د. القس/ جرجس عوض يكتب.. فتاة المول.. من بطلة إلى ضحية الجهل «يا أُمّةً ضحكت من جهلها الأمم»

من خلال هذه السطور، لا أريد فقط أن أحيي شجاعة فتاة، وإنما أريد أن أوجه دعوة صريحة إلى مواجهة الجهل حين يتحول إلى ثقافة، وإلى مقاومة الأحكام السريعة التي تصدر عن أشخاص يملكون الجرأة على الإدانة أكثر مما يملكون المعرفة على الفهم.
هيا عمرو فوزي، طالبة بالفرقة الثالثة بكلية الطب، تصدرت منصات التواصل الاجتماعي بعد موقف شجاع أقدمت عليه إثر حادث انفجار وحريق محدود وقع في مول أرابيلا بلازا بالتجمع الخامس في القاهرة الجديدة.
إنها واقعة حقيقية وليست مشهدًا من فيلم سينمائي. شبّ الحريق، وسادت حالة من الارتباك والخوف، وكان من الطبيعي أن يبحث الموجودون عن طريق للنجاة والابتعاد عن ألسنة اللهب. وبينما كان الجميع تقريبًا منشغلين بالفرار من الخطر، اختارت شابة أن تتخذ موقفًا مختلفًا، فتقدمت لإنقاذ ثلاثة أشخاص.
كان المتوقع أن تكون هذه الشجاعة محل تقدير وإشادة، وأن تُروى باعتبارها نموذجًا للإنسان الذي لم يسمح للخوف أن يشل إرادته.
لكن المفارقة المؤلمة أن بعض الأصوات اختارت طريقًا آخر؛ فبدلًا من الاحتفاء بشجاعتها، انشغلت بمظهرها وتصرفاتها، وحاولت أن تجعل من بطولتها موضع اتهام، وكأن إنقاذ الإنسان لا يستحق التقدير إلا إذا جاء وفق القوالب التي يضعها الآخرون.
وهنا لا بد أن نتوقف.
كيف يمكن أن يتحول الإنسان الذي خاطر بنفسه لإنقاذ الآخرين من بطل إلى متهم؟
وكيف يصبح المتفرج على الموقف قاضيًا، بينما يُوضع صاحب الموقف في قفص الاتهام؟
المشكلة هنا ليست في اختلاف وجهات النظر، فالاختلاف حق طبيعي، وإنما في أن يتحول الجهل إلى وسيلة للحكم على الناس، وأن تتحول الظنون إلى حقائق، وأن يصبح المظهر أهم من الفعل، والانطباع أهم من الحقيقة.
وأنا لا أقصد المجتمع بأكمله، ولا أضع الجميع في سلة واحدة، وإنما أتحدث عن فئة من أنصاف المثقفين الذين يملكون ثقة كبيرة في إصدار الأحكام، بينما تنقصهم المعرفة والإنصاف والقدرة على قراءة المواقف في سياقها الصحيح.
وهنا تكمن خطورة الجهل الحقيقي؛ فالجهل لا يصبح خطيرًا لمجرد أن صاحبه لا يعرف، وإنما يصبح خطرًا عندما يرفض أن يعرف، ثم يحوّل جهله إلى معيار يحاكم به الآخرين.
المأساة تبدأ عندما يتحول المجتمع من الحكم على الفعل إلى الحكم على الشخص، ومن تقدير الشجاعة إلى محاكمة المظهر.
فبدلًا من أن نسأل: ماذا فعلت؟ ولماذا فعلت؟ وهل ساهمت في إنقاذ إنسان؟ وهل أظهرت شجاعة في موقف خطر؟ ينصرف البعض إلى أسئلة هامشية لا علاقة لها بجوهر الموقف.
وهذا النوع من التفكير لا يؤذي فردًا واحدًا فحسب، بل يقتل روح المبادرة في المجتمع كله.
فأي إنسان سيفكر في إنقاذ غيره إذا كان يعلم أن موقفه قد يجعله هدفًا للسخرية والاتهام والتشكيك؟
وأي شاب أو فتاة سيبادران إلى فعل الخير إذا كان المجتمع سيبحث أولًا عن خطأ في مظهرهما بدلًا من تقدير ما فعلاه؟
إن قصة فتاة المول يجب ألا تمر باعتبارها مجرد واقعة عابرة على منصات التواصل الاجتماعي، وإنما ينبغي أن تكون مناسبة لإعادة النظر في مفهوم البطولة، وفي الطريقة التي نحكم بها على الآخرين.
المجتمع المتحضر لا يحاكم الناس بالظنون، ولا يقيس قيمة الإنسان بمظهره، وإنما ينظر إلى أفعاله وآثارها.
والأمم لا تتقدم بكثرة الحديث عن الأخلاق، وإنما تتقدم عندما تصبح الأخلاق ممارسة حقيقية: إنصافًا، ورحمة، واحترامًا للآخر، وتقديرًا لمن يفعل الخير.
لقد أثبتت هيا في لحظة الخطر أن الشجاعة ليست كلامًا يقال، وإنما موقف يُتخذ عندما يكون الإنسان أمام اختبار حقيقي.
أما نحن، فاختبارنا الآن ليس في مواجهة النار، وإنما في مواجهة الجهل والتحيز والأحكام المسبقة.
ولهذا فإنني أدعو إلى تكريم هذه الفتاة، تقديرًا لموقفها الإنساني والشجاع، وأخص بالدعوة المؤسسات المعنية بحقوق المرأة ومؤسسات المجتمع المدني إلى تسليط الضوء على هذه النماذج الإيجابية التي تقدم للمجتمع صورة مختلفة عن دور المرأة والشابة المصرية في المواقف الإنسانية والوطنية.
إن تكريمها ليس تكريمًا لشخصها فقط، بل هو تكريم لقيمة الشجاعة، ولثقافة إنقاذ الإنسان، وللإيجابية في مواجهة الخطر.
وفي النهاية، ليس العيب أن نختلف، ولا أن نناقش تصرفات الآخرين، وإنما العيب أن نحول الاختلاف إلى إدانة، وأن نجعل من الجهل معيارًا للحكم على الناس.
وربما يكون الدرس الأهم من قصة فتاة المول أن البطولة لا تحتاج إلى إذن من أحد، وأن الشجاعة لا يحددها كلام المتفرجين، وأن الإنسان ينبغي أن يُحكم عليه من خلال أفعاله لا من خلال الظنون المحيطة به.
وأقول لكل من يواجه الخير بالنقد، والشجاعة بالتشكيك، والمبادرة بالاتهام:
تعلموا أن تعرفوا قبل أن تحكموا، وأن تفهموا قبل أن تدينوا، وأن تنظروا إلى جوهر الإنسان قبل أن تنشغلوا بمظهره.
«كل شيء طاهر للطاهرين، أما للنجسين وغير المؤمنين فلا شيء طاهر، بل قد تنجست أذهانهم وضمائرهم».*
هيا عمرو فوزي.. أحييكِ من كل قلبي، وأدعو إلى تكريمكِ لا لأنكِ فتاة، ولا لأنكِ أصبحتِ حديث الناس، وإنما لأنكِ في لحظة خوف اخترتِ أن تكوني إنسانة.



