«الهروب الكبير» ماذا تقول لنا أحداث سبتة عن مستقبل الهجرة والاستقرار في شمال إفريقيا وأوروبا؟

إعداد – رامي زهدي
خبير الشؤون الإفريقية، عضو مركز العرب للأبحاث والدراسات الإستراتيجية
لم تكن المشاهد القادمة من مدينة سبتة الإسبانية خلال الأيام الماضية مجرد واقعة جديدة تضاف إلى سجل الهجرة غير النظامية الممتد بين الضفتين الإفريقية والأوروبية، ولم يكن اقتحام الحدود بهذا الزخم البشري حدثا يمكن اختزاله في توصيفات أمنية أو إنسانية تقليدية، بل مثل لحظة كاشفة لخلل أعمق يتجاوز الأسلاك الشائكة ونقاط العبور، ويصل إلى بنية العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين الجنوب والشمال، وبين التنمية والأمن، وبين الأمل واليأس.

ففي عالم أصبحت فيه حركة البشر أكثر تعقيدا من حركة البضائع، لم تعد الحدود مجرد خطوط جغرافية تفصل بين سيادتين، وإنما تحولت إلى أجهزة استشعار تكشف مبكرا حجم الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تتراكم داخل الدول، وكلما ازداد الضغط داخل المجتمعات، كانت الحدود أول من يتلقى الصدمة.
إن ما شهدته سبتة يعكس تحولا مهما في طبيعة الهجرة غير النظامية نفسها، ففي العقود الماضية ارتبطت هذه الظاهرة غالبا بمجموعات صغيرة تتحرك في الخفاء، وتعتمد على شبكات تهريب محترفة ومسارات بحرية معقدة، أما اليوم فنحن أمام مشاهد مختلفة تماما، حشود كبيرة، تحركات جماعية، تنظيم يتم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وسرعة في الحشد والتعبئة تجعل الاستجابة الأمنية التقليدية أقل قدرة على الاحتواء.
وإنها ليست فقط هجرة غير نظامية، وإنما تعبير جماعي عن أزمة ثقة في المستقبل.
وتزداد أهمية قراءة هذا الحدث إذا وضعناه في سياقه الإقليمي، فشمال إفريقيا يعيش منذ سنوات ضغوطا اقتصادية متراكمة نتيجة تباطؤ النمو العالمي، وارتفاع معدلات التضخم، وتداعيات جائحة كورونا، ثم آثار الحرب الروسية الأوكرانية، إضافة إلى موجات الجفاف وتغير المناخ التي أثرت بصورة مباشرة على قطاعات الزراعة والتشغيل والدخل، وهو ما أدى إلى تضييق هامش الفرص أمام ملايين الشباب.
وتشير بيانات المؤسسات الدولية إلى أن إفريقيا تضم اليوم أصغر قارة من حيث متوسط الأعمار، إذ يقل متوسط العمر عن عشرين عاما، بينما يدخل إلى سوق العمل الإفريقي سنويا ما يقارب اثني عشر مليون شاب، في حين لا يتجاوز عدد الوظائف الرسمية الجديدة ثلاثة إلى أربعة ملايين وظيفة في أفضل التقديرات، بما يعني وجود فجوة تشغيلية هائلة تتراكم عاما بعد آخر، وهذه الفجوة ليست مجرد رقم اقتصادي، وإنما مصنع دائم لإنتاج الإحباط، والهجرة، والاقتصاد غير الرسمي، وأحيانا التطرف والجريمة المنظمة.
وفي المقابل، تواجه أوروبا معادلة مختلفة تماما، فهي قارة تتقدم في العمر ديموغرافيا، وتنخفض فيها معدلات المواليد، وتحتاج في قطاعات عديدة إلى العمالة، لكنها في الوقت نفسه تعيش صعودا ملحوظا للتيارات الشعبوية واليمينية التي تجعل من ملف الهجرة أحد أهم أدوات الاستقطاب السياسي والانتخابي، وهكذا تجد الحكومات الأوروبية نفسها عالقة بين احتياجات الاقتصاد من جهة، وضغوط الرأي العام من جهة أخرى، فتتجه غالبا إلى تشديد الإجراءات الحدودية دون أن تتمكن من معالجة جذور المشكلة.
ومن هنا، يصبح اختزال ما جرى في سبتة باعتباره مجرد “محاولة عبور غير قانونية” قراءة قاصرة، فالأحداث الكبرى لا تبدأ عندما يصل الناس إلى الحدود، وإنما تبدأ عندما يفقد المواطن اقتناعه بأن مستقبله يمكن أن يصنع داخل وطنه، وعندما تتراجع الثقة في قدرة الاقتصاد على خلق الفرص، وتضعف قنوات الحراك الاجتماعي، يصبح البحر أقل رهبة من البقاء، وتتحول الحدود إلى مقصد جماعي رغم ما تحمله من مخاطر قد تصل إلى الموت.
كما أن التطور التكنولوجي أضاف بعدا جديدا إلى الظاهرة، فمنصات التواصل الاجتماعي لم تعد فقط وسيلة لنقل الأخبار، بل أصبحت في كثير من الأحيان أداة للحشد السريع، وتبادل المعلومات حول نقاط العبور، وتضخيم قصص النجاح الفردية، في مقابل تجاهل آلاف المآسي التي تنتهي بالغرق أو الاعتقال أو الاستغلال، وهكذا تتكون لدى بعض الشباب صورة ذهنية مضللة، تجعل الهجرة تبدو طريقا قصيرا إلى حياة أفضل، بينما تخفي واقعا أكثر تعقيدا وقسوة.
وتكشف الخبرات الإفريقية أن الهجرة غير النظامية لم تعد مرتبطة فقط بالفقر المدقع، بل أصبحت تشمل شرائح متعلمة، وخريجي جامعات، وشبابا يمتلك مهارات، لكنه يفتقد الفرصة، وهذه نقطة في غاية الأهمية، لأنها تعني أن المشكلة لم تعد في غياب التعليم وحده، وإنما في ضعف قدرة الاقتصادات على استيعاب مخرجاته، وهو ما يهدد بتحول ما يسمى بالعائد الديموغرافي إلى عبء ديموغرافي إذا لم تقترن الزيادة السكانية بنمو اقتصادي إنتاجي قادر على خلق فرص عمل حقيقية.
ومن زاوية استراتيجية، فإن أخطر ما تكشفه أحداث سبتة ليس عدد من حاولوا العبور، وإنما الرسالة الكامنة خلف هذا المشهد، وهي أن الضغوط الاجتماعية حين تتجاوز حدود الاحتمال، فإنها تبحث عن أي منفذ، حتى وإن كان محفوفا بالموت، ولذلك فإن التعامل مع الهجرة غير النظامية باعتبارها ملفا أمنيا فقط لن يؤدي إلا إلى تأجيل الأزمة، بينما يظل أصل المشكلة قائما، ينتظر فرصة جديدة للانفجار في مكان آخر وعلى حدود أخرى.
خصوصية ما جرى في سبتة لا تنبع فقط من حجم المشاركين في محاولات العبور، وإنما أيضا من الطبيعة الجغرافية والسياسية للمدينة نفسها، فسبتة ومليلية تمثلان الحدود البرية الوحيدة بين القارة الإفريقية والاتحاد الأوروبي، ولذلك ظلتا لعقود مختبرا حقيقيا لقياس اتجاهات الهجرة، واختبار سياسات الردع الأوروبية، ورصد التحولات الاجتماعية داخل شمال إفريقيا، وكل أزمة تقع هناك لا تبقى محصورة في نطاقها المحلي، بل تتحول تلقائيا إلى قضية أوروبية وإفريقية ودولية.
