الرئيسيةنشرة الأخبار

المشرق العربي بين نيران التصعيد ومبادرات التسوية: أسبوع متقلّب يعيد رسم خرائط الصراع والتهدئة

إعداد: علي فوزي الباحث في الشؤون العربية و الإفريقية

تصدرت المنطقة العربية مشهدًا إقليميًا متداخلًا بين التصعيد العسكري والتحركات السياسية الهادفة إلى احتواء الأزمات. من غزة إلى دمشق، مرورًا ببغداد وبيروت، تداخلت الملفات الأمنية مع الملفات الإنسانية، في مشهد يؤكد هشاشة الاستقرار في المشرق العربي، رغم بعض بوادر الانفراج.

فلسطين حل الدولتين

في فلسطين، ورغم الزخم الدولي المتزايد لفرض هدنة مؤقتة، استمرت آلة الحرب الإسرائيلية في استهداف قطاع غزة، موقعةً عشرات القتلى، بينهم أطفال ونساء، ومتسببة في دمار واسع للبنى التحتية، لا سيما في القطاع الصحي. التحركات الأميركية التي تقودها إدارة ترامب تمثّلت في عرض هدنة لمدة 60 يومًا، شرط أن توافق عليها حركة حماس، وهو ما دفع بقطر ومصر إلى لعب دور الوسيط لإقناع الحركة، في وقت بدا فيه أن غزة تدفع ثمنًا إنسانيًا باهظًا لتجاذبات المصالح الإقليمية والدولية.

الضفة الغربية لم تكن أكثر هدوءًا؛ إذ صعدت إسرائيل من عملياتها الأمنية داخل المخيمات، أبرزها في طولكرم، ما أدى إلى موجات نزوح داخلية، وتوترات متزايدة على الأرض. وفي الشمال، تواصل التوتر على الجبهة اللبنانية، حيث شنّت الطائرات الإسرائيلية غارة جوية استهدفت قياديين من حركة حماس في مدينة طرابلس، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى، ودفع بالمواجهة إلى خارج الأراضي الفلسطينية.

الهجوم على الحوثيين

وفي البحر الأحمر، دخل الصراع مع جماعة الحوثيين اليمنية مرحلة جديدة. في ليلة السادس من يوليو، شنّت إسرائيل ما سمّته “حملة علم أسود”، استهدفت فيها مواقع عسكرية تابعة للحوثيين في الحديدة. رد الحوثيين لم يتأخر، إذ أطلقوا صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل في اليوم التالي، وذلك بالتزامن مع انتهاء الهدنة غير المعلنة بين الجماعة والولايات المتحدة، وهو ما أعاد تأجيج جبهة البحر الأحمر مجددًا.

في خضم هذا التصعيد، خطفت السعودية وإيران الأضواء حين اجتمع ولي العهد محمد بن سلمان مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في جدة، في أول لقاء مباشر منذ سنوات. اللقاء جاء وسط تصعيد إسرائيلي ضد منشآت نووية إيرانية، ومع تهديد طهران بإغلاق مضيق هرمز. رغم التوتر، أبدت إيران استعدادها للعودة إلى المفاوضات، شرط احترام مصالحها، في حين تسعى الرياض إلى ترسيخ دورها كقوة دبلوماسية توازن بين النفوذ الأميركي والغضب الإقليمي.

الشام سوريا لبنان

أما سوريا، فقد اجتمعت عليها الأزمات البيئية والسياسية. فبينما كانت فرق الإطفاء تكافح حرائق ضخمة في جبال الساحل السوري، كانت الطائرات الإسرائيلية تنفذ غاراتها على أهداف يُشتبه بارتباطها بالحرس الثوري الإيراني في محيط دمشق. وفي تحول لافت، أعلنت بريطانيا استئناف علاقاتها الدبلوماسية مع دمشق بعد قطيعة استمرت 14 عامًا، مقرونة بدعم إنساني كبير لإعادة الإعمار، في وقت بدأ فيه ملف اللاجئين يشهد تطورًا ميدانيًا، مع عودة آلاف السوريين من لبنان ضمن خطة مدعومة أمميًا.

قضية الانتهاكات الحقوقية في سوريا عادت إلى الواجهة مجددًا، مع دعوات منظمة العفو الدولية لنشر نتائج التحقيق في مجازر الساحل، والتقارير الدولية حول ممارسات سجن صيدنايا. الحكومة الانتقالية الجديدة تواجه اختبارًا مبكرًا في قدرتها على التعامل مع ملف العدالة الانتقالية والشفافية.

في العراق، برزت مؤشرات إيجابية على الصعيد الاقتصادي، حيث حصلت الحكومة على تمويل ضخم من البنك الدولي لتطوير شبكة السكك الحديدية بين أم قصر والموصل، في إطار ربط البلاد بطريق التنمية البري نحو أوروبا والخليج. كما دخل العراق رسميًا في نظام الترانزيت الدولي (TIR)، ما يُعزز موقعه كممر إقليمي رئيسي. أما على الصعيد الأمني، فرغم الهدوء النسبي، تواصلت القيود على المظاهرات، مع تحذيرات من انزلاق جديد في حال تدهورت الأوضاع المعيشية.

لبنان، بدوره، شهد بعض الاستقرار، لا سيما مع استئناف الرحلات الجوية الدولية وعودة الملاحة في مطارات بيروت. دعم البنك الدولي بمبلغ 250 مليون دولار لإعادة الإعمار منح الحكومة اللبنانية بعض الأمل في كبح التدهور الاقتصادي، خاصة مع استمرار تزويده بالوقود من العراق ضمن اتفاقيات طويلة الأجل. ومع ذلك، فإن التوترات الحدودية مع سوريا، خصوصًا في البقاع، عادت للظهور بعد اشتباكات مع شبكات تهريب مرتبطة بقوى محلية، ما استدعى تعزيزات أمنية واسعة.

خلاصة المشهد، أن المشرق العربي يقف عند تقاطع حساس بين التصعيد والتسوية. فبينما تستعر المواجهات في غزة واليمن، تظهر تحركات سعودية–إيرانية ودولية تحمل نوايا سياسية جديدة، فيما تستعد سوريا والعراق ولبنان لمرحلة إعادة بناء، محفوفة بالعقبات، لكن مدفوعة بديناميكيات إقليمية قد تعيد تشكيل التوازنات في المنطقة خلال الشهور المقبلة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى