رامي زهدي يكتب.. مراكز الدراسات في مصر
بين إنتاج المعرفة وصناعة القرار، قراءة استراتيجية في الإسهامات والتحديات وفرص المستقبل

حين تتراجع قيمة الفكرة، ترتفع كلفة القرار، وحين يغيب البحث العلمي الرصين، تصبح الدولة أكثر اعتمادا على ردود الأفعال من اعتمادها على التخطيط الاستباقي، لذلك لم تعد مراكز الدراسات في العالم مجرد مؤسسات أكاديمية تنتج أوراقا بحثية توضع على الأرفف، بل أصبحت أحد أهم أدوات القوة الناعمة للدول، وأحد أعمدة الأمن القومي المعرفي، ومنصات لتفسير التحولات واستشراف المستقبل وصناعة البدائل قبل صناعة القرارات.
وفي مصر، وبرغم التاريخ الطويل للحياة الأكاديمية والبحثية، وما تمتلكه الدولة من جامعات وخبرات وكفاءات علمية مشهود لها، فإن المشهد الخاص بمراكز الدراسات لا يزال يطرح العديد من الأسئلة الجوهرية حول طبيعة الدور الحقيقي الذي تقوم به هذه المراكز، ومدى تأثيرها في صناعة السياسات العامة، وقدرتها على إنتاج معرفة وطنية مستقلة، وإسهامها في بناء وعي المجتمع وصانع القرار على السواء.
المشكلة الحقيقية ليست في عدد المراكز، وإنما في حجم التأثير، من السهل إنشاء مركز للدراسات، لكن من الصعب بناء مؤسسة معرفية تمتلك المصداقية والاستقلالية والقدرة على التأثير في المجال العام، ولهذا فإن تقييم مراكز الدراسات لا يجب أن يقاس بعدد المؤتمرات أو الندوات أو الإصدارات، وإنما بمدى انعكاس منتجاتها البحثية على السياسات العامة، وقدرتها على تقديم حلول عملية قابلة للتطبيق.
تشير بيانات المعهد العالمي لمراكز الفكر إلى وجود آلاف مراكز الدراسات حول العالم، بينما تستحوذ الولايات المتحدة وحدها على مئات المراكز المؤثرة، تليها دول مثل الصين والهند والمملكة المتحدة وألمانيا، كما أصبحت دول آسيوية وخليجية تستثمر بصورة متزايدة في بناء مؤسسات بحثية ترتبط مباشرة برؤية الدولة وخططها التنموية، إدراكا منها بأن المعرفة أصبحت أحد أهم عناصر القوة في القرن الحادي والعشرين.
أما في مصر، فتتنوع مراكز الدراسات بين مراكز حكومية، وأخرى تابعة للجامعات، ومراكز أهلية وخاصة، بالإضافة إلى مراكز بحثية داخل بعض الأحزاب السياسية والمؤسسات الاقتصادية، وهذا التنوع يمثل في حد ذاته فرصة كبيرة، لكنه في الوقت نفسه يطرح تحديا يتعلق بتداخل الاختصاصات، وتفاوت مستويات الجودة، وغياب منظومة وطنية متكاملة لتنسيق الجهود وتبادل الخبرات.
ولا يمكن إنكار أن عددا من المراكز المصرية قدم خلال العقود الماضية إسهامات علمية معتبرة في مجالات الاقتصاد والسياسة والأمن القومي والعلاقات الدولية والتنمية والإدارة العامة، كما شاركت بعض هذه المراكز في إعداد دراسات استراتيجية وتقارير استشارية استفادت منها مؤسسات الدولة بدرجات متفاوتة، وأسهمت كذلك في إعداد كوادر بحثية وأكاديمية متميزة، ووفرت منصات للحوار العلمي حول العديد من القضايا الوطنية والإقليمية.
لكن في المقابل، لا تزال هناك فجوة واضحة بين البحث وصناعة القرار، فكثير من الدراسات تظل حبيسة الأدراج، بينما تتخذ بعض القرارات بعيدا عن الاستفادة المنظمة من الخبرات البحثية المتاحة، وهذه الفجوة لا يتحمل مسؤوليتها الباحث وحده، كما لا تتحملها الدولة وحدها، وإنما تعكس غياب منظومة مؤسسية تضمن انتقال المعرفة من الباحث إلى صانع القرار بصورة منهجية ومنتظمة.
ومن أبرز التحديات التي تواجه مراكز الدراسات في مصر محدودية التمويل المستدام، فالإنتاج البحثي الجاد يحتاج إلى ميزانيات تتيح تنفيذ الدراسات الميدانية، وإجراء استطلاعات الرأي، وبناء قواعد البيانات، واستقطاب الباحثين المتخصصين، والمشاركة في المؤتمرات الدولية، ونشر الدراسات وفق المعايير العالمية، وفي ظل محدودية الموارد، يصبح كثير من المراكز منشغلا بتوفير احتياجاته التشغيلية أكثر من انشغاله بإنتاج المعرفة.
وتبرز كذلك أزمة البيانات باعتبارها واحدة من أكثر العقبات تأثيرا، فالسياسات الرشيدة تبدأ من بيانات دقيقة وحديثة، بينما يعاني كثير من الباحثين من صعوبة الوصول إلى بعض قواعد البيانات أو الحصول على المعلومات بالسرعة والدقة المطلوبة، وفي عصر الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة، أصبحت جودة البيانات أحد أهم محددات جودة البحث نفسه.
ومن التحديات أيضا محدودية الاستثمار في الباحثين الشباب، فالعديد من المراكز تعتمد على عدد محدود من الخبرات التقليدية، بينما لا توجد برامج مؤسسية كافية لاكتشاف وتأهيل أجيال جديدة من الباحثين القادرين على استخدام أدوات البحث الحديثة، والتحليل الكمي، والنماذج التنبؤية، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، وتحليل المخاطر، والاستشراف الاستراتيجي.
كما يواجه عدد من المراكز تحديا يتعلق بطبيعة المنتج البحثي نفسه، فما يزال جانب من الدراسات يكتب بلغة أكاديمية معقدة لا تصل بسهولة إلى صانع القرار أو الإعلام أو الرأي العام، بينما تتجه المؤسسات البحثية العالمية إلى إنتاج مستويات متعددة من المعرفة، تبدأ من الدراسة الأكاديمية المطولة، ثم الملخص التنفيذي، ثم ورقة السياسات، ثم الرسائل الإعلامية المختصرة، بما يضمن وصول الفكرة إلى مختلف الفئات.
ومن المشكلات التي تستحق التوقف أيضا ضعف التسويق المعرفي، فالمركز البحثي لا ينتج المعرفة فقط، وإنما يدير تأثيرها أيضا، واليوم أصبحت المنافسة عالميا تقوم على قدرة المؤسسة على تحويل البحث إلى محتوى رقمي، ورسوم بيانية، وتقارير تفاعلية، ومنصات رقمية، وبودكاست، ومقاطع مرئية، بما يضاعف من انتشار الأفكار وتأثيرها.
كما أن بعض المراكز تعاني من غياب التخصص الدقيق، فتتناول كل الملفات دون بناء ميزة تنافسية واضحة، بينما تثبت التجارب الدولية أن أكثر المراكز تأثيرا هي تلك التي تركز على مجالات محددة، وتصبح مرجعا وطنيا وإقليميا فيها، سواء في الاقتصاد، أو الطاقة، أو الأمن السيبراني، أو إدارة الأزمات، أو المياه، أو الذكاء الاصطناعي، أو السياسات الاجتماعية.
ولا ينبغي إغفال أن التحولات الدولية المتسارعة تفرض أدوارا جديدة على مراكز الدراسات المصرية، فالعالم يشهد إعادة تشكيل للنظام الدولي، وتصاعدا للتنافس الجيوسياسي، وتسارعا في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتغيرات في الاقتصاد العالمي، وتحولات في أمن الطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد، وكل ذلك يستدعي مراكز قادرة على إنتاج سيناريوهات مستقبلية، وليس فقط توصيف الواقع.
ومن زاوية أخرى، فإن العلاقة بين الأحزاب السياسية ومراكز الدراسات لا تزال دون المستوى المأمول، ففي الديمقراطيات الراسخة تمتلك معظم الأحزاب مراكز فكر متخصصة تنتج البرامج والسياسات وتدرب القيادات وتقيم الأداء وتقترح البدائل. أما في مصر، فما زالت هذه الثقافة محدودة، وهو ما ينعكس على جودة البرامج الحزبية ومستوى النقاش العام.
كما أن القطاع الخاص لا يزال أقل انخراطا مما ينبغي في دعم البحث الاستراتيجي، رغم أن الشركات الكبرى عالميا أصبحت تستثمر في الدراسات المستقبلية وتحليل الأسواق والاقتصاد السياسي وإدارة المخاطر باعتبارها أدوات لحماية استثماراتها وتعزيز تنافسيتها.
وإذا كانت هناك سلبيات ينبغي الاعتراف بها، فإن هناك في المقابل فرصا واعدة تستحق البناء عليها، فمصر تمتلك قاعدة جامعية كبيرة تضم ملايين الطلاب وآلاف أعضاء هيئات التدريس، وتمتلك مؤسسات دولة مستقرة، وخبرات متراكمة، وشبكة علاقات إقليمية ودولية واسعة، بالإضافة إلى التحول الرقمي الذي يفتح آفاقا غير مسبوقة أمام البحث العلمي وتحليل البيانات.
إن المستقبل يتطلب الانتقال من مفهوم مركز الدراسات التقليدي إلى مؤسسة تفكير استراتيجي متكاملة، تعمل على مدار الساعة، وتراقب المؤشرات المحلية والإقليمية والدولية، وتنتج سيناريوهات، وتقيس المخاطر، وتقيم السياسات، وتقترح البدائل، وتدرب الكوادر، وتبني قواعد البيانات، وتتفاعل مع الإعلام والمجتمع، وتؤسس لشراكات مع الجامعات والقطاع الخاص والمؤسسات الدولية.
كما أن بناء شبكة وطنية للتعاون بين مراكز الدراسات المصرية يمكن أن يمثل نقلة نوعية، من خلال تبادل قواعد البيانات، وإجراء بحوث مشتركة، وإصدار تقارير دورية موحدة حول القضايا الاستراتيجية، بما يعظم الاستفادة من الموارد والخبرات، ويحد من التكرار، ويرفع جودة المنتج البحثي.
وأعتقد أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى إعادة تعريف دور مراكز الدراسات باعتبارها شريكا في التنمية الوطنية، وليست مجرد مراقب لها، فالمعرفة أصبحت موردا استراتيجيا لا يقل أهمية عن الموارد الاقتصادية، والدول التي تستثمر في العقول تحقق مكاسب طويلة الأجل تتجاوز كثيرا ما تحققه الأدوات التقليدية.
إن بناء دولة حديثة لا يعتمد فقط على المشروعات الكبرى أو البنية التحتية أو الإصلاحات الاقتصادية، وإنما يعتمد أيضا على وجود عقل مؤسسي قادر على التفكير قبل الفعل، والتخطيط قبل التنفيذ، والاستشراف قبل وقوع الأزمات، وهذا هو الدور الحقيقي الذي يجب أن تضطلع به مراكز الدراسات.
وفي النهاية، فإن السؤال لم يعد: هل نحتاج إلى مراكز دراسات؟ بل أصبح: كيف نجعل هذه المراكز جزءا أصيلا من منظومة صناعة القرار الوطني؟ وكيف ننتقل بها من إنتاج الأوراق إلى إنتاج الأثر، ومن توصيف المشكلات إلى تصميم الحلول، ومن متابعة الأحداث إلى استباقها؟ لأن الدول التي تبني مستقبلها بالمعرفة، لا تفاجئها التحولات، بل تصنعها، ولا تكتفي بإدارة الواقع، بل تعيد تشكيله بما يخدم مصالحها الوطنية ويعزز مكانتها في عالم لم يعد يعترف إلا بمن يمتلك المعرفة، ويجيد توظيفها، ويحسن تحويلها إلى قوة وسياسات ونتائج.



