الرئيسيةتقدير موقف

قواعد اشتباك جديدة في اليمن: هل تقترب الشرعية من كسر معادلة الحوثي؟

رضا عبدالعزيز – وحدة الدراسات السياسية

لم تعد المواجهة في اليمن تتحرك وفق المعادلة التي فرضتها سنوات التهدئة. فالتصعيد الحوثي الأخير، المتزامن مع الحرب الأمريكية الإيرانية واتساع تهديدات الملاحة في البحر الأحمر، كشف عن تحول في طريقة إدارة القوات الحكومية للمعركة: ردود أكثر مباشرة، استخدام متزايد للطائرات المسيّرة، ومحاولة لبناء قدرة تسمح بالانتقال من امتصاص الهجمات إلى المبادرة والردع. وفي المقابل، يحاول الحوثيون تحويل ارتباطهم بإيران إلى ورقة قوة إقليمية، بما يجعل مستقبل الحرب مرتبطًا بما يجري داخل اليمن وبمصير المواجهة بين طهران وخصومها.

مبادرة تتجاوز الدفاع
خلال الأسابيع الأخيرة، لم يعد استخدام القوات الحكومية للطائرات المسيّرة محصورًا في الاستطلاع والرصد، بل دخل مجال الضربات المباشرة على تجمعات ومواقع وخطوط إمداد حوثية. وتشير تقارير عسكرية إلى تنفيذ الحوثيين قرابة 80 هجومًا بالصواريخ والمسيّرات خلال الستة أسابيع الأخيرة، مقابل أكثر من 500 عملية قتالية ودفاعية وهجومية نفذتها القوات الحكومية وتشكيلات المقاومة في عدة محاور.
والمغزى ليس في فارق الأرقام، بل في تغيّر وظيفة القوة؛ فالمسيّرات باتت تتيح مراقبة الجبهات وضرب أهداف محددة وإرباك التعزيزات من دون الزج بقوات برية في عمليات واسعة، ضمن مسعى أوسع لإعادة بناء أدوات الحرب لا استبدال القوات البرية بها.
وتنسجم هذه الخطوة مع مسار لإعادة تنظيم القوات تحت مظلة وزارة الدفاع، يضم القوات النظامية وقوات الساحل الغربي و«درع الوطن» و«قوات الطوارئ» وألوية العمالقة وتشكيلات أخرى، اقتربت خلال الفترة الأخيرة من العمل ضمن بنية عسكرية أكثر ترابطًا وإن ظل توحيد القرار تحديًا قائمًا. والمعنى الأهم لهذا التحول أن الشرعية لم تعد تنتظر الضربة الحوثية لترد عليها؛ فامتلاك قدرة هجومية دقيقة، ولو محدودة، يفرض كلفة على الجماعة ويجبرها على إعادة توزيع قواتها وإخفاء مخازنها ومراكز قيادتها، بدل ترك المبادرة كاملة في يدها.

قواعد اشتباك في اليمن
المخا.. اختبار الردع
أصبح الساحل الغربي أكثر حساسية في الحسابات العسكرية؛ فالهجوم الحوثي على ميناء المخا لم يضرب منشأة اقتصادية فحسب، بل أصاب نقطة ترتبط بالإمداد والتجارة والوجود العسكري للشرعية. وتكشف هذه الضربات أن الجماعة تحاول نقل الضغط من الجبهات إلى الاقتصاد والموانئ، لإجبار خصومها على توزيع قدراتهم بين حماية المدن والمنشآت وتأمين خطوط المواجهة.
وتزداد خطورة الساحل مع عودة التهديد المباشر للملاحة؛ فقد صعّد الحوثيون هجماتهم على سفن مرتبطة بالسعودية، وأعلنوا حصارًا بحريًا عليها، في وقت أصبحت فيه طرق البحر الأحمر أكثر أهمية بسبب اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز. وتشير تقارير إلى أن الجماعة تربط تصعيدها البحري بالحرب مع إيران، وتتعامل مع باب المندب باعتباره ورقة ضغط موازية لهرمز.
ومن هنا، فإن الرد الحكومي على استهداف المخا والممرات البحرية لا يتعلق بحماية مواقع بعينها، بل بمنع الحوثيين من تثبيت معادلة جديدة قوامها ضرب الاقتصاد والموانئ والملاحة، بينما تظل القوات الحكومية مقيدة بقواعد اشتباك لا تستثمر تفوقها النسبي في بعض الجبهات.

القوة تحتاج إلى قيادة
لكن امتلاك المسيّرات لا يحسم حربًا، كما أن كثرة التشكيلات لا تتحول تلقائيًا إلى قوة موحدة. العقدة الأهم هي القيادة والسيطرة: من يقرر، ومن يوزع القوات، ومن يحدد أولوية الجبهات، وكيف تنتقل المعلومات والأوامر بين القوات البرية والبحرية والجوية؟ ولهذا فإن خطوات توحيد القوات تحت وزارة الدفاع، وتطوير الاتصالات والاستخبارات، وتأمين الإمداد والتمويل، تبدو أهم من أي سلاح منفرد؛ فقد قُطعت خطوات مهمة في هذا الاتجاه خلال العامين الأخيرين، لكن الدمج لم يكتمل بعد، وهو ما يفسر لماذا تبقى فاعلية المسيّرات ذاتها مرهونة بوجود قرار موحد يوجهها بدل أن تُستخدم بمبادرات متفرقة من كل محور على حدة.
والمعركة الحاسمة، إذا اندلعت، لن تكون مجرد هجوم بري واسع، بل عملية تجمع المسيّرات وتأمين الساحل وضرب مراكز القيادة والإمداد وتحريك الاحتياط بين المحاور ضمن خطة واحدة، مرتبطة بهدف سياسي واضح هو استعادة مؤسسات الدولة. وهنا تكمن قيمة التحول الجاري: الشرعية لا تحتاج فقط إلى مزيد من القوة، بل إلى تحويل القوة الموجودة إلى منظومة تعمل بقرار واحد؛ فإذا بقيت الجبهات مرتبطة بحسابات منفصلة، سيظل التفوق العددي أو التقني محدود الأثر مهما تطورت الأسلحة المستخدمة.

سر بقاء الحوثيين
استمرار الحوثيين لا يفسره الدعم الإيراني وحده؛ فقد راكمت الجماعة خلال سنوات الحرب خبرة قتالية وشبكات اقتصادية وأمنية، وسيطرت على مؤسسات وموارد في مناطق واسعة، واستفادت من تشتت خصومها، كما منحها موقعها الجغرافي قدرة على تهديد طرق الملاحة بصواريخ ومسيّرات تتجاوز حدود الجبهة اليمنية. لكن العامل الذي اكتسب وزنًا أكبر في المرحلة الراهنة هو الارتباط العضوي بالصراع الإيراني: فالحوثيون ليسوا مجرد جماعة يمنية تخوض نزاعًا على السلطة، بل قوة ترتبط سياسيًا وعسكريًا بطهران، وتستفيد من دعمها وخبرتها وتقنياتها، وتتحرك في لحظات التصعيد
الإقليمي بما يخدم حسابات أوسع من اليمن. وقد اتضح هذا الارتباط أكثر منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية، إذ تشير تقارير إلى أن إيران طلبت من الحوثيين الاستعداد لإغلاق البحر الأحمر أمام صادرات الطاقة إذا تعرضت بنيتها التحتية لضربات أمريكية واسعة، في مؤشر على أن باب المندب أصبح جزءًا من الحسابات الإيرانية في إدارة الحرب.
وهنا تتغير قراءة مستقبل الجماعة: فإضعاف إيران عسكريًا واقتصاديًا سيحرم الحوثيين من جزء مهم من قدرتهم على الحصول على السلاح والتمويل والخبرة والدعم السياسي، وقد يفتح الطريق أمام تحجيمهم عسكريًا وسياسيًا. لكن سقوط النظام الإيراني، حتى لو حدث، لن يعني سقوط الحوثيين تلقائيًا؛ فقد بنت الجماعة خلال أكثر من عقد بنية عسكرية وأمنية واقتصادية داخلية، وأقامت شبكات سيطرة واسعة في مناطق نفوذها؛ فتراجع إيران يضرب قدرتها على الاستمرار والتوسع، لكنه لن يلغي الحاجة إلى مواجهة البنية التي أقامتها الجماعة داخل اليمن.

قواعد اشتباك في اليمن
الحديدة.. حدود القوة العسكرية
تظل تجربة الحديدة أكثر محطات الحرب اليمنية دلالة على تأثير العامل الدولي في مسار العمليات. ففي 2018 وصلت المعارك إلى مرحلة هددت سيطرة الحوثيين على المدينة ومينائها، قبل أن تقود الضغوط الدولية والأممية إلى اتفاق ستوكهولم، الذي نص على وقف إطلاق النار وإعادة انتشار القوات، وأنشأ مجلس الأمن آلية أممية لمراقبة تنفيذه. ولم يكن ذلك تفصيلًا دبلوماسيًا هامشيًا؛ فالحديدة منفذ حيوي للمساعدات والتجارة، وأي معركة حولها تتصل مباشرة بأمن الملاحة والوضع الإنساني.
وتكشف التجربة أن تحقيق تقدم ميداني لا يعني بالضرورة القدرة على تحويله إلى حسم كامل؛ فكلما اقتربت المعارك من الموانئ والممرات البحرية، ازدادت الضغوط الدولية، وأصبح القرار العسكري مرتبطًا بحسابات
المساعدات والتجارة وأمن الملاحة إلى جانب الاعتبارات اليمنية المباشرة. وهذا لا يعني أن العامل الدولي سيمنع بالضرورة أي عملية مقبلة على الساحل الغربي، لكنه يعني أن الشرعية ستحتاج إلى إدارة سياسية موازية للعمل العسكري، حتى لا يتحول التقدم الميداني إلى أزمة دولية تُفقده زخمه.

الحرب الإيرانية تعيد ترتيب المشهد
أضافت الحرب الأمريكية الإيرانية عاملًا جديدًا إلى الحسابات اليمنية؛ فطهران تخوض مواجهة مكلفة، وقد زاد اضطراب الملاحة في هرمز القيمة الاستراتيجية لباب المندب، إذ كلما تعقدت حركة الطاقة والتجارة في الخليج، ازدادت أهمية الطريق البديل عبر البحر الأحمر، وارتفعت معها قيمة الورقة التي يمتلكها الحوثيون على الساحل، بينما تنظر واشنطن وحلفاؤها إلى الممر باعتباره جزءًا من أمن الملاحة والطاقة.
لكن هذه الورقة قد تتحول أيضًا إلى عبء عليهم؛ فكلما توسعت تهديداتهم للملاحة والمنشآت، أصبح من الصعب على القوى الدولية والإقليمية التعامل معهم باعتبارهم طرفًا يمنيًا في نزاع داخلي فقط، وهذا قد يدفع نحو تشديد الضغط عليهم، خصوصًا إذا استمر استخدام باب المندب أداةً في الصراع الإيراني.

من الردع إلى الحسم
المعركة المقبلة لن تُحسم بالسلاح الأكثر تطورًا وحده، وإنما بالقدرة على تحويل السلاح إلى قرار موحد، والقرار إلى عمليات متزامنة، والعمليات إلى ضغط سياسي يفرض واقعًا جديدًا. وإذا نجحت الشرعية في استكمال خطوات توحيد قواتها ورفع جاهزيتها، فإن قواعد الاشتباك التي بدأت تتغير يمكن أن تتطور بصورة أكبر، لا بمجرد زيادة عدد الضربات، بل بتحويل المبادرة من رد فعل مؤقت إلى استراتيجية مستمرة تفرض على الحوثيين الدفاع عن مواقعهم بدل اختيار توقيت الهجوم ومكانه.
وتراجع إيران عسكريًا واقتصاديًا، إن حدث، سيضعف قدرة الحوثيين على التمويل والتسليح والمناورة، وسيضعف أحد أهم مصادر قوتهم الخارجية؛ لكن هذا الضعف لن يتحول إلى مكسب سياسي وعسكري تلقائيًا. فالحسم مرهون بقدرة الشرعية على تحويل تفوقها المتدرج على الأرض إلى قوة موحدة القرار ومبادرة عسكرية وسياسية متزامنة؛ وإن لم يتحقق ذلك، ستبقى المسيّرات والضربات الدقيقة أدوات ردع وضغط، لا مفتاحًا للمعركة النهائية.

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى