فلسطين في أسبوع.. صراع مفتوح بين استمرار الحرب وتعثر التسوية وإعادة تشكيل المشهد السياسي

تبدو القضية الفلسطينية اليوم كأنها دخلت مرحلة طويلة من “إعادة التشكل القسري”، حيث لم تعد الحرب في قطاع غزة حدثًا منفصلًا يمكن قراءته بمعزل عن باقي الجغرافيا الفلسطينية؛ بل أصبحت جزءًا من بنية صراع ممتدة تمتد من غزة إلى القدس، ومن الضفة الغربية إلى مسار التفاوض الدولي، في ظل حالة واضحة من تعثر الحلول السياسية وتآكل قدرة الأطراف على فرض تسوية شاملة. ما يجري لا يمكن وصفه بأنه مجرد جولة جديدة من التصعيد؛ بل هو تحول عميق في طبيعة الصراع نفسه، حيث تتداخل فيه الأدوات العسكرية مع الحسابات السياسية، ويختلط فيه البعد الإنساني بالاعتبارات الاستراتيجية، بينما تتراجع فيه فرص الحسم لصالح إدارة أزمة طويلة الأمد.

غزة.. من الحرب المفتوحة إلى هدنة هشة
في قطاع غزة، ما زالت تداعيات الحرب الممتدة منذ أكتوبر 2023، ترسم المشهد العام، حيث تجاوز عدد الضحايا عتبة 72 ألف شهيد وأكثر من 172 ألف مصاب، في حصيلة تعكس ليس فقط حجم العنف العسكري؛ بل أيضًا عمق الانهيار الذي أصاب البنية الاجتماعية والاقتصادية للقطاع. ورغم الإعلان عن وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، فإن الواقع الميداني يشير إلى أن هذا التوقف لم يتحول إلى سلام فعلي؛ بل إلى حالة من الهدوء الهش الذي يتخلله استمرار خروقات متكررة، سواء عبر عمليات قصف محدودة أو توغلات أو اعتقالات، ما أدى إلى سقوط مئات الضحايا بعد دخول الاتفاق حيز التنفيذ. هذا التناقض بين النص السياسي للاتفاق والواقع الميداني على الأرض، يعكس أزمة أعمق تتعلق بغياب آليات تنفيذ فعالة قادرة على تحويل التفاهمات إلى واقع مستقر.
الأزمة في غزة لا تتوقف عند حدود العمليات العسكرية؛ بل تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث يشكل ملف الإعمار أحد أكثر الملفات تعقيدًا. فبينما تتحدث الأطراف الدولية عن خطط لإعادة الإعمار وإعادة تشغيل البنية التحتية، لا تزال القيود المفروضة على إدخال مواد البناء والمعدات الثقيلة والوقود، تعيق أي محاولة جدية لإعادة الحياة إلى طبيعتها. المستشفيات تعمل تحت ضغط شديد، وشبكات المياه والكهرباء في حالة انهيار شبه كامل، فيما يعيش مئات الآلاف في ظروف إنسانية قاسية، ما يجعل القطاع أقرب إلى حالة “الطوارئ الممتدة” منه إلى مرحلة ما بعد الحرب.
هذا الواقع يعمّق الفجوة بين الخطاب السياسي الذي يتحدث عن التهدئة، والواقع الإنساني الذي ما زال يعيش آثار الحرب بكل تفاصيلها.
القدس.. صراع السيادة والهوية
وفي الوقت الذي تتراجع فيه وتيرة الحرب المباشرة في غزة، تتصاعد حدة التوتر في القدس، حيث بات المسجد الأقصى محورًا رئيسيًا في الصراع الرمزي والسياسي. الاقتحامات المتكررة من قبل مسؤولين إسرائيليين ومستوطنين، وما يصاحبها من أداء طقوس دينية داخل باحات المسجد، لم تعد مجرد أحداث عابرة؛ بل أصبحت جزءًا من نمط متكرر يهدف إلى إعادة تعريف الوضع القائم في الحرم القدسي. الفلسطينيون ينظرون إلى هذه التطورات باعتبارها محاولة ممنهجة لتغيير الطابع التاريخي والقانوني للمكان، وفرض وقائع جديدة قد تؤدي إلى تقسيمه زمانيًا ومكانيًا، وهو ما يشكل في جوهره تحولًا خطيرًا في طبيعة الصراع، من صراع على الأرض إلى صراع على الهوية والرمزية الدينية.
اتفاقات معلقة ومفاوضات بلا نهاية واضحة
هذا التصعيد في القدس لا يمكن فصله عما يجري في غزة، فكلاهما يعكس مسارين متوازيين في إدارة الصراع: الأول عسكري مباشر في القطاع، والثاني رمزي وسياسي في المدينة المقدسة. وبين المسارين، تتشكل صورة أكثر تعقيدًا لصراع لم يعد يدار بأدوات تقليدية فقط؛ بل أصبح يتداخل فيه الديني بالسياسي، والميداني بالاستراتيجي، في إطار يعيد إنتاج التوتر بشكل مستمر.
على الصعيد السياسي، لا يزال المسار التفاوضي حول مستقبل غزة بعد الحرب يواجه حالة من التعثر الواضح. فالاتفاقات المعلنة لم تنجح في الانتقال إلى مرحلة سياسية مكتملة، حيث ما زالت “المرحلة الثانية” من التفاهمات عالقة بين شروط متناقضة. حركة “حماس” تؤكد في خطابها السياسي، أنها منفتحة على استكمال التفاهمات عبر الوسطاء، لكنها تربط أي تقدم بضرورة التزام إسرائيل الكامل ببنود المرحلة الأولى، وعلى رأسها وقف الخروقات، ورفع الحصار، وتسهيل إدخال المساعدات، والشروع في عملية إعادة الإعمار، إضافة إلى الانسحاب التدريجي من القطاع. في المقابل، ترى الحركة أن أي نقاش حول ترتيبات مستقبلية لا يمكن أن يتم قبل تثبيت هذه الالتزامات على الأرض.
في المقابل، تطرح السلطة الفلسطينية رؤية مختلفة تقوم على ضرورة ربط غزة بالمسار السياسي الشامل، باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية المستقبلية، وتؤكد أن الانسحاب الإسرائيلي الكامل من القطاع يمثل شرطًا أساسيًا لأي عملية سياسية ذات معنى. كما تدعو إلى إعادة توحيد المؤسسات الفلسطينية تحت إطار سياسي واحد، بما يضع حدًا للانقسام القائم منذ سنوات، والذي أصبح أحد أبرز العوامل التي تعيق أي تقدم في المسار التفاوضي.
أما حركة “فتح”، فتركز في خطابها على البعد الدولي للصراع، معتبرة أن استمرار الوضع الحالي في غزة، يعني تكريس الانقسام الجغرافي والسياسي، وتدعو إلى ربط القضية الفلسطينية بالكامل بمسار حل الدولتين، مع تحميل الاحتلال مسؤولية تعطيل هذا المسار. هذا التباين بين القوى الفلسطينية لا يعكس مجرد اختلاف في التكتيك السياسي؛ بل يكشف عن غياب رؤية موحدة لإدارة المرحلة الانتقالية، وهو ما يضعف الموقف الفلسطيني في أي مفاوضات دولية.

أزمة مستمرة بلا حلول مستدامة
في الخلفية الإقليمية والدولية، يبدو أن الملف الفلسطيني يُدار ضمن مقاربة “إدارة الأزمة” أكثر من محاولة حلها. فهناك جهود متعددة لعقد اجتماعات إقليمية ودولية، ومبادرات لتشكيل لجان إدارة مؤقتة في غزة، وخطط لإعادة الإعمار، لكن كل هذه التحركات تصطدم بعقبات أساسية تتعلق بغياب ضمانات التنفيذ، واستمرار الانقسام الفلسطيني، وتعقيد الموقف الإسرائيلي، إضافة إلى ارتباط الملف الفلسطيني بملفات إقليمية أخرى أكثر اتساعًا. ونتيجة لذلك، يتحول المسار الدولي إلى إطار لإدارة التوازنات بدل إنتاج حل نهائي.
واقتصاديًا، تعيش الأراضي الفلسطينية حالة من الضغط المزمن، حيث تعاني غزة من انهيار شبه كامل في بنيتها الإنتاجية، بينما تعتمد الضفة الغربية بشكل كبير على الاقتصاد المرتبط بالعمل داخل إسرائيل والتحويلات الخارجية. هذا الوضع يجعل الاقتصاد الفلسطيني هشًا ومعرضًا للصدمات السياسية والأمنية بشكل دائم، ويحول دون أي إمكانية لبناء نمو مستدام. كما أن استمرار القيود على الحركة والتجارة يعمّق من حالة الركود، ويجعل من الاقتصاد أداة ضغط إضافية في يد الصراع السياسي.
ووسط هذا المشهد المعقد، يبرز الانقسام الفلسطيني كعامل داخلي حاسم في استمرار الأزمة. فغياب التوافق بين القوى الفلسطينية حول شكل الحكم في غزة، ومستقبل العلاقة مع الضفة الغربية، وطبيعة التمثيل السياسي، يجعل من أي تفاوض خارجي عملية ناقصة من الأساس. هذا الانقسام لا يضعف فقط القدرة التفاوضية؛ بل يكرس حالة من التعدد في مراكز القرار، ويجعل من الصعب صياغة موقف فلسطيني موحد تجاه القضايا الجوهرية.

مستقبل مجهول وسيناريوهات مفتوحة
أما المستقبل، فيبدو مفتوحًا على 3 مسارات رئيسية لا يبدو أن أيًا منها محسوم حتى الآن. فإما استمرار حالة الهدنة الهشة التي تبقي الوضع على ما هو عليه دون تسوية حقيقية، أو الانتقال إلى تسوية تدريجية مشروطة تقوم على خطوات بطيئة لإعادة الإعمار وترتيب الوضع السياسي، أو العودة إلى موجة تصعيد جديدة إذا فشلت التفاهمات الحالية. لكن ما يجمع بين هذه السيناريوهات أنها جميعًا تدور داخل إطار أزمة لم تُحل جذورها بعد.
في المحصلة، تبدو القضية الفلسطينية اليوم أمام لحظة تاريخية معلقة، حيث لا الحرب انتهت فعليًا، ولا السلام بدأ بشكل حقيقي، ولا المسار السياسي نجح في إنتاج أفق واضح. وبين غزة التي ما زالت تحمل آثار الدمار، والقدس التي تعيش صراع الهوية، والضفة التي تواجه ضغطًا سياسيًا واقتصاديًا متزايدًا، يتشكل مشهد مركب يعكس أزمة ممتدة أكثر من كونه مرحلة انتقالية. وما لم يتم الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة أسبابها العميقة، سيظل المستقبل الفلسطيني مفتوحًا على احتمالات متعددة، دون ضمان لأي استقرار دائم.