ورغم أن المغرب يعد من أكثر اقتصادات القارة تنوعا، وحقق خلال العقدين الأخيرين تقدما ملحوظا في البنية التحتية والصناعات التحويلية وصناعة السيارات والطيران والطاقة المتجددة، فإن هذه النجاحات الكلية لا تعني بالضرورة اختفاء التحديات الاجتماعية، فالتجارب الاقتصادية الكبرى كثيرا ما تكشف أن النمو الاقتصادي لا ينعكس بصورة متساوية على جميع الفئات أو المناطق، وأن الفجوة بين المؤشرات الكلية والإحساس الفردي بجودة الحياة قد تتسع إذا لم يصاحب النمو توزيع أكثر عدالة لثماره.
وتشير تقديرات المؤسسات الاقتصادية الدولية إلى أن الاقتصاد المغربي حافظ خلال السنوات الأخيرة على معدلات نمو متفاوتة، إلا أن سوق العمل ظل يواجه ضغوطا ملحوظة، خاصة بين الشباب وخريجي الجامعات، حيث بقيت معدلات البطالة في صفوف الشباب عند مستويات مرتفعة مقارنة بالمتوسط العام، مع استمرار التفاوتات بين المناطق الحضرية والريفية، وبين الأقاليم الساحلية والأقاليم الداخلية، كما ساهمت موجات الجفاف المتكررة في تقليص مساهمة القطاع الزراعي، الذي يمثل مصدرا رئيسيا للدخل والتشغيل لملايين المواطنين، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على مستويات المعيشة والهجرة الداخلية والخارجية.
وفي هذا السياق، لا يمكن تفسير اندفاع أعداد كبيرة من الشباب نحو الحدود باعتباره نتيجة عامل واحد، فالقراءة العلمية لأي ظاهرة اجتماعية تقتضي الابتعاد عن التفسيرات الأحادية، لأن قرارات الهجرة عادة ما تكون نتاج تفاعل معقد بين الاقتصاد، والتعليم، والتوقعات المستقبلية، والثقافة المجتمعية، والصورة الذهنية عن الخارج، ومدى الثقة في إمكانية تحسين الأوضاع داخل الوطن.
كما أن شبكات تهريب البشر أصبحت أكثر تطورا وتنظيما وقدرة على استغلال هذه الأوضاع، فهي لم تعد تعتمد فقط على النقل السري عبر القوارب، وإنما توسعت في استخدام الفضاء الرقمي للتواصل والتجنيد والتوجيه ونشر الشائعات، مستفيدة من سرعة انتشار المعلومات وضعف القدرة على التحقق منها. وفي كثير من الأحيان، تتحول بعض الصفحات والمجموعات الإلكترونية إلى منصات لترويج الوهم، عبر تصوير أوروبا باعتبارها فضاء مفتوحا للفرص، مع إخفاء الوقائع المتعلقة بالترحيل أو الاحتجاز أو الاستغلال أو الوفاة أثناء العبور.
وهنا تظهر إشكالية بالغة الخطورة، تتمثل في أن الحرب على الهجرة غير النظامية لم تعد معركة بحرية أو حدودية فقط، وإنما أصبحت أيضا معركة معلومات ووعي، فالمهرب الذي كان يعتمد بالأمس على الدليل الميداني، أصبح اليوم يعتمد على الهاتف الذكي، وعلى الرسائل الفورية، وعلى المحتوى المضلل، وعلى استغلال هشاشة الفئات الأكثر قابلية للتأثر.
ومن ناحية أخرى، فإن الاتحاد الأوروبي أنفق خلال السنوات الماضية مليارات اليوروهات على برامج إدارة الحدود، وتعزيز قدرات الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل، ودعم التعاون مع دول العبور والمنشأ، ومع ذلك لم تتوقف موجات الهجرة، والسبب بسيط، لأن الاستثمار في الحواجز والأسوار لا يمكن أن يكون بديلا عن الاستثمار في التنمية البشرية والاقتصادية، فكلما بقيت الفجوة التنموية واسعة بين الضفتين، ظلت الهجرة خيارا قائما مهما ارتفعت تكلفة العبور.
التجربة الإفريقية تؤكد أن المجتمعات لا تصدر أبناءها لأنها ترغب في ذلك، وإنما لأنها تعجز عن استيعاب طاقاتهم، ولذلك فإن القضية ليست قضية حدود، وإنما قضية تنمية، وليست قضية قوارب، وإنما قضية فرص، وليست قضية أمن فقط، وإنما قضية اقتصاد وتعليم وعدالة اجتماعية وحوكمة رشيدة.
ومن منظور استراتيجي، فإن استمرار التعامل الأوروبي مع الهجرة باعتبارها أزمة أمنية موسمية سيؤدي إلى تكرار المشهد نفسه بصورة دورية، فالأرقام تشير إلى أن إفريقيا ستقترب من حاجز 2.5 مليار نسمة بحلول منتصف القرن، بينما سيظل أكثر من 60% من سكانها دون الخامسة والعشرين من العمر، وإذا لم يتحول هذا الرصيد البشري إلى قوة إنتاج وتنمية، فإن الضغوط على مسارات الهجرة ستتزايد بصورة غير مسبوقة، ليس من المغرب فقط، وإنما من مختلف أقاليم القارة.
ولذلك فإن أحداث سبتة يجب ألا تقرأ باعتبارها أزمة مغربية أو إسبانية فحسب، بل باعتبارها إنذارا مبكرا بأن معادلة التنمية والهجرة في الفضاء الأوروإفريقي تحتاج إلى مراجعة جذرية، فكل شاب يغامر بحياته للوصول إلى الضفة الأخرى لا يعكس فقط أزمة فردية، وإنما يكشف عن خلل هيكلي في منظومة التنمية الإقليمية، وعن فجوة ما زالت تتسع بين تطلعات الأجيال الجديدة والقدرة الفعلية للدول على الاستجابة لها.
وإذا تجاوزنا القراءة الإنسانية المباشرة للمشهد، فإن ما جرى في سبتة يفتح الباب أمام سؤال أكثر عمقا، هل أصبحت الهجرة غير النظامية أحد أدوات التأثير الجيوسياسي في الإقليم المتوسطي؟ والإجابة ليست بالبساطة التي قد تبدو عليها، فالتجارب الدولية خلال العقدين الماضيين أثبتت أن تدفقات الهجرة لم تعد مجرد نتيجة للأزمات، وإنما أصبحت في بعض الأحيان عاملا يعيد تشكيل العلاقات بين الدول، ويؤثر في أولوياتها الأمنية، ويغير اتجاهات الرأي العام، بل ويعيد رسم خرائط الانتخابات والسياسات الداخلية.
ومن هذا المنطلق، فإن أي أزمة هجرة واسعة بين المغرب وإسبانيا لا يمكن فصلها عن طبيعة العلاقة المركبة بين البلدين، فهذه العلاقة تجمع بين شراكة اقتصادية وتجارية وأمنية وثيقة، وفي الوقت ذاته لا تخلو من ملفات تاريخية وسيادية شديدة الحساسية، في مقدمتها قضية سبتة ومليلية، إضافة إلى ملفات مكافحة الإرهاب، والهجرة، والتعاون الاستخباراتي، وقضية الصحراء، ولذلك فإن أي توتر على الحدود، حتى وإن كان سببه الأساسي اجتماعيا أو اقتصاديا، ينعكس تلقائيا على أجندة العلاقات الثنائية، ويستدعي تدخلا أوروبيا واسعا.
وفي المقابل، يدرك الاتحاد الأوروبي أن المغرب لا يمثل فقط دولة جوار، بل يعد أحد أهم الشركاء الاستراتيجيين في إدارة الهجرة غير النظامية عبر غرب المتوسط، ولهذا استثمر الاتحاد الأوروبي، على مدار سنوات، مئات الملايين من اليورو في برامج دعم إدارة الحدود، وتعزيز التعاون الأمني، وتمويل مشروعات تنموية تستهدف الحد من دوافع الهجرة، غير أن الوقائع أثبتت أن المقاربة الأمنية، مهما بلغت كفاءتها، لا تستطيع بمفردها وقف ظاهرة ترتبط أساسا بالفجوة التنموية والديموغرافية بين الضفتين.
واللافت للنظر أن الظاهرة لم تعد مقتصرة على الهجرة التقليدية القادمة من دول جنوب الصحراء، بل أصبحت تشمل بصورة متزايدة مواطنين من دول العبور نفسها، وهو تحول بالغ الدلالة، فحين تبدأ دول العبور في تصدير أعداد متزايدة من مواطنيها، فإن ذلك يعني أن الضغوط الداخلية أصبحت أكثر تأثيرا من دورها التقليدي كحلقة انتقال للمهاجرين.
كما ينبغي عدم إغفال أن شمال إفريقيا بات يعيش في بيئة إقليمية شديدة التعقيد، فمنطقة الساحل الإفريقي تشهد منذ سنوات تصاعدا في النشاط الإرهابي، وتزايدا في الانقلابات العسكرية، واتساعا لنفوذ الجماعات المسلحة وشبكات الجريمة المنظمة، وهو ما أدى إلى زيادة الضغوط على الدول المجاورة، وإلى تحولات مستمرة في مسارات الهجرة، فكلما أغلقت طريق، ظهرت طرق أخرى، وكلما تشددت الرقابة على معبر، انتقلت الشبكات إلى مسار بديل، بما يؤكد أن الظاهرة تمتلك قدرة عالية على التكيف مع المتغيرات.
ومن زاوية إفريقية أوسع، فإن القضية تتجاوز المغرب أو ليبيا أو تونس أو موريتانيا، فالقارة بأكملها تقف اليوم أمام اختبار تاريخي يتعلق بكيفية تحويل ثروتها البشرية إلى قوة إنتاج وتنمية بدلا من أن تتحول إلى مصدر دائم للهجرة والنزوح، وتشير التقديرات إلى أن إفريقيا ستكون مسؤولة عن النسبة الأكبر من الزيادة السكانية العالمية خلال العقود المقبلة، وهو ما يمنحها فرصة استثنائية إذا أحسنت الاستثمار في التعليم والصناعة والتكنولوجيا والتكامل الاقتصادي، لكنه في المقابل قد يضاعف من الضغوط إذا استمرت فجوة التنمية واتسعت معدلات البطالة.
ومن هنا تبرز أهمية اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية، التي تمثل أحد أهم المشروعات الاقتصادية في تاريخ القارة، فإذا نجحت الدول الإفريقية في إزالة الحواجز التجارية، وتعزيز التصنيع المحلي، وتطوير سلاسل القيمة الإقليمية، ورفع حجم التجارة البينية الذي لا يزال يدور حول مستويات تقل كثيرا عن مثيله في أوروبا وآسيا، فإن ملايين فرص العمل يمكن أن تنشأ داخل القارة نفسها، وهو ما يمثل العلاج الأكثر استدامة للهجرة غير النظامية.
وفي هذا السياق، تبرز التجربة المصرية باعتبارها نموذجا جديرا بالدراسة، فقد تبنت الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة مقاربة شاملة جمعت بين تأمين الحدود، وتجريم تهريب المهاجرين، ومعالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب استضافة ملايين الأشقاء من الدول العربية والإفريقية دون إقامة مخيمات لجوء، مع الحرص على دمجهم في المجتمع وإتاحة الخدمات الأساسية لهم، كما نجحت مصر في الحد بصورة كبيرة من انطلاق قوارب الهجرة غير النظامية من سواحلها، وهو إنجاز لم يتحقق بالحلول الأمنية وحدها، وإنما بدمج الأمن مع التنمية، وتعزيز قدرة الدولة على فرض سيادة القانون.
وهذه التجربة تقدم درسا بالغ الأهمية، فالدولة القوية ليست تلك التي تبني الأسوار الأعلى، وإنما تلك التي تبني الاقتصاد الأكثر قدرة على استيعاب شبابه، وتؤسس منظومة تعليم وتدريب تواكب سوق العمل، وتوفر بيئة استثمارية جاذبة، وتجعل الانتماء إلى الوطن مقترنا بإمكانية تحقيق الطموح داخله، لا خارجه.
ولعل الرسالة الأهم التي تحملها أحداث سبتة هي أن الأمن القومي في القرن الحادي والعشرين لم يعد يقاس فقط بعدد الجنود أو طول الحدود، بل أصبح يقاس أيضا بعدد الوظائف التي تخلقها الدولة، وجودة التعليم الذي تقدمه، وكفاءة مؤسساتها، وقدرتها على إدارة التحولات الديموغرافية والاقتصادية قبل أن تتحول إلى أزمات أمنية عابرة للحدود.
الدول التي تستثمر في الإنسان تقلل تلقائيا من احتمالات تصدير الأزمات، بينما الدول التي تهمل رأس مالها البشري قد تجد نفسها، مهما امتلكت من موارد، أمام ضغوط داخلية تتجاوز قدرتها على الاحتواء، وتنعكس آثارها على الإقليم بأكمله.
في تقديري، فإن الخطأ الأكبر الذي قد تقع فيه الحكومات وصناع القرار هو التعامل مع ما حدث في سبتة باعتباره أزمة عابرة ستنتهي بمجرد إعادة الهدوء إلى الحدود أو إعادة المهاجرين إلى الجانب الآخر، فالتاريخ يعلمنا أن الأزمات التي تتكرر لا تكون المشكلة فيها في الحدث ذاته، وإنما في الأسباب التي تنتجه مرة بعد أخرى، وما لم تتم معالجة تلك الأسباب، فإن الحدود ستظل تستقبل المشهد نفسه، وإن اختلف المكان أو الزمان أو جنسية المشاركين.
لقد أصبح واضحا أن العالم يدخل مرحلة جديدة من “التنافس على البشر”، وليس فقط على الموارد، فالدول التي تستطيع الاحتفاظ بشبابها، واستثمار قدراتهم، وخلق بيئة اقتصادية جاذبة، ستكون هي الأكثر استقرارا والأقدر على المنافسة، أما الدول التي يتحول فيها الشباب إلى وقود للهجرة أو ضحايا لشبكات التهريب أو أسرى للإحباط، فإنها تخسر أهم عناصر قوتها قبل أن تخسر أرقاما في تقارير التنمية.
ولا ينبغي أن يغيب عن الأذهان أن إفريقيا تمتلك اليوم أكبر رصيد بشري شاب في العالم، وتمتلك في الوقت ذاته ما يقرب من 30% من الثروات المعدنية العالمية، ونحو 60% من الأراضي الصالحة للزراعة غير المستغلة، إضافة إلى موقع جغرافي يتحكم في عدد من أهم الممرات البحرية الدولية، وهذه المقومات تجعل القارة مؤهلة لأن تكون أحد أهم مراكز النمو الاقتصادي خلال العقود المقبلة، لكنها في الوقت نفسه تجعل تكلفة الفشل التنموي فيها ذات تأثير عالمي، وليس إفريقيا فقط.
ومن هنا، فإن مسؤولية معالجة الهجرة غير النظامية لا تقع على عاتق دول المنشأ وحدها، ولا على دول العبور، ولا على الدول الأوروبية المقصودة، وإنما هي مسؤولية مشتركة تفرضها طبيعة التحديات العابرة للحدود، فكما أصبحت التجارة العالمية مترابطة، وسلاسل الإمداد مترابطة، والأمن السيبراني مترابطا، أصبحت الهجرة أيضا قضية مترابطة، لا يمكن لدولة منفردة أن تديرها أو تحسمها بمفردها.
وهنا تبرز الحاجة إلى إعادة صياغة العلاقة الأوروإفريقية على أسس جديدة، تنتقل من مفهوم “تمويل الحواجز” إلى مفهوم “تمويل الفرص”، ومن دعم إدارة الحدود إلى دعم بناء الاقتصادات، ومن التركيز على منع الحركة إلى الاستثمار في أسباب الاستقرار، فكل يورو ينفق على خلق فرصة عمل حقيقية داخل إفريقيا قد يوفر على أوروبا أضعافه مما تنفقه لاحقا على مراقبة الحدود، وإجراءات اللجوء، وعمليات الإنقاذ، والإعادة، والإيواء.
وفي الوقت نفسه، فإن المسؤولية الإفريقية تظل قائمة، فلا يمكن اختزال التحديات في شماعة النظام الاقتصادي الدولي أو الفجوة التنموية العالمية، إذ يقع على عاتق الحكومات الإفريقية تسريع الإصلاحات الاقتصادية، وتحسين مناخ الاستثمار، وتعزيز الحوكمة، ومكافحة الفساد، وتطوير التعليم الفني والتقني، وربط مخرجات التعليم باحتياجات الأسواق، وإطلاق القطاع الخاص باعتباره المحرك الرئيسي لخلق فرص العمل. فالتنمية لا تستورد، وإنما تبنى بإرادة وطنية ورؤية استراتيجية ومؤسسات كفؤة.
ومن المنظور المصري، تؤكد هذه الأحداث مجددا صحة الرؤية التي تبنتها الدولة المصرية في الربط بين الأمن والتنمية، وبين حماية الحدود وتعزيز الاقتصاد، وبين مكافحة الهجرة غير النظامية ومعالجة جذورها، كما تؤكد أهمية استمرار الدور المصري في دعم الاستقرار داخل القارة الإفريقية، وتعزيز مشروعات الربط الإقليمي، والتكامل الاقتصادي، ونقل الخبرات التنموية، لأن استقرار إفريقيا لم يعد شأنا إفريقيا فقط، بل أصبح ركنا أساسيا من أركان الأمن الإقليمي والدولي.
حادثة سبتة ليست مجرد خبر عابر في نشرات الأخبار، ولا مجرد أزمة حدودية بين المغرب وإسبانيا، وإنما هي رسالة استراتيجية ينبغي أن يقرأها الجميع بعناية، إنها تقول إن الفجوة بين الطموح والواقع عندما تتسع، تتحول إلى حركة بشرية يصعب احتواؤها. وتقول أيضا إن التنمية لم تعد ترفا اقتصاديا، بل أصبحت ضرورة أمنية، وأن الاستثمار في الإنسان لم يعد خيارا سياسيا، بل أصبح صمام الأمان الحقيقي للدول.
ويبقى الدرس الأهم أن الحدود لا تمنع الأزمات، وإنما تكشفها، وأن الأسلاك الشائكة قد تؤخر العبور، لكنها لا تستطيع إيقاف الأحلام، ولا معالجة الإحباط، ولا صناعة المستقبل، فالمستقبل لا يبنى على خطوط الفصل بين الدول، وإنما على الجسور التي تربط بين التنمية والاستقرار، وبين العدالة والفرص، وبين الدولة ومواطنيها.
وربما لهذا السبب تحديدا، فإن ما شهدته سبتة يجب ألا يقرأ باعتباره نهاية أزمة، بل بداية نقاش دولي جديد حول مستقبل الهجرة، ومستقبل الشراكة الأوروإفريقية، ومستقبل التنمية في قارة ستكون، شئنا أم أبينا، أحد أهم مراكز الثقل السياسي والاقتصادي والديموغرافي في العالم خلال النصف الثاني من القرن الحادي والعشرين.



