رأي

د. راندة فخر الدين  تكتب.. المرأة المصرية بين التقدّم والتحديات… ماذا تقول حصيلة الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان؟

نائب رئيس مركز العرب للأبحاث والدراسات

قبل أربع سنوات، أطلقت مصر الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان (2021–2026) باعتبارها أول إطار شامل يجمع بين الرؤية الحقوقية والتنموية، ويضع مبادئ المواطنة والعدالة الاجتماعية في صدارة التوجه العام للدولة. هذه الاستراتيجية لم تكن مجرد وثيقة حكومية، بل خريطة طريق واسعة هدفت إلى تحسين جودة حياة المواطن، وتعزيز سيادة القانون، وتطوير البنية التشريعية والمؤسسية التي تدعم حقوق الإنسان في مختلف المجالات.
واليوم، ومع اقتراب نهاية المرحلة الأولى، بدأت ملامح ما تم تحقيقه تتضح، خصوصًا في ملف حقوق المرأة الذي يشكّل أحد أكثر محاور الاستراتيجية تعقيدًا وتأثيرًا. وفي جلسة نقاشية نفذها منتدى القيادات النسائية بمجلس الشباب المصري ضمّت خبراء ونوابًا وعددًا من ممثلي المجتمع المدني عُرضت قراءة معمّقة لمؤشرات هذه المرحلة، كاشفة عن مزيج من النجاحات المهمة والتحديات العميقة.
مكاسب سياسية لافتة… لكنها غير كافية لتمكين كامل
عند النظر إلى الخريطة السياسية، تبدو بعض النتائج مشجّعة. فقد ارتفعت نسبة تمثيل النساء في البرلمان إلى 27% بعد أن كانت أقل من 15%، كما شهد القضاء خطوة غير مسبوقة بتعيين 48 قاضية في مجلس الدولة لأول مرة في تاريخه .
أيضًا، ارتفعت نسبة نائبات المحافظين إلى 33.3%، ما يعكس انفتاحًا أكبر على مشاركة المرأة في مواقع صنع القرار.
ورغم هذه القفزات، شدّد التقييم على أن التقدم سياسي عددي أكثر منه تمكيني؛ فالإسهام الحزبي ما زال محدودًا، والمنافسة الحرة للنساء لا تزال تواجه عراقيل اجتماعية واقتصادية وحزبية، وفق ما أشار تقرير التقييم الموسّع للمرحلة الأولى .
التمكين الاقتصادي… خطوات بطيئة رغم الاستثمارات الضخمة
على الجانب الاقتصادي، تكشف الأرقام جانبًا مختلفًا من الصورة. فمشاركة المرأة في سوق العمل لم تتجاوز 15.3%، أي أقل بكثير من الطموحات. فيما ظل معدل بطالة النساء مرتفعًا عند 47.6%، وهي نسبة تشير بوضوح إلى فجوة كبيرة بين التدريب والفرص الحقيقية في سوق العمل.
النتائج أظهرت كذلك أن النساء حصلن على 27% فقط من المشروعات الصغيرة رغم أن المستهدف كان 35%، إلى جانب استمرار فجوات الأجور، ونقص الحضانات المؤسسية، والعبء المنزلي المزدوج الذي يقيد قدرة كثير من النساء على الانخراط في سوق العمل بصورة مستدامة .
الحماية من العنف… أرقام مقلقة تستوجب تحركًا سريعًا
لم تكن مؤشرات العنف ضد النساء أقل حدة. فوفق البيانات المعروضة، سجّل عام 2024 1195 جريمة عنف ضد النساء، بزيادة بلغت 25.68% عن العام السابق، وهو مؤشر اعتبره الخبراء صادمًا ويستدعي تدخلًا تشريعيًا وتنفيذيًا فوريًا.
كما تضاعف متوسط زمن الاستجابة للبلاغات إلى 96 ساعة، وانخفضت نسبة الإحالة إلى خدمات الدعم إلى 44%، ما يعكس قصورًا في منظومة الحماية، خاصة في ظل غياب قانون شامل للعنف الأسري حتى الآن .
الوصول إلى العدالة… إجراءات أطول من الواقع المعاش
أظهر تقييم المرحلة الأولى تباطؤًا في منظومة العدالة الأسرية؛ إذ تضاعف زمن البت في قضايا الحضانة ليصل إلى 6 أشهر بدلًا من 3 أشهر مستهدفة، كما لم يُنفّذ سوى 52% من أحكام النفقة. بينما لم تحصل سوى 31% من النساء على مساعدة قانونية مجانية، رغم الحاجة المتزايدة إليها في مختلف المحافظات.
هذه المؤشرات، وفق الخبراء، تؤكد أن تطوير الربط الإلكتروني لمحاكم الأسرة وزيادة وحدات تنفيذ الأحكام باتا ضرورة ملحّة.
ملامح المرحلة الثانية… توقعات بإصلاحات أعمق
ورغم التحديات، فإن مخرجات التقييم قدمت رؤية واضحة لما يجب أن تتضمنه المرحلة الثانية من الاستراتيجية (2026–2031)، وعلى رأسها:
إصدار قانون شامل للعنف الأسري.
تعزيز سياسات التمكين الاقتصادي وربط التدريب باحتياجات السوق.
تحسين منظومة العدالة الأسرية والربط الإلكتروني الكامل.
تفعيل كوتا المجالس المحلية لضمان مشاركة سياسية أوسع.
زيادة عدد مراكز الإيواء وحملات التوعية المجتمعية.
إنشاء المفوضية الوطنية المستقلة لمكافحة التمييز المنصوص عليها في المادة (53) من دستور 2014،
خلاصة المشهد
تؤكد نتائج المرحلة الأولى أن الاستراتيجية الوطنية حققت تقدمًا لا يمكن إنكاره، لكنها كشفت في الوقت نفسه عن فجوة واضحة بين الطموحات والواقع، خاصة في الملفات اليومية التي تمس حياة النساء بشكل مباشر. ومع بدء الإعداد للمرحلة الثانية، تبدو الفرصة سانحة لتصميم حلول أكثر عمقًا وشمولًا، تجعل من تمكين المرأة ليس هدفًا حكوميًا فقط، بل واقعًا اجتماعيًا مستدامًا.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى