د.فرج سعد بوخروبة يكتب.. الطريق إلى النهضة يمر عبر العقل

ليست المأساة الحقيقية التي تُصيب الأمم أن تُهزم في معركة، أو أن تمر بأزمة اقتصادية، أو أن تتأخر في ميدان من ميادين الحضارة؛ فكل ذلك مما عرفه التاريخ، وتجاوزته شعوب كثيرة حين امتلكت الشجاعة لتراجع نفسها. أما المأساة التي قلّ أن تُدركها الأمم إلا بعد فوات الأوان، فهي أن يتحول العجز إلى ثقافة، وأن يصبح الجمود فضيلة، وأن يغدو الماضي سلطة أعلى من العقل. عندئذٍ لا يعود الزمن يسير إلى الأمام، وإن تعاقبت السنوات، لأن الزمن الحقيقي ليس ما تقيسه الساعات، وإنما ما يصنعه الوعي.
ليس التاريخ وطناً يُسكن، بل تجربة تُقرأ. وليس التراث ديناً آخر يُعبد، بل جهد إنساني يُفهم ويُوزن ويُقوَّم. وما من حضارة استطاعت أن تستمر لأنها حفظت ماضيها عن ظهر قلب، وإنما لأنها امتلكت الجرأة على أن تُخضع ذلك الماضي لسلطان العقل، فتستبقي منه ما يصلح للحياة، وتترك ما تجاوزه الزمن. أما حين يُرفع التاريخ إلى منزلة العصمة، فإنه يفقد وظيفته التربوية، ويتحول من معلم إلى سجان، ومن مصدر إلهام إلى قيد يُكبّل الإرادة ويصادر حق الإنسان في التفكير.
إن أخطر أشكال الاستبداد ليس استبداد الحاكم، بل استبداد الفكرة حين تُغلق على نفسها أبواب المراجعة. فالحاكم قد يسقط، أما الفكرة الجامدة فإنها تُورَّث جيلاً بعد جيل، حتى تصبح جزءاً من التكوين النفسي للمجتمع، فينشأ الإنسان وهو يظن أن ما ورثه هو الحقيقة الوحيدة الممكنة، وأن كل ما سواها ضلال أو خيانة أو خروج على الجماعة. وهنا يتعطل العقل قبل أن يبدأ عمله، لأن السؤال نفسه يصبح تهمة، والمراجعة تُصوَّر على أنها عدوان على الهوية، بينما الهوية في حقيقتها لا يحميها إلا العقل، ولا يهددها إلا الجمود.
وليس أشد إيلاماً من أمة تستحضر أسماء رجال ماتوا منذ قرون أكثر مما تستحضر أسماء علمائها الأحياء، وتعرف تفاصيل معارك التاريخ أكثر مما تعرف تحديات حاضرها، وتستنزف عاطفتها في الخصومات القديمة بينما تعجز عن بناء مدرسة، أو مختبر، أو مؤسسة تحترم الإنسان. إنها أمة تعيش خارج زمنها، وإن كانت تتحرك في شوارعه. تستهلك الماضي حتى يفقد معناه، وتهمل الحاضر حتى يفقد مستقبله.
لقد خُلق التاريخ ليكون معلماً، لا وصياً. ولتكون وظيفته أن يُنير الطريق، لا أن يمنع السير فيه. فالذين صنعوا الحضارات لم يكونوا أكثر الناس تعلقاً بالماضي، بل أكثرهم قدرة على فهمه وتجاوزه. كانوا يعلمون أن الإنسان لا يُقاس بما يحفظه من أخبار أسلافه، وإنما بما يضيفه إلى رصيد الإنسانية. ولذلك كانت كل نهضة حقيقية إعلاناً لانتصار المعرفة على التقليد، ولانتصار السؤال على اليقين الكسول، ولانتصار البرهان على الرواية.
إن العقل الذي لا يعرف إلا النقل، يفقد مع الزمن ملكة الاكتشاف. والإنسان الذي يتلقى الأفكار كما يتلقى الميراث، لا يشعر بحاجة إلى اختبارها، لأنها جاءت إليه ممهورة بختم الآباء والأجداد. غير أن الحقيقة لا تُورث، وإنما تُكتسب. واليقين الذي لا يمر عبر الامتحان العقلي، ليس يقيناً، بل عادة ذهنية طال عليها الأمد حتى حسبها الناس من البديهيات.
وما أكثر الأمم التي انهارت لا لأنها كانت تفتقر إلى الموارد، بل لأنها افتقرت إلى الشجاعة الفكرية. فالعمران يبدأ من الفكرة قبل أن يبدأ من الحجر، والدولة تُبنى أولاً في العقول قبل أن تُبنى في الأرض، والحرية ليست نصوصاً في الدساتير، وإنما قدرة الإنسان على أن يفكر دون خوف، وأن يسأل دون أن يُدان، وأن يختلف دون أن يُنبذ. فإذا غابت هذه الشروط، تحولت المجتمعات إلى جماعات تحفظ أكثر مما تفهم، وتردد أكثر مما تنتج، وتدافع عن الماضي أكثر مما تصنع المستقبل.
إن من أخطر الأوهام الاعتقاد بأن الزمن وحده يصنع التقدم. فالزمن لا يُغيّر شيئاً إذا بقي العقل ساكناً. كم من أمة مضت عليها القرون وهي تدور في الحلقة نفسها، وكم من أمة أخرى غيرت وجه التاريخ خلال عقود قليلة لأنها غيرت طريقة تفكيرها. فالفرق بينهما لم يكن في عدد السنين، وإنما في نوع الأسئلة التي طرحتها على نفسها، وفي استعدادها لأن تعترف بأن الإنسان قد يخطئ مهما علا شأنه، وأن الأفكار، مهما عظم أصحابها، لا تكتسب قيمتها إلا بقدر ما تصمد أمام النقد.
ومن هنا فإن أخطر ما يمكن أن تفعله أمة بنفسها هو أن تجعل من الرواية بديلاً عن الواقع، ومن الانفعال بديلاً عن التحليل، ومن العصبية بديلاً عن المعرفة. فالعاطفة تصنع الحشود، لكنها لا تبني الحضارات. والهتاف قد يُربح معركة، لكنه لا يؤسس جامعة، ولا يبتكر دواءً، ولا يضع نظرية، ولا يقيم عدلاً. إن الحضارة لا تنمو في ضجيج الشعارات، بل في هدوء المختبرات، وفي نزاهة الجامعات، وفي حرية الفكر، وفي احترام القانون.
ولذلك فإن النهضة ليست مشروعاً سياسياً فحسب، ولا اقتصادياً فحسب، وإنما هي قبل كل شيء ثورة هادئة على الكسل العقلي. ثورة تبدأ حين يتعلم الإنسان أن يسأل قبل أن يصدق، وأن يفهم قبل أن يتحمس، وأن يزن الأفكار بميزان العقل لا بميزان الشيوع. وعندما تصبح المعرفة قيمة اجتماعية، لا ترفاً نخبوياً، يبدأ المجتمع بالخروج من أسر الذاكرة إلى رحابة التاريخ، ومن عبودية التكرار إلى مسؤولية الإبداع.
إن الأمم لا تُبعث من قبورها بالحنين، ولا تُصنع أمجادها بالبكاء على أمجاد مضت، ولا تُستعاد مكانتها بتقديس الأسلاف، بل بتجاوزهم. وليس في ذلك جحود لهم، بل هو أوفى أشكال الوفاء؛ لأن خير ما يقدمه الأبناء لأسلافهم أن يكونوا أكثر علماً منهم، وأوسع أفقاً، وأقدر على فهم عصرهم. أما أن يبقى الأحياء حراساً لأفكار الموتى، يكررونها دون زيادة أو مراجعة، فذلك ليس حفظاً للتراث، بل إعلان بأن التاريخ قد توقف عن إنجاب الرجال، واكتفى بإعادة صدى أصواتهم.
وحين تدرك الأمة أن العقل ليس خصماً للإيمان، ولا عدواً للهوية، ولا ناقضاً للتراث، بل هو الأداة التي بها تُصان هذه كلها من التحول إلى أصنام ذهنية، تكون قد وضعت قدمها الأولى على طريق النهضة. فالحضارات لا تموت حين تخسر معركة، وإنما تموت حين تتوقف عن التفكير. وإذا توقف العقل، فلن يبقَ من التاريخ إلا رماده، ولن يبقَ من المستقبل إلا انتظار طويل لأمة نسيت أن الطريق إلى الغد لا يُعبد بعظام الأسلاف، وإنما تُمهده عقول الأحياء.



