجاه والوظيفة.
ابن عربى يؤول وطه يطور.
بالرغم من قرب طرح محمود الروحى من التيارات الصوفية الا انها تتحفظ عليه لان التصوف عادة لايصطدم بالفقه بشكل مباشر بل يعيش داخله وبجانبه، بينما طه دخل فى صراع مباشر مع الفقه السائد ولذلك ينظر اليه كمفكر اصلاحى ذو نزعة صوفية.
محمود استلهم الروح العرفانية التى مثلها ابن عربى لكنه نقلها من مجال التجربة الفردية الباطنية الى مشروع تاريخى لتطور المجتمع والتشريع.
مراجع:
1-فصوص الحكم-ابن عربى
2-الفتوحات المكية-ابن عربى
3-الرسالة الثانية من الاسلام-محمود محمد طه



