تقدير موقف

التداعيات الاستراتيجية لاستكمال إسرائيل مشروع «سوفا 53» داخل الأراضي السورية

دكتور/ أحمد البدوي سالم
أستاذ العقيدة والفلسفة المساعد في جامعة الأزهر
زميل كلية الدفاع الوطني، الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية.
إن مشروع «سوفا 53» الإسرائيلي في جنوب سوريا المعروف أيضاً باسم “العاصفة الكبرى” يثير تساؤلات جوهرية بشأن السيادة الدولية، ومستقبل العلاقات السورية الإسرائيلية، والتداعيات الاستراتيجية على منطقة الشرق الأوسط بأكملها، خصوصا بعد تبرير إسرائيل ذلك بوصفه مشروعًا للبنية التحتية والعسكرية بالقرب من مرتفعات الجولان السورية المحتلة، لكنه بات يُوصَف بصورة متزايدة في التقارير الإقليمية بأنه جزء من مسعى أوسع لترسيخ الوجود العسكري الإسرائيلي داخل منطقة الفصل الخاضعة لمراقبة الأمم المتحدة وفي محيطها، وتشير تقارير نُشرت في مطلع أكتوبر 2026 إلى استئناف أعمال الحفر والإنشاء بالقرب من منطقة العشة في ريف القنيطرة.


إن التداعيات المترتبة على استكمال المشروع لن تقتصر على تشييد طريق وخنادق وسواتر دفاعية؛ إذ تكمن أهميته الاستراتيجية في احتمال تحوّل البنية التحتية العسكرية الدائمة إلى أداة لنقل ترتيبات أمنية مؤقتة إلى واقع إقليمي وعسكري طويل الأمد، ويتطلب تقييم هذا الاحتمال دراسة المشروع من منظور جيوسياسي وعسكري وقانوني وسياسي واقتصادي، مع التمييز بين التطورات التي وثقتها التقارير بالفعل وبين التوقعات المتعلقة بالنتائج المحتملة لها.
• طبيعة مشروع «سوفا 53» وأهدافه الاستراتيجية:
وفقًا للتقارير المنشورة، يتضمن مشروع «سوفا 53» طريقًا عسكريًا يبلغ عرضه نحو ثمانية أمتار، تدعمه في مناطق عدة سواتر ترابية يصل ارتفاع بعضها إلى نحو خمسة أمتار، إضافة إلى خنادق وتحصينات ومنشآت عسكرية، ومواقع مراقبة مرتبطة بالمسار، ويمتد عبر مناطق متعددة من ريف القنيطرة؛ ليشكل المشروع امتدادا من محيط حضر في ريف القنيطرة الشمالي، مرورا بجباتا الخشب والحميدية والقحطانية ورويحينة وبريقة، وصولا إلى العشة في الريف الجنوبي، باتجاه المنطقة الحدودية الثلاثية، وقد بدأ العمل في هذا المشروع عام 2022، وأن وتيرة تنفيذه تسارعت بعد سقوط حكم بشار الأسد في ديسمبر 2024.
ومن منظور الأمن الإسرائيلي في تبرير المشروع، أنه يمكن لهذه المنشآت أن تسهم في تحسين قدرات المراقبة، وتسريع تحركات القوات، وتعزيز حماية المواقع العسكرية، وتوفير عوائق إضافية أمام عمليات التسلل عبر الحدود، وقد استندت إسرائيل إلى التهديدات المحتملة الناجمة عن الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران لتبرير تعزيز ترتيباتها الأمنية في المنطقة.

ومع ذلك، فإن التداعيات الاستراتيجية للمشروع تتوقف على نطاقه الجغرافي الفعلي، ومدى ارتباطه ببرامج التحصين الأخرى، وما إذا كان استكماله سيصاحبه استمرار الوجود العسكري داخل الأراضي السورية، ولا يكفي التفسير الدفاعي للمشروع، في حد ذاته، لحسم المسائل القانونية والسياسية المنفصلة المتعلقة بالسيادة وبالوضع القانوني للأراضي التي تُقام عليها هذه المنشآت.
• التداعيات العسكرية: إعادة تشكيل ميزان القوى في جنوب سوريا.
إن استكمال مشروع «سوفا 53» سيؤدي إلى عدد من التداعيات منها: تعزيز الموقع التكتيكي لإسرائيل داخل الأراضي السورية من خلال إنشاء منظومة دفاعية على طول الحدود؛ لأن الطرق التابعة للمشروع ستسهل حركة القوات والمعدات الإسرائيلية، بينما تسهم مواقع المراقبة والتحصينات في رفع قدرات الرصد وتقليص الوقت اللازم للاستجابة للتهديدات الناشئة، كما يمكن للخنادق والسواتر الترابية أن تعقّد تحركات القوات السورية عبر المناطق المكشوفة.
والأهم من ذلك أن المشروع قد يغيّر ميزان القوى العسكرية من خلال تمكين إسرائيل من الاحتفاظ بوجود أكثر استمرارية داخل منطقة الفصل، وإذا أصبح المشروع جزءًا من شبكة أوسع من المواقع العسكرية، فقد تتجاوز أهدافه حماية الحدود لتشمل تعزيز المراقبة، وتيسير الوصول العملياتي، وتوفير القدرة على التأثير في التطورات داخل مناطق أعمق من جنوب سوريا.
وتتمثل المعضلة الأمنية الناتجة عن ذلك في أن التدابير التي يصفها الطرف الإسرائيلي بأنها دفاعية هي في حقيقتها استعداد لمزيد من التوسع الإقليمي، والاستيطان الإسرائيلي، مما إلى يؤدي إلى تصاعد التوترات في المنطقة.
• التداعيات القانونية ومسألة السيادة:
تتعلق إحدى أخطر التداعيات المحتملة بمستقبل اتفاقية فض الاشتباك بين القوات الإسرائيلية والسورية لعام 1974والتي أرست ترتيبات الفصل بين الجيشين، وأنشأت الإطار الذي تعمل بموجبه قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (UNDOF) على مراقبة وقف إطلاق النار والمنطقة المحددة للفصل بين القوات، وقد وثق تقرير للأمين العام للأمم المتحدة صدر عام 2025 وجودًا وأنشطة عسكرية إسرائيلية داخل منطقة الفصل، واعتبرها انتهاكات لاتفاقية عام 1974.
إن استكمال طريق أو منظومة من الخنادق لا يؤدي، في حد ذاته، إلى نقل السيادة على الأرض أو إنشاء حدود جديدة معترف بها دوليًا وإذا أسهم المشروع في ترسيخ وجود عسكري طويل الأمد، فقد تواجه سوريا صعوبة أكبر في استعادة الترتيبات السابقة، حتى مع بقاء الوضع القانوني الدولي للأرض دون تغيير، خصوصًا في ظل قيام إسرائيل بالضرب عرض الحائط بقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن.
• التداعيات الاقتصادية والبيئية والإنسانية:
لا تقتصر آثار مشروع «سوفا 53» على الحسابات العسكرية، بل تمتد إلى المجتمعات المحلية في ريف القنيطرة، التي تعتمد بدرجة كبيرة على الزراعة وتربية الماشية وإمكانية الوصول إلى الأراضي المحيطة، وقد وثقت تقارير تفيد بأن أعمال التحصين الإسرائيلية ألحقت أضرارًا بالأراضي الزراعية، وقيّدت الرعي، ودمرت الغطاء النباتي، وأثرت في تدفقات المياه الطبيعية. كما أفاد مسؤولون سوريون بتضرر مساحات واسعة من الأراضي الزراعية نتيجة أعمال الإنشاء، وأفادت تقديرات سورية بأن نحو 7000 دونم (1666 فدانًا) من أراضي جباثا الخشب جرى اقتطاعها لصالح المشروع، بينما قال رئيس بلدية الحميدية إن الخسائر في الحميدية والحرية والمناطق التابعة لهما وصلت إلى نحو 6000 دونم (1428 فدانًا)، في حين ذكر مدير مركز الإعلام الحكومي في القنيطرة محمد سعيد، في تصريح لوكالة “الأناضول” في يوليو، أن ما يقارب 6000 هكتار (14,283 فدانًا) خُسرت لصالح مشروع “سوفا 53” والقواعد العسكرية التي استُحدثت بعد سقوط النظام السابق، وهي تقديرات متفاوتة تعكس اتساع نطاق الضرر كما تصفه الجهات السورية، بينما لا تتوفر في المصادر المفتوحة التي جرى الاطلاع عليها بيانات إسرائيلية تؤكد هذه الأرقام.
كما امتدت تداعيات المشروع إلى الغطاء النباتي في أجزاء من ريف القنيطرة، حيث أظهرت تقارير ميدانية تعرض مناطق رعوية وأشجار برية للتجريف، في وقت يعتمد فيه سكان القرى الحدودية بدرجة كبيرة على الزراعة وتربية المواشي، بينما أدى تقييد الوصول إلى بعض الأراضي إلى زيادة الضغوط الاقتصادية على الأسر المحلية.
وشهدت المنطقة كذلك انفجارات متقطعة نسبت إلى ألغام ومواد متفجرة موجودة أصلًا داخل المنطقة العازلة، وسط مخاوف من أن تؤدي عمليات الحفر وتحريك التربة والآليات الثقيلة إلى زيادة مخاطر انفجارها، فيما تتواصل التحركات العسكرية الإسرائيلية في ريفي القنيطرة ودرعا، وتشمل، بحسب تقارير محلية، توغلات وعمليات اعتقال وإطلاق نار في بعض المناطق.
وإذا استُكمل المشروع واستمرت القيود المرتبطة به، فقد تتحول هذه الآثار إلى مشكلات أكثر استدامة. فالطرق والخنادق والسواتر الترابية يمكن أن تؤدي إلى تجزئة الأراضي الزراعية، وتعقيد الوصول إلى البساتين ومناطق الرعي، وتغيير أنماط تصريف المياه. كما يمكن أن تؤدي القيود المفروضة على الحركة إلى زيادة تكاليف الإنتاج الزراعي وتقويض دخول الأسر المحلية.
وتحمل هذه الظروف أيضًا أبعادًا استراتيجية؛ إذ قد تتزايد حالة الاغتراب لدى المجتمعات التي تعاني من انعدام الأمن المستمر وفقدان سبل العيش، ولا سيما عندما تبدو السلطات السياسية عاجزة عن حماية أراضيها أو ضمان مصالحها، ومن ثم، فإن التدهور الإنساني والاقتصادي قد يضعف الاستقرار المحلي ويجعل جنوب سوريا أكثر عرضة للدخول في دورات جديدة من المواجهة.
ولذلك، ينبغي لأي تقييم شامل أن يتعامل مع حماية المدنيين، وإمكانية الوصول إلى الأراضي، وإدارة الموارد المائية، والحفاظ على سبل العيش بوصفها مكونات أساسية للأمن الإقليمي، لا قضايا ثانوية أو منفصلة عنه.
• التداعيات الجيوسياسية الإقليمية
يمكن أن يؤثر المشروع في العلاقات بين سوريا وإسرائيل والأردن، فضلًا عن علاقات هذه الأطراف بالقوى الإقليمية والدولية الأخرى، وقد أدان الأردن استئناف الأعمال المرتبطة بخط «سوفا 53»، واعتبرها انتهاكًا للسيادة السورية واتفاقية عام 1974.
فالتطورات في جنوب سوريا ترتبط مباشرة باستقرار الحدود، والأمن عبر الحدود، ومخاطر امتداد المواجهات إلى الجبهة الأردنية، ومن ثم، فإن وجودًا عسكريًا إسرائيليًا محصنًا يمتد باتجاه حوض اليرموك قد يعقّد الحسابات الأمنية الإقليمية، خصوصًا إذا تزامن مع تجدد النشاط المسلح أو تدهور المفاوضات السورية الإسرائيلية.
أما بالنسبة إلى السلطات الانتقالية السورية، فيطرح المشروع تحديًا مزدوجًا، فمن ناحية، يتعين عليها تحقيق وحدة وسلامة الأراضي السورية، ومن ناحية أخرى، يجب عليها إثبات أن استعادة السيادة على الأراضي السورية تظل أولوية وطنية، وقد يُفسر الإفراط في ضبط النفس داخليًا وخارجيًّا على أنه عجز عن الدفاع عن المصالح الوطنية.
• السيناريوهات الاستراتيجية المحتملة:

السيناريو الأول: ترسيخ الوجود العسكري إسرائيل وفرض سياسة الأمر الواقع:.
بأن تستكمل إسرائيل البنية التحتية للمشروع وتحافظ على مواقعها العسكرية، بينما تواصل سوريا السعي إلى تسوية دبلوماسية، وقد يسهم هذا السيناريو في إبقاء الوضع على ما هو عليه في التوسع الإسرائيلي في عمليات الاستيطان، وسيُبقي النزاع المتعلق بالسيادة قائمًا لفترة طويلة، دون التوصل إلى تسوية نهائية وهذا ما تسعي إليه إسرائيل.
السيناريو الثاني: التوصل إلى ترتيبات تفاوضية.
ويمثل هذا السيناريو المسار الأكثر استدامة لخفض التوترات؛ لكنه بعيد التحقق لأن إسرائيل لا تتفاوض وهي في مرحلة قوة، وقد تلجأ الحكومة السورية إلى الاستنكار والشجب الذي لن يفيد القضية على أرض الواقع، خصوصًا مع حالة الضعف الأممي، وعدم اكتراث إسرائيل بقرارتها.
السيناريو الثالث: تصاعد المواجهة.
وهذا السيناريو مستبعد، نظرًا للوضع الأمني المعقد في سوريا، وانتهاك إسرائيل للسيادة السورية عدة مرات، دون ردع عسكري سوري على ذلك.
الخاتمة
قد تتجاوز التداعيات المترتبة على استكمال إسرائيل مشروع «سوفا 53» في جنوب سوريا وإنشاء طريق عسكري ومنظومة من التحصينات في المنطقة، مما يعزز قدرة إسرائيل على الوصول العسكري والعملياتي والتوسع في مشروع الاستيطان، وفرض سياسة الأمر الواقع، وتعميق الضغوط الاقتصادية والإنسانية على المجتمعات المحلية في القنيطرة، والتأثير على هوية السكان، وتعميق انعدام الثقة الاستراتيجي وجعل التسوية التفاوضية أكثر صعوبة.
وأن المشروع أعاد استئناف فتح ملفات تتعلق بمستقبل المنطقة العازلة بين سوريا والجولان المحتل، إذ لم يعد الخلاف مقتصرًا على توغل عسكري محدود، وإنما امتد إلى إنشاء شبكة طرق وتحصينات وخنادق وسواتر ونقاط مراقبة واستطلاع، وإذا تحولت إلى بنية دائمة، فإن المسألة تتجاوز إنشاء طريق عسكري إلى استراتيجية أمنية إسرائيلية جديدة، تختلف عن الترتيبات التي حكمت الجبهة السورية-الإسرائيلية منذ عام 1974، مما يؤدي إلى تغيير جيوسياسي في المنطقة الحدودية، ويفسر سياسة إسرائيل في السيطرة طويلة الأمد على الأراضي السورية، وانتهاكها الصارخ لاتفاقية فصل القوات عام 1974م.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى