صبري الديب يكتب.. خيبة ترامب

في مثل هذه الأيام تقريبًا من العام الماضي، احتضنت إحدى قاعات مجلس الأمن الدولي، اجتماعًا سريًا مغلقًا، عُقِدَ تلبية لرغبة مُلحة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وضم مسؤولين رفيعي المستوى من أمريكا وإسرائيل وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، لمناقشة خطر البرنامج النووي الإيراني، وكيفية كبح جماح الطموح العسكري للنظام الحاكم في طهران.
الاجتماع السري الذي عُقد داخل المنظمة المعنية بفض النزاعات في العالم، تم بعيدًا عن أعين أجهزة الإعلام عن عمد، ولم يغب عنه التواصل مع قادة الدول الخمس، وخرج في نهايته برسالة تهديد شديدة اللهجة، مصحوبة بثلاثة شروط قاسية للغاية، تخيّر النظام الإيراني صراحة بين الخضوع لرغبة ترامب ونتنياهو، أو مواجهة حرب شعواء، تطال الأخضر واليابس في إيران.
الشروط المتطرفة التي جاءت بمثابة أوامر فوقية لطهران تضمنت، أولًا تفكيك البرنامج النووي بشكل كامل، وتسليم كل ما لديها من يورانيوم مخصب إلى واشنطن، ثانيًا تفكيك البرنامج الصاروخي الإيراني كاملًا، والامتناع عن إنتاج أية صواريخ باليستية أو فرط صوتية أو غيرهما، ثالثًا التوقف بشكل تام عن تقديم الدعم للفصائل المسلحة في الشرق الأوسط.
الغريب في الأمر، أن الدول الخمس اختارت دولة عربية بعينها لتسليم الرسالة إلى طهران، وحملها فعليًا المستشار السياسي لرئيس تلك الدولة، والتقى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي رفض بشكل قاطع الشروط الثلاثة، وحمّل المسؤول العربي ردًا أشد قسوة، مفاده “أن إيران لن يخيفها التهديد” وصعّد الرسالة بعد دقائق إلى المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، الذي استشاط غضبًا، وخرج على الفور مهاجمًا ترامب ومؤكدًا أن طهران على استعداد للمواجهة إن فرضت عليها الحرب.
وبالفعل بدأ العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران بعد ساعات قليلة من تصريحات خامنئي، وخرج ترامب معلنًا أن الحرب لن تتوقف إلا بتحقيق الأهداف ذاتها التي سبق التوافق عليها داخل الاجتماع السري في مجلس الأمن، واشتعلت الحرب، وحدث ما حدث من أزمات وكوارث في المنطقة والعالم، إلى أن ارتضى الجميع بوقف إطلاق النار والجلوس لطاولة المفاوضات، ورغم ذلك يبقى السؤال الأبرز الذي يحتاج إلى إجابة من الرئيس الأمريكي “ماذا حقق من أهداف الحرب؟”.
للأسف، الواقع على الأرض يؤكد أن هناك مجموعة من الحقائق تجيب وبوضوح على ذلك التساؤل، وتعكس الخيبة الثقيلة لترامب، الذي لم يجن من الرضوخ لرغبات ونتنياهو سوى أنه تحول إلى أضحوكة أمام العالم، بعد أن فشل في تحقيق أي من أهداف الحرب، وهبط بسقف طموحاته من الإطاحة بالنظام الإيراني في الأيام الأولى من الصراع، إلى استجداء طهران فتح مضيق هرمز في النهاية الحرب.
أولى تلك الحقائق، أن ترامب فشل في المساس بـ”البرنامج النووي” الايراني، بل وأكد رهان طهران بأنه لن ينجح سوى في تأخير البرنامج، الذي بات بمثابة “عقيدة” شيّد على أساسها الإيرانيون استراتيجية نووية سيتم إنجازها مهما طال الأمد، وأن التهليل لاغتيال 14 عالمًا نوويًا إيرانيًا، لا يعد أكثر من وهم لن يؤثر على برنامج دولة تمتلك نحو 35 ألف عالم نووي وفقًا للأرقام الرسمية.
أما ثاني تلك الحقائق، فإن ترامب فشل أيضًا في المساس بكامل البرنامج الصاروخي الإيراني، الذي لا يزال يعمل وينتج حتى اليوم، بعد أن نجح خلال الحرب في تدمير 26 قاعدة أمريكية وتحويلها إلى خرابات خاوية دون عروش، فضلًا عن تدمير آلاف المباني والمنشآت الحيوية داخل إسرائيل، وإجبار ملايين الصهاينة على ارتداء البامبرز والبقاء في الملاجئ لأسابيع.
وثالث تلك الحقائق، أن ترامب لم يتمكن من تفكيك أو منع طهران من دعم أذرعها المسلحة بالمنطقة، التي لعبت دورًا حيويًا في الهجمات على إسرائيل والقواعد الأمريكية خلال الحرب، ولا يزال حزب الله والحشد الشعبي والحوثيون يربكون الحسابات الأمريكية والإسرائيلية في لبنان والعراق والبحر الأحمر حتى اليوم.
أما رابع تلك الحقائق وأكثرها ألمًا، فهي المكاسب التي انتزعها النظام الإيراني من ترامب جبرًا في بنود الاتفاق المعلن منذ أيام، وعلى رأسها التعويضات، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأرصدة المجمدة، وجميعها حقائق تعكس الخيبة الثقيلة للرئيس الأمريكي.. وكفى.



