رأي

صبري الديب يكتب.. مغامرة الرئيس الفاشل

عندما شرع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إعلان الحرب على إيران في فبراير الماضي، وضع ثلاثة أهداف رئيسية معلنة أمام العالم، اشترط ضرورة تحقيقها لإغلاق أبواب الجحيم الأمريكي-الإسرائيلي عن طهران، وفق تعبيره. كان في مقدمتها القضاء بشكل كامل على البرنامج النووي الإيراني، وتسليم كامل مخزون طهران من اليورانيوم المخصب إلى واشنطن طوعًا.

أما ثاني تلك الأهداف التي وضعها ترامب بمنتهى التعالي، فكان تفكيك وتدمير كامل البرنامج الصاروخي الباليستي وغير الباليستي، قصير وطويل المدى، لإيران، في حين كان شرطه الثالث هو وقف كافة أشكال الدعم وتصفية كل فصائل المقاومة المدعومة من إيران، وعلى رأسها حماس في غزة، وحزب الله في لبنان، والحشد الشعبي في العراق، وجماعة الحوثي في اليمن، فضلًا عن مجموعة أهداف ثانوية أخرى، وضعها الرئيس أيضًا، مثل إضعاف أو إسقاط النظام الإيراني إن أمكن، وتدمير قدراته البحرية، ووقف سيطرته على الممرات الملاحية، خاصة مضيق هرمز.

ورغم مرور أكثر من 200 يوم على بدء الحرب التي أدخلت العالم بأسره في أزمات عسكرية واقتصادية، انعكس تأثيرها بشكل مباشر على كل دول الشرق الأوسط، وأمريكا والصين وكوريا واليابان، لا سيما بعد إقدام إيران على إغلاق مضيق هرمز، وتوقف حركة الملاحة البحرية، وارتفاع أسعار النفط والغذاء في كافة الأسواق العالمية، إلا أن الواقع على الأرض يؤكد أن ترامب فشل حتى الآن بامتياز في تحقيق أي من أهداف الحرب، وما زال البرنامج النووي والصاروخي لإيران يثيران ذعر أمريكا وإسرائيل، وكافة الفصائل التي تدعمها طهران في غزة ولبنان والعراق واليمن تعمل، رغم الإنفاق أو الاختلاف معها.

بل والأكثر من هذا، أن الرئيس الأمريكي تسبب بجهل في تدمير كافة القواعد الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، ووضع الدول والشعوب الحليفة لواشنطن في مواجهة مباشرة مع وابل القصف الإيراني، بعد أن فشل في حمايتها، واضطر لإخلاء القواعد وتركها خاوية على عروشها، ونقل الجنود الأمريكيين إلى فنادق بداخل المدن.

للأسف، إن الواقع على الأرض يقول إن المغامرة الفاشلة وغير المحسوبة التي قام بها ترامب، تحقيقًا لرغبة متطرفة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، جعلت العالم يعيش، وما زال، على وقع تقلبات عسكرية واقتصادية غير معهودة، غير أن الكارثة الأكبر تكمن في أنه دخل الحرب وفق أهداف مشروطة ومعلنة، لم يحقق الحد الأدنى منها، وخرج يستجدي طهران فتح مضيق هرمز، بعد أن فقد أغلب المخزون الأمريكي من السلاح، وبات عاجزًا عن اتخاذ قرار بتصعيد وتيرة الحرب، مكتفيًا بتهديدات جوفاء جعلت منه أضحوكة أمام العالم.

المحزن، أن انصياع الرئيس الفاشل للرغبات المتطرفة لرئيس الوزراء الإسرائيلي انتهى به ليس للفشل في تحقيق أهداف الحرب فحسب، بل إلى استجداء نصر زائف، يقتصر على فتح مضيق هرمز، لحفظ ما تبقى من ماء وجهه ووجه الحزب الجمهوري، الذي بات، بفضل الفشل الكاسح للرئيس الأمريكي، مرشحًا لخسارة كل الاستحقاقات الانتخابية القادمة، بما فيها التجديد النصفي للكونجرس، والانتخابات الرئاسية القادمة في 2028.

والأكثر أسفًا، أن الفشل الذريع للرئيس الأمريكي، وانصياعه غير المحسوب لرغبات نتنياهو، قد جعلا لإيران اليد العليا في المفاوضات، لدرجة أنها رفعت سقف مطالبها إلى حد ربط رغبة ترامب بفتح مضيق هرمز برفع كافة العقوبات الأمريكية المفروضة على طهران، والإفراج عن كافة أموالها الإيرانية المجمدة، وفرض رسوم على السفن العابرة لهرمز، وكأن النظام الحاكم في طهران قد عقد العزم على وضع نهاية دراماتيكية لمستقبل الرئيس الفاشل، الذي كان يطمح قبل شهور في الإطاحة بالنظام الإيراني كاملًا.. وكفى.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى