مراكز الفكر العربية تبحث كيفية تعزيز الحوار الفكري العربي المشترك حول قضايا التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي
الوزير المفوض علاء التميمي: الملتقى منصة فكرية عربية تستهدف تعزيز الكفاءة البحثية ورفع مستوى جودة صنع القرار العربي

رئيس مركز العرب: شاركنا بـ4 أوراق بحثية تغطي كل محاور الملتقى وجميعها تستهدف استيضاح الصورة للباحث العربي
مؤلفات الشرفاء الحمادي تنير معرض الكتاب على هامش الملتقى.. 20 مؤلفًا تم إهداؤها للمكتبة العربية
محمد الشرقاوي
في ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم، باتت الثورة الرقمية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي محورًا أساسيًا في صياغة سياسات الدول ومؤسساتها، بما فيها مراكز الفكر والأبحاث.
ومن هذا المنطلق، استضافت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يومي 23-24 نوفمبر 2025، الملتقى السنوي الثالث لمراكز الفكر في الدول العربية تحت شعار: “دور مراكز الفكر في توظيف الذكاء الاصطناعي لتعزيز صنع القرار المستنير”، تحت إشراف الوزير المفوض الدكتور علاء التميمي، مدير إدارة البحوث والدراسات الاستراتيجية بجامعة الدول العربية.
وأكد الوزير علاء التميمي أن هذا الملتقى يشكل منصة فكرية عربية رائدة جمعت بين الباحثين وصناع القرار والخبراء المتخصصين في مجالات الذكاء الاصطناعي والتحليل الاستراتيجي، بهدف تعزيز الكفاءة البحثية ورفع مستوى جودة صنع القرار العربي في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.

وتابع خلال كلمته الافتتاحية: “يمثل الملتقى الثالث امتدادًا طبيعيًا للمسار الذي أُطلق عام 2023 ضمن (الشبكة العربية لمراكز الفكر)، الرامية إلى توحيد الجهود بين المراكز العربية وتفعيل التعاون البحثي المشترك، بما يحقق ربط المعرفة بالسياسة وصياغة حلول استراتيجية مستندة إلى تحليل علمي موضوعي”.
وأوضح أن هذا الحدث يؤكد ضرورة إدماج أدوات وتقنيات الذكاء الاصطناعي في منظومة عمل مراكز الفكر؛ ليس فقط كأداة تقنية، بل كعنصر فاعل في التحليل والتفكير الاستراتيجي واستشراف المستقبل، بما يتيح للمراكز تقديم رؤى دقيقة ومستنيرة لصانع القرار العربي.
وتكتسب أهمية الملتقى أيضًا من السياق الإقليمي والدولي الذي يشهد تحولات جذرية في مجالات الاقتصاد والسياسة والأمن، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي أداة محورية لدعم البحث العلمي، وتحليل الاتجاهات، ومتابعة المستجدات، والتنبؤ بالأزمات، وصياغة السياسات العامة.
كما أتاح الملتقى فرصة فريدة لمناقشة التحديات المرتبطة باستخدام هذه التقنيات، بما في ذلك القضايا الأخلاقية، وحوكمة البيانات، وموثوقية الخوارزميات، وخصوصية الأفراد، مع التأكيد على أن هذه الأدوات يجب أن تكون مساندة للباحثين وصناع القرار لا بديلًا عنهم.
وفي هذا السياق، أثير الملتقى السنوي الثالث لمراكز الفكر عدة تساؤلات تحليلية حول واقع البحث وصنع القرار في العالم العربي، وإمكانية توظيف الذكاء الاصطناعي بشكل فعّال ومسؤول.
فبينما توفر هذه التقنيات فرصًا غير مسبوقة لتعزيز دقة التحليل وسرعة الاستجابة للأزمات، فإنها في الوقت ذاته تفرض تحديات تتعلق بالأخلاقيات، وحوكمة البيانات، وضمان موثوقية النتائج، ما يستدعي صياغة أطر تنظيمية واضحة وتطوير قدرات مراكز الفكر لتكون أكثر استعدادًا لمواجهة المستقبل الرقمي.
كما يوضح الملتقى أن التعاون بين المراكز العربية لا يقتصر على تبادل الخبرات؛ بل يشكل استراتيجية ضرورية لبناء رؤية عربية مشتركة، قادرة على الجمع بين الابتكار التكنولوجي والبحث الأكاديمي العميق، بما يتيح دعم صانع القرار العربي برؤى موضوعية ومستندة إلى بيانات دقيقة، ويعكس تطورًا نوعيًا في دور مراكز الفكر من مجرد مراكز بحثية إلى أدوات معرفية واستراتيجية فاعلة في رسم سياسات المستقبل.

ملتقى مراكز الفكر وأهدافه
يعد الملتقى السنوي الثالث لمراكز الفكر في الدول العربية، تحت إشراف الوزير المفوض الدكتور علاء التميمي، مدير إدارة البحوث والدراسات الاستراتيجية بجامعة الدول العربية، امتدادًا طبيعيًا لمسار بدأ عام 2023 بإطلاق “الشبكة العربية لمراكز الفكر”، والتي هدفت إلى تعزيز التعاون بين المراكز العربية وتبادل الخبرات البحثية والمعرفية.
وقد أسس هذا الإطار الشبكي أرضية مشتركة للتفاعل بين الباحثين وصناع القرار، بما يسهم في توحيد الجهود وتطوير أدوات التحليل المعرفي في المنطقة العربية، وتوفير منصة فكرية موحدة للتعامل مع القضايا الإقليمية والدولية برؤية استراتيجية مستندة إلى العلم والبيانات.
ويأتي هذا الملتقى في سياق سعي العالم العربي لمواكبة التحولات التكنولوجية المتسارعة، لا سيما تلك المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، الذي أصبح أحد العناصر المحورية في صياغة السياسات العامة، ورصد التحولات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وتحليل الاتجاهات المستقبلية، إضافة إلى دوره في استشراف الأزمات والتنبؤ بالتحولات العالمية.
ويهدف الملتقى بشكل رئيسي إلى دعم مراكز الفكر العربية لتكون أدوات معرفية واستراتيجية فاعلة في خدمة صانع القرار العربي، من خلال توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في البحث والتحليل.
وعكس شعار الملتقى هذا العام “دور مراكز الفكر في توظيف الذكاء الاصطناعي لتعزيز صنع القرار المستنير”، الاهتمام المتزايد بتطبيق التكنولوجيا الحديثة في صياغة السياسات العامة، مع التأكيد على أن الذكاء الاصطناعي ليس بديلًا عن الإنسان، بل أداة مساندة توسع قدرات الباحثين على التحليل والتفكير الاستراتيجي واستشراف المستقبل.

وقد أبرز المشاركون في الملتقى أن الدمج الفعال بين التحليل الإحصائي المتقدم، والخوارزميات الذكية، والنماذج التنبؤية، يمكن أن يعزز من دقة التوصيات البحثية ويقوي مصداقية المخرجات العلمية أمام صانع القرار، خصوصًا في ظل الكم الهائل من البيانات المتاحة في العصر الرقمي.
ووضعت إدارة الملتقى عدة محاور رئيسية تمثل خريطة شاملة لتطوير عمل مراكز الفكر العربية في ظل الثورة الرقمية، منها ما ركز على تعزيز الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في البحث والتحليل، من خلال التعرف على الأدوات والتقنيات والفرص المتاحة، بما في ذلك معالجة البيانات الضخمة، وتحليل الشبكات الاجتماعية، واستخدام الذكاء الاصطناعي في استشراف الاتجاهات المستقبلية.
بالإضافة إلى مناقشة أساليب التحليل الاستراتيجي، وتوظيفها في مجالات البحث المختلفة لتعزيز دقة النتائج وموضوعيتها، بما يتيح إنتاج تقارير دقيقة تدعم اتخاذ القرار في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كذلك تناول التحديات والمخاطر المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك القضايا الأخلاقية وحوكمة البيانات وموثوقية الخوارزميات، ومسؤولية الباحثين في ضمان استخدام هذه الأدوات بشكل مستدام ومسؤول.

واستعرض الملتقى التجارب الناجحة لمراكز الفكر في تحليل البيانات، بما في ذلك النماذج التنبؤية وتحليل السيناريوهات، ليكون نموذجًا عمليًا يُحتذى به، فيما خصص المحور الخامس للمعرض المصاحب الذي عرض إصدارات مراكز الفكر، بما يعزز من حضور الفكر العربي داخل المؤسسات الإقليمية ويوسع نطاق المعرفة والمعلومات المتاحة لصناع القرار.
وأتاح المعرض للباحثين الاطلاع على تجارب عربية ناجحة في دمج التحليل الرقمي مع البحث الاستراتيجي، بما يعكس تقدّم المراكز في بناء قدرات رقمية متقدمة، وقابلة للتوسع مستقبلًا.

تحليليًا، تمثل هذه المحاور إطارًا متكاملًا يوازن بين الفرص والتحديات، ويعكس إدراك مراكز الفكر العربية لأهمية دمج الذكاء الاصطناعي في منظومة العمل البحثي، مع الحفاظ على المعايير العلمية والأخلاقية، فهي لا تسعى فقط لتطوير القدرات البحثية، بل لتقديم رؤى استراتيجية دقيقة وموضوعية، تعكس قدرة المنطقة العربية على الاستجابة بفاعلية للتحولات الرقمية الكبرى، وضمان استدامة عمل مراكز الفكر كمصادر معرفية موثوقة لدعم صانع القرار العربي في صياغة السياسات المستقبلية.
وبالتالي، فإن الملتقى يشكل خطوة نوعية على طريق بناء منظومة عربية موحدة للبحث والتحليل، قادرة على استثمار الثورة الرقمية لخدمة التنمية المستدامة وصناعة القرار المستنير، مع الحفاظ على التوازن بين الابتكار، المسؤولية، والمعايير الأخلاقية.

وخلال فعاليات اليوم الأول، تحدث محمد فتحي الشريف، رئيس مركز “العرب للأبحاث والدراسات”، عن ضرورة وضع ضوابط وأطر تنظيمية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة الرأي الاستراتيجي، والبحث العلمي، بما يضمن مواكبة التطورات التقنية.
وأوضح الشريف، خلال كلمته ضمن جلسة رؤساء مراكز الأبحاث والفكر، أن المركز يشارك ضمن جلسات المؤتمر بـ4 أوراق بحثية، تغطي كل محاور الملتقى، وجميعها ذات أسس علمية ومنهجية منضبطة، من شأنها استيضاح الصورة للباحث العربي وبما يساعد في صياغة منظومة ذات أسس علمية وأخلاقية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي.

الذكاء الاصطناعي في البحث والتحليل
يعد الذكاء الاصطناعي اليوم أداة محورية تعيد تشكيل عمل مراكز الفكر في العالم العربي، لا سيما في مجال البحث والتحليل الاستراتيجي، فقد أصبح الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي ضرورة ملحة لتعزيز قدرة الباحثين على معالجة كميات هائلة من البيانات، واستنتاج مؤشرات دقيقة حول الاتجاهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى التنبؤ بالأزمات واستشراف التطورات المستقبلية.
ويؤكد الملتقى السنوي الثالث لمراكز الفكر أن دمج الذكاء الاصطناعي في العمل البحثي لا يقتصر على أتمتة العمليات التقليدية؛ بل يشمل تطوير أدوات تحليلية متقدمة تعتمد على الخوارزميات والنماذج التنبؤية، بما يتيح للباحثين إنتاج رؤى موضوعية وعميقة تدعم صانع القرار العربي في اتخاذ قرارات مستنيرة ومبنية على بيانات دقيقة.
وقد شارك مركز “العرب للأبحاث والدراسات” بـ4 أوراق بحثية تناولت مختلف أبعاد توظيف الذكاء الاصطناعي في البحث والتحليل، موضحة التطبيقات العملية والفرص والتحديات.
الورقة الأولى قدمها الدكتور محمد محسن رمضان، وعالج فيها التقنيات الحديثة للذكاء الاصطناعي والتحولات الرقمية المرتبطة بها، مع التركيز على الطفرة التقنية الهائلة التي يشهدها العالم.
وأبرز الدكتور محمد محسن رمضان قدرة الذكاء الاصطناعي على تحليل كميات ضخمة من البيانات بسرعة ودقة، وتقديم نماذج تنبؤية قادرة على توقع تحولات اقتصادية وسياسية قبل وقوعها، لكنه شدد في الوقت ذاته على المخاطر المرتبطة بالاعتماد المفرط على هذه التقنيات؛ مثل التحيزات البرمجية، وفقدان العنصر البشري في صنع القرار، مؤكدًا ضرورة تطوير أطر أخلاقية وتنظيمية تضمن الاستخدام المستدام لهذه الأدوات.
الورقة الثانية قدمها الباحث عبدالغني دياب، رئيس تحرير المركز، وركزت على استخدام الذكاء الاصطناعي في استشراف الأزمات وتعزيز الاستجابة السريعة في العالم العربي.
وأظهرت الورقة كيف يمكن للتقنيات الذكية تحليل البيانات الإعلامية والاجتماعية والسياسية لرصد علامات مبكرة للأزمات، سواء في المجالات الاقتصادية أو الاجتماعية أو الأمنية.

كما تناولت الورقة طرق تحسين منهجيات البحث وإنتاج التقارير عبر دمج التحليل الكمي والنوعي مع أدوات الذكاء الاصطناعي، بما يسمح بمقاربة شاملة للمسائل الحرجة، ويعزز قدرة مراكز الفكر على تقديم توصيات دقيقة ومستنيرة لصانع القرار العربي.
بينما ركزت الورقة الثالثة، التي قدمها الباحث محمد ربيع الشرقاوي، مدير وحدة دراسات مكافحة التطرف والإرهاب، على المخاطر المحتملة للاعتماد على الذكاء الاصطناعي في صناعة الرأي الاستراتيجي.
وأوضح الشرقاوي أن الاعتماد غير المنضبط على البيانات الضخمة والخوارزميات الذكية قد يؤدي إلى تراجع القدرة النقدية للباحث، وتحريف التوصيات البحثية، إضافة إلى زيادة احتمالية انتشار المعلومات غير الدقيقة أو المتحيزة.
ودعا إلى وضع ضوابط واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في البحث، مع تطوير آليات مراجعة علمية لضمان جودة المخرجات، بما يوازن بين السرعة والكفاءة والدقة البحثية.
وناقشت الورقة الرابعة، قدمها الدكتور مصطفى شحاتة، مدير وحدة الدراسات الإعلامية وصناعة الرأي، تأثير أدوات الذكاء الاصطناعي في صناعة الرأي العام، وبينت كيف يمكن لهذه الأدوات تحليل سلوك الجمهور واتجاهات الرأي العام بسرعة فائقة، مما يمكّن مراكز الفكر من تقديم توصيات أكثر دقة لتوجيه السياسات العامة، ورصد تأثير المبادرات الإعلامية والسياساتية على المجتمعات العربية.
وأبرز شحاتة أهمية دمج الذكاء الاصطناعي في إطار أخلاقي ومنهجي يضمن استخدامه كأداة مساندة تعزز القدرات البشرية، بدلًا من أن تحل محل العقل البشري أو تقلل من دوره التحليلي.

وأكدت مشاركات مركز “العرب” أن الذكاء الاصطناعي أصبح حجر الزاوية في تطوير عمل مراكز الفكر العربية، فهو ليس مجرد أداة تقنية؛ بل يمثل عنصرًا أساسيًا لإعادة هيكلة منظومة البحث والتحليل في المنطقة، فالاعتماد على هذه التقنيات يوسع آفاق الباحثين، ويتيح لهم التعامل مع البيانات الكبيرة والمعقدة بكفاءة أعلى، ويجعل من مراكز الفكر كيانات قادرة على مواكبة التحولات الرقمية العالمية.
كما يظهر جليًا أن نجاح توظيف الذكاء الاصطناعي يرتبط بقدرة المراكز على دمج الابتكار التقني مع المنهجية العلمية، والأطر الأخلاقية، بحيث يصبح الذكاء الاصطناعي أداة تمكينية، تدعم التفكير الاستراتيجي، وتحقق توازنًا بين سرعة التحليل ودقة المخرجات العلمية.
لذا، فإن الذكاء الاصطناعي في البحث والتحليل يشكل عنصرًا محوريًا لتحويل مراكز الفكر العربية من مؤسسات بحثية تقليدية إلى أدوات معرفية واستراتيجية فاعلة، قادرة على إنتاج رؤى دقيقة، وتحليل الاتجاهات المستقبلية، ومواجهة التحديات الاستراتيجية، مع الحفاظ على المعايير الأخلاقية والعلمية، بما يعزز دورها كمصدر موثوق لدعم صانع القرار العربي في صياغة السياسات المستقبلية وتنمية المجتمعات العربية.
التحديات والمخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في البحث والتحليل
مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في مراكز الفكر العربية، برزت مجموعة من التحديات والمخاطر التي تتطلب دراسة معمقة ووضع أطر تنظيمية واضحة لضمان الاستخدام المسؤول لهذه التقنيات.
فبينما يقدم الذكاء الاصطناعي فرصًا غير مسبوقة لتحليل البيانات بسرعة ودقة، واستشراف الاتجاهات المستقبلية، فإن هناك تهديدات متعددة تتعلق بالجانب الأخلاقي، والحوكمة، وجودة البيانات، وموثوقية الخوارزميات، وخصوصية الأفراد.
وقد كان هذا محورًا رئيسيًا للنقاش خلال الملتقى السنوي الثالث لمراكز الفكر في الدول العربية، حيث ركز الباحثون والمشاركون على إيجاد آليات عملية لمواجهة هذه المخاطر، وضمان استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة داعمة للبحث وصنع القرار وليس كبديل للعقل البشري.
أول هذه التحديات يتمثل في الأخلاقيات البحثية، إذ أشار العديد من المتحدثين إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي يتطلب التزامًا صارمًا بالمعايير الأخلاقية، خصوصًا عند تحليل البيانات الحساسة المتعلقة بالمجتمعات العربية، فقد يؤدي سوء استخدام البيانات أو تحريف الخوارزميات إلى نتائج منحازة أو مضللة، مما قد يؤثر على مصداقية المراكز لدى صناع القرار والجمهور، ومن هنا، أصبح تطوير أطر أخلاقية واضحة للذكاء الاصطناعي ضرورة لا غنى عنها، لضمان أن تظل النتائج البحثية موضوعية وموثوقة.
ثانيًا، مسألة حوكمة البيانات وجودتها تمثل تحديًا آخر، إذ تعتمد نتائج التحليل بشكل كبير على دقة وصحة البيانات المستخدمة، فأي خلل في جمع البيانات أو عدم تمثيلها لجميع الفئات الاجتماعية والسياسية قد يؤدي إلى استنتاجات غير دقيقة.
وقد شدد المشاركون على أهمية وضع آليات لتدقيق البيانات ومراجعتها بشكل دوري، بما يضمن تكاملها ودقتها، ويعزز من مصداقية التحليلات الناتجة عن الذكاء الاصطناعي.
ثالثًا، موثوقية الخوارزميات تعد من أهم القضايا التقنية، إذ إن الخوارزميات ليست محايدة دائمًا، وقد تحمل تحيزات ضمنية تعكس بيانات التدريب أو افتراضات المصممين، وقد ناقش الباحثون في الملتقى الحاجة إلى تطوير خوارزميات شفافة وقابلة للتفسير، بحيث يمكن للباحثين فهم كيفية استنتاج النتائج وضمان عدم تحريف المعلومات. كما أكدوا ضرورة الجمع بين الذكاء الاصطناعي والتحليل البشري لضمان دقة التوصيات وعدم الانغماس في الاعتماد المفرط على الأدوات التقنية وحدها.
رابعًا، خصوصية الأفراد وحماية البيانات الشخصية شكلت محورًا آخر للنقاش، فقد أشار السفير أحمد رشيد خطابي والأوراق البحثية لمركز “العرب”، إلى أن معالجة البيانات الكبيرة تتضمن أحيانًا معلومات حساسة، ما يستدعي وضع ضوابط صارمة لحماية هذه المعلومات وضمان الامتثال للقوانين والمعايير الدولية المتعلقة بالخصوصية، وهذا يضمن أن تظل مراكز الفكر مؤسسات مسؤولة وموثوقة أمام المجتمعات التي تخدمها.
خامسًا، أشار الباحثون إلى تحديات التكيف المؤسسي والمهاري، إذ إن دمج الذكاء الاصطناعي يتطلب تطوير مهارات الباحثين ورفع كفاءتهم التقنية، بما يمكنهم من استخدام الأدوات بفاعلية، وتحليل النتائج بشكل نقدي، ودمجها ضمن منهجيات البحث العلمي التقليدية، وهذا يستدعي برامج تدريبية متخصصة وتطوير بنيات تحتية رقمية متقدمة داخل المراكز العربية، لتصبح هذه المراكز قادرة على التعامل مع تعقيدات العصر الرقمي بكفاءة.
تحليليًا، يمكن القول إن هذه التحديات والمخاطر تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة مراكز الفكر العربية على الموازنة بين الابتكار والمسؤولية، فنجاح استخدام الذكاء الاصطناعي لا يتحقق بمجرد تطبيقه، بل يتطلب إطارًا مؤسسيًا وأخلاقيًا يضمن الاستدامة، ويحول المراكز من مؤسسات بحثية تقليدية إلى أدوات معرفية واستراتيجية قادرة على دعم صانع القرار العربي.
كما يوضح الملتقى أن معالجة هذه التحديات تتطلب رؤية عربية مشتركة لتوظيف الذكاء الاصطناعي، تشمل وضع ضوابط معيارية، وتطوير قدرات بشرية متقدمة، وتعزيز التعاون بين مراكز الفكر لتبادل الخبرات وتوحيد المنهجيات.
في هذا الإطار، تمثل التحديات والمخاطر فرصة لتطوير منظومة بحثية عربية متقدمة، ومسؤولة، وموثوقة، تعكس قدرة المنطقة على مواكبة التحولات الرقمية العالمية. فالذكاء الاصطناعي، عند استخدامه بحكمة، يمكن أن يكون أداة فعالة في تحسين جودة البحث وصنع القرار، وتعزيز الشفافية والمصداقية في التوصيات، مما يعزز دور مراكز الفكر كمصادر علمية استراتيجية تسهم في التنمية المستدامة واستشراف المستقبل العربي.
إصدارات مراكز الفكر تدعم المعرفة العربية
يعدّ معرض إصدارات مراكز الفكر المصاحب للملتقى السنوي الثالث لمراكز الفكر في الدول العربية منصة معرفية حيوية، تجسد التفاعل بين البحث العلمي والفكر العربي المعاصر، وتبرز الدور الاستراتيجي للمؤسسات البحثية في نشر المعرفة وتعزيز الحوار الفكري العربي.
وقد أتاح المعرض للمشاركين فرصة الاطلاع على الإنتاج الفكري المتنوع لمراكز الفكر، بما يشمل الكتب والدوريات البحثية والمجلات العلمية، مما يسهم في توسيع نطاق الاطلاع على الخبرات البحثية المتميزة، ويعزز التواصل بين الباحثين وصناع القرار والجمهور.
ومن أبرز المشاركات في المعرض كانت إصدارات مركز “العرب للأبحاث والدراسات”، حيث قدم المركز أكثر من 20 مؤلفًا من أبرز أعمال المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي، بما في ذلك سلسلة «ومضات على الطريق» و«سلسلة القيادة التاريخية» وكتاب «الطلاق يهدد أمن المجتمع»، إضافة إلى إصدارات حول الفكر السياسي والاجتماعي، مثل «الدولة الاجتماعية الحديثة – الإمارات نموذجًا»، و«العبقرية الفكرية للشيخ زايد». كما ضمت المشاركات النسخ العربية والدولية لمجلات المركز، مثل مجلة “العرب للأبحاث والدراسات” و”رؤى”، بنسخ متعددة اللغات، بما يعكس توجه المركز نحو جعل المعرفة العربية متاحة على نطاق واسع ومتاح لمختلف القارئين والباحثين.
وقد شكل المعرض فرصة لمناقشة أهمية النشر الفكري في تعزيز قدرات البحث العربي، إذ يتيح للباحثين التعرف على تجارب الآخرين، واستلهام الأفكار والأساليب البحثية، كما يتيح لصناع القرار التعرف على نتائج الدراسات والأبحاث الميدانية والاستراتيجية، ما يعزز من قدرتهم على اتخاذ قرارات قائمة على المعرفة العلمية والتحليل الدقيق. وعليه، فإن المعرض لا يمثل مجرد عرض للكتب والمطبوعات؛ بل هو أداة فكرية عملية لتبادل الخبرات وتعزيز ثقافة البحث والتحليل في المنطقة العربية.
ويمكن النظر إلى المعرض باعتباره حلقة وصل بين الإنتاج الفكري والممارسات البحثية الحديثة، فهو يعكس كيفية توظيف مراكز الفكر للمعرفة المكتوبة والنشر البحثي لدعم عملية اتخاذ القرار، خصوصًا في ضوء التحولات الرقمية والتحديات المعقدة التي تواجه العالم العربي.
كما يوضح المعرض أن الاستثمار في إنتاج ونشر المعرفة، يمثل جزءًا لا يتجزأ من استراتيجية تطوير مراكز الفكر، بما يعزز دورها كمؤسسات رائدة في تقديم رؤى موضوعية وتحليلات دقيقة، ويدعم جهود بناء شبكة عربية متكاملة لمراكز الفكر.
ومن الزوايا المهمة التي أظهرها المعرض، القدرة على التفاعل مع القضايا العربية المعاصرة؛ مثل التطورات السياسية، والتحولات الاجتماعية، ومواجهة التطرف، وتعزيز التنمية المستدامة، فقد ساعدت الإصدارات المشاركة في خلق أرضية معرفية مشتركة، تسمح للباحثين بالاطلاع على الدراسات والتحليلات التي تعكس خبرات وتجارب مختلفة داخل الدول العربية، مما يعزز التفاهم المشترك ويشجع على التعاون البحثي المستدام.
كما يبرز المعرض دور المراكز في ترسيخ ثقافة البحث الأكاديمي الموثوق، إذ يتيح عرض الإصدارات ضمن منصة الجامعة العربية إمكانية الوصول إلى جمهور واسع من الأكاديميين والباحثين وصناع القرار، مما يرفع من قيمة البحث العربي ويعزز من مصداقيته. ويدل اهتمام المشاركين بالمعرض، والإقبال على الإصدارات، على تقدير المجتمع البحثي والفكري لأهمية هذه المطبوعات في تطوير الفكر العربي واستنهاض ثقافة المعرفة المستندة إلى الأدلة والتحليل العلمي.
ويمثل معرض إصدارات مراكز الفكر جزءًا أساسيًا من منظومة عمل الملتقى السنوي، فهو ليس مجرد مساحة عرض، بل أداة استراتيجية لدعم المعرفة، وتعزيز تبادل الخبرات، وتوسيع نطاق وصول الأفكار البحثية إلى صناع القرار والجمهور، بما يعكس التزام مراكز الفكر العربية بدورها المحوري في بناء مجتمع عربي معرفي مستنير، قادر على التعامل مع تحديات المستقبل والتحولات الرقمية، وتعزيز صناعة القرار الرشيد المستند إلى العلم والخبرة.
توصيات على قدر الواقع
اختتمت أعمال الملتقى السنوي الثالث لمراكز الفكر في الدول العربية تحت شعار “دور مراكز الفكر في توظيف الذكاء الاصطناعي لتعزيز صنع القرار المستنير” والمنعقد يومي 23-24 نوفمبر 2025 في مقر الأمانة العامة بالقاهرة، والذي نظمته إدارة البحوث والدراسات الاستراتيجية بجامعة الدول العربية، وجاء موضوع الملتقى هذا العام ليؤكد أهمية إدماج أدوات وتقنيات الذكاء الاصطناعي في منظومة عمل مراكز الفكر العربية، من أجل تطوير قدراتها البحثية والتحليلية وتقديم رؤى دقيقة وموضوعية لصانع القرار، في ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة التي يشهدها العالم.
ويأتي عقد هذا الملتقى استمرارًا للمبادرة العربية الرامية إلى تعزيز التعاون بين مراكز الفكر في الدول العربية ضمن إطار “الشبكة العربية لمراكز الفكر”، التي أُطلقت في عام 2023. ويمثل الملتقى منصة فكرية عربية رائدة لتبادل الرؤى والخبرات بين الباحثين وصناع القرار والخبراء في مجال الذكاء الاصطناعي، ويتيح فرصة فريدة لبحث كيفية توظيف التقنيات الحديثة لتعزيز الشفافية والمصداقية والابتكار في صناعة القرار العربي.
ويهدف الملتقى إلى تعزيز الحوار الفكري العربي المشترك حول قضايا التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، وإبراز الدور المحوري الذي يمكن أن تؤديه مراكز الفكر في دعم صانع القرار العربي عبر التحليل المستند إلى البيانات، والتفكير الاستراتيجي، والاستشراف العلمي للمستقبل، وبناء رؤية عربية مشتركة حول الاستخدام الآمن والمستدام لتقنيات الذكاء الاصطناعي في المجال الفكري والبحثي، وتحويل مراكز الفكر إلى مراكز ذكاء بحثي رقمي قادرة على التعامل مع تحديات المستقبل، والمساهمة بفاعلية في صياغة السياسات العامة المستنيرة.
وسعيًا لتحقيق الأهداف المبتغاة من انعقاد الملتقى السنوي، يناقش الملتقى المحاور الآتية؛ المحور الأول: تعزيز الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في البحث والتحليل: الأدوات والتقنيات والفرص. المحور الثاني: أدوات وأساليب التحليل الاستراتيجي في مجالات البحث والتحليل. المحور الثالث: التحديات والمخاطر المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي في البحث والتحليل. المحور الرابع: عرض التجارب الناجحة لمراكز الفكر في تحليل البيانات باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، ونماذج تنبؤية وتحليل السيناريوهات. المحور الخامس: إقامة معرض لإصدارات مراكز الفكر في الدول العربية طوال مدة الملتقى.
وقد أوصى المشاركون بالعديد من التوصيات؛ ومن أهمها: ضرورة تطوير أداء مراكز الفكر في الدول العربية في ظل الثورة الرقمية، وصياغة رؤية عربية لتعزيز التعاون البحثي فيما بين الأمانة العامة لجامعة الدول العربية ومراكز الفكر في الدول العربية في مجال الذكاء الاصطناعي والتحليل الاستراتيجي، ودعم جهود الأمانة العامة لجامعة الدول العربية في تفعيل بناء شبكة عربية متكاملة لمراكز الفكر في الدول العربية.
وفي ختام أعمال هذا الملتقى السنوي، أعرب التميمي عن خالص تقدير الأمانة العامة لجامعة الدول العربية لجميع السيدات والسادة رؤساء وممثلي مراكز الفكر في الدول العربية والبالغ عددهم 36 مركزًا، على ما قدموه من جهد في أعمال هذا الملتقى السنوي، آملًا في التواصل في أعمال مشتركة مستقبلًا خدمة للعمل البحثي العربي المشترك.



