حتمية اللامركزية وبناء الدولة الحديثة: الفلسفة الاستراتيجية لربط الأوكتاجون بالمجالس المحلية وتكامل الأمن القومي

إعداد / د نبيل أبو الخير الخبير الإستراتيجي
إن الفلسفة الوطنية الراسخة التي انطلقت من الفكر الاستراتيجي لسيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال خطابه التاريخي في مقر القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية “الأوكتاجون” لا تقف عند حدود التنظيم العسكري أو الإداري المحكم بل تمتد لتشمل صياغة رؤية متكاملة للأمن القومي والتنمية المستدامة تتجاوز المركزية التقليدية إلى آفاق اللامركزية الحكيمة.
ويمثل هذا الصرح العملاق رمزاً للتكامل والسيطرة الذكية التي تهدف في جوهرها إلى ربط التخطيط الاستراتيجي الأعلى بالاحتياجات اليومية المباشرة للمواطن المصرى في القرية والمركز والمدينة ليكون التطوير نابعاً من عمق المجتمع ومحقاً لمفهوم الأمن الشامل.
وتعد المجالس الشعبية المحلية على اختلاف درجاتها بموجب الرؤية الدستورية الجديدة لعام ألفين وأربعة عشر الفرع الثالث والركيزة الأساسية للسلطة التنفيذية والوسيلة الأكثر فعالية لإحداث طفرة تنموية حقيقية ترفع شعور الرضا العام لدى المواطنين نظراً لالتصاقها المباشر بمصالحهم اليومية. وتأتي هذه المجالس لتمثل إرادة الهيئة الناخبة والرقابة الذاتية الأولى الفورية والفوقية للأجهزة التنفيذية على نفسها؛ حيث يسبق دورها الرقابي المباشر والميداني على الموظفين المحليين رقابة مجلس النواب اللاحقة التي لا تبدأ إلا بعد مراجعة تقارير الجهاز المركزي للمحاسبات مما يعزز النزاهة ويكافح الفساد في مهده.
وقد أحدث الدستور الحالي نقلة نوعية وتاريخية في بنية النظام المحلي بتحويل هذه المجالس من مجرد كيانات استشارية تملك توصيات غير ملزمة يمكن حلها بقرار إداري من المحافظ أو الوزير المختص إلى مجالس ذات سيادة وقرارات نهائية نافذة لا يجوز الطعن عليها إدارياً. كما أنه لا يمكن حلها إلا بموجب حكم قضائي ينظمه القانون، فضلاً عن منحها استقلالاً مالياً كاملاً بميزانيات مستقلة تناقش وتُقر بنهاية العام المالي لضمان تمويل المشروعات المحلية وتلبية تطلعات المواطنين دون عوائق بيروقراطية.
وفي سياق متصل بتمكين الفئات المجتمعية وضخ دماء جديدة تتواكب مع التطور التكنولوجي ومتطلبات العصر، فرض الدستور تشكيلاً متوازناً يلزم بتمثيل الشباب من سن إحدى وعشرين سنة وحتى خمس وثلاثين سنة بنسبة خمس وعشرين بالمائة من المقاعد، وتخصيص نسبة مماثلة للمرأة المصرية دعماً لدورها المحوري والفاعل في المجتمع، مع الحفاظ على نسبة لا تقل عن خمسين بالمائة للعمال والفلاحين لضمان بقاء صوت الشارع الحقيقي في صدارة المشهد، بالإضافة إلى اشتراط التمثيل العادل الوجوبي للأقباط والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة في كافة المستويات التنظيمية للمجالس.
ولم يكتف المشرع بمنح المجالس المحلية الاستقلالية بل سلح أعضاءها بأدوات رقابية وتشريعية قوية وصارمة تماثل الصلاحيات الممنوحة لأعضاء البرلمان؛ حيث يحق لعضو المجلس المحلي توجيه الأسئلة وطلبات الإحاطة إلى المحافظين ونوابهم ورؤساء الوحدات المحلية ومديري المديريات التنفيذية وشركات المرافق العامة. وتصل هذه الصلاحيات ذروتها في الحق في تقديم الاستجوابات وتشكيل لجان تقصي الحقائق، بل ويحق لثلثي أعضاء المجلس المحلي عزل رئيس الوحدة المحلية المختص من منصبه في حال ثبوت التقصير الفادح في أداء مهامه.
وتأكيداً على حماية المصلحة العامة والنزاهة المطلقة، وضع القانون ضوابط حاسمة تمنع استغلال العضوية؛ حيث يُحظر تماماً التعاقد بالذات أو بالواسطة بين الوحدة المحلية وأي عضو في مجلسها. كما يُمنع العضو من حضور الجلسات أو اللجان إذا كانت له أو لأحد أقاربه حتى الدرجة الرابعة مصلحة شخصية في المسألة المعروضة، مع إلزامه بتقديم إقرار ذمة مالية شامل له ولزوجته وأولاده القصر لتظل الممارسة السياسية نقية ومتجردة تبتغي خدمة الوطن وحده.
إن انطلاق مصر الواثق نحو الجمهورية الجديدة والتقدم والازدهار يفرض تلاحماً عضوياً وفكرياً بين التخطيط الاستراتيجي المحكم المتجسد في صرح الأوكتاجون وبين الأداء التنفيذي والرقابي الواعي في أروقة المجالس المحلية بالقرى والمدن، مما يستلزم استعداداً وطنياً جاداً من الشباب والمستقلين والأحزاب عبر التدريب المستمر والإلمام بإستراتيجيات الأمن القومي وإدارة الأزمات والحوكمة والتمكين الاقتصادي ليكونوا على قدر المسؤولية الوطنية في إدارة وتطوير المحليات وصياغة مستقبل هذا الوطن العظيم وتوفير حياة كريمة ومستقرة لكل مواطن على أرض مصر.



