الكويت في أسبوع.. “سيادة صلبة” واقتصاد عصيٌّ على الانكسار في مواجهة العواصف الإقليمية

الكويت – مركز العرب
في قلب منطقةٍ لم تتوقف يومًا عن إنتاج الأزمات وتصدير التحولات الجيوسياسية الحادة، تبرز دولة الكويت كنموذج فريد للدولة التي لا تكتفي بمجرد الصمود، بل تفرض حضورها عبر ثنائية “الحكمة الاستراتيجية والمنعة الاقتصادية”. اليوم، وفي ظل تصاعد نبرة التهديدات الإقليمية وتلاطم أمواج الصراعات في الممرات المائية الحيوية، تعيد الكويت التأكيد على عقيدتها الراسخة التي تمزج بين حقها الأصيل في “السيادة الصلبة” والدفاع عن النفس، وبين بناء اقتصاد وطني أثبتت التجارب أنه “عصيّ على الانكسار”.

أمير الكويت: لدينا الحق الكامل في الدفاع عن أنفسنا
بدوره، أكد أمير الكويت الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، أن بلاده تمتلك “الحق الكامل والأصيل” في الدفاع عن سيادتها ومصالحها، مشددًا على أن أمن دول مجلس التعاون الخليجي جزء لا يتجزأ.
وشدد الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، على أن الاعتداءات الإيرانية تعد تعديًا سافرًا على أمن وسيادة واستقرار دول المنطقة.
وقال أمير الكويت: “إن دولة الكويت تؤكد حقها الكامل والأصيل في الدفاع عن نفسها بموجب المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة ردًا على هذا العدوان السافر بما يتناسب مع حجم هذا الاعتداء وشكله”.
واعتبر أن “الاعتداءات التي طالت الدول الشقيقة هي اعتداءات على أمن منطقتنا بأسرها وتهديد مباشر لاستقرارها وسلامها، وأن أمن دول مجلس التعاون كل لا يتجزأ وأي مساس بسيادة أي دولة عضو فيه هو مساس بأمننا الجماعي”.
وأكد الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، “تضامن دولة الكويت الكامل مع أشقائها ودعمها كل ما يتخذ من إجراءات لحماية سيادة دولنا وأمن شعوبنا واستقرارها”.
وأضاف أمير الكويت: “إننا إذ نؤكد أن وطننا خط أحمر وسيادته مصونة بإرادة شعبه وبسالة رجاله ونسائه ولن نسمح لأي دولة كانت بالمساس بأمنه أو استقراره، فإننا ندعو المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته في إدانة هذا العدوان الآثم، واتخاذ المواقف الحاسمة التي تكفل احترام القوانين والمواثيق الدولية”.
وشدد على أن “دولة الكويت بفضل الله ثم وعيكم وتلاحمكم، قادرة على تجاوز كل التحديات، وقد مررنا عبر تاريخنا بمحطات صعبة وخرجنا منها أشد صلابة وقوة وأكثر تلاحمًا وتماسكًا وأعمق إيمانًا بأن هذا الوطن يستحق منا الكثير”.

أمن الخليج كل لا يتجزأ والمساس بأي دولة يهدد أمننا الجماعي
وفي وقت سابق، أكد أمير دولة الكويت مشعل الأحمد الجابر الصباح، أن بلاده تتابع بدقة التطورات المتسارعة في المنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، مشددًا على أن أمن الكويت وسيادتها “خط أحمر” لن يسمح لأي طرف بالمساس به، وذلك عقب ما وصفه باعتداء “غاشم” استهدف المجال الجوي الكويتي وأراضيه ومنشآته المدنية.
وقال الأمير – في كلمة موجهة إلى الشعب الكويتي – إن المنطقة تمر بمرحلة حساسة تتسم بتصعيد غير مسبوق، مما يستدعي أعلى درجات الوعي واليقظة والثقة، مؤكدًا أن فهم التطورات المحيطة والتعامل معها بعقلانية ومسؤولية بات ضرورة وطنية وليس خيارًا.
وشدد على أن اليقظة لا تقتصر على مؤسسات الدولة فقط، بل تشمل جميع أفراد المجتمع، داعيًا إلى تحصين المجتمع من الشائعات ومحاولات إثارة الفتن والحفاظ على الثقة بمؤسسات الدولة، ومؤكدًا أن الوحدة الوطنية تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة التحديات.
وفي سياق متصل، أعلن أمير الكويت أن بلاده تعرضت لاعتداء من دولة جارة مسلمة وصفها بالصديقة، في إشارة إلى إيران، رغم تأكيد الكويت مرارًا عبر قنواتها الدبلوماسية أنها لم تسمح باستخدام أراضيها أو أجوائها أو سواحلها في أي عمل عسكري ضدها.
وأوضح أن الهجمات استهدفت المجال الجوي الكويتي وبعض المرافق المدنية والبنية التحتية، وأسفرت عن سقوط شهداء من منتسبي القوات المسلحة وطفلة، إضافة إلى ضحايا من دول صديقة وعدد من الجرحى والمصابين من المواطنين والمقيمين.
واعتبر الأمير أن هذه الاعتداءات تمثل انتهاكًا صارخًا للأعراف والمواثيق الدولية، وتعديًا سافرًا على سيادة الكويت وأمنها واستقرارها، مشيرًا إلى أنها تتناقض مع مبادئ حسن الجوار والقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
وأكد أن الكويت تحتفظ بحقها الكامل والأصيل في الدفاع عن نفسها وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، مشيرًا إلى أن أي رد سيكون بما يتناسب مع حجم الاعتداء، وبما يتوافق مع قواعد القانون الدولي، مع اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية أراضي الدولة وسكانها.
كما كشف أن القوات المسلحة الكويتية تؤدي مهامها بثبات وكفاءة في مواجهة التهديدات، مؤكدًا أن الأجهزة العسكرية والأمنية والمدنية تعمل بتكامل كامل، وفي حالة جاهزية مرتفعة لضمان أمن البلاد. وأوضح أنه تم توجيه الجهات المختصة إلى رفع مستوى الاستعداد وتعزيز الإجراءات الوقائية وزيادة الانتشار في المواقع الحيوية لضمان سرعة الاستجابة لأي طارئ والحفاظ على الطمأنينة العامة.

“ستاندرد آند بورز” تثبت التصنيف طويل الأجل للكويت عند “AA-“
اقتصاديًا، ثبتت وكالة “ستاندرد آند بورز – S&P Global” تصنيف الكويت طويل الأجل عند “AA-” مع نظرة مستقبلية مستقرة.
وأوضحت الوكالة أن السيناريو الأساسي لديها لا يزال يفترض أن الأصول المالية الضخمة للكويت، ستشكل حاجزًا فعالًا في مواجهة آثار الصراع في الشرق الأوسط.
في المقابل، حذرت الوكالة من أن اضطراب إنتاج النفط وحركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي يمثل شريانًا تجاريًا رئيسيًا للكويت، قد يضغط على النمو الاقتصادي ويؤدي إلى ضعف الأداء المالي خلال عام 2026.

احتياطيات الكويت السيادية تحصِّن الاقتصاد
وفي سياق متصل، أكدت وكالة “موديز” للتصنيفات الائتمانية أن الكويت تمتلك أصولًا مالية سيادية كبيرة واحتياطيات قوية، ما يمنحها قدرة على الحفاظ على استقرارها المالي حتى في حال استمرار إغلاق المضيق لفترة طويلة. وقد أظهرت التجارب السابقة إمكانية اللجوء إلى هذه الأصول في الظروف الاستثنائية لتغطية العجز وتمويل الاحتياجات، ما يدعم قدرتها على مواجهة الصدمات الاقتصادية.
ورغم ذلك، ترى الوكالة أن الكويت تُعد من أكثر الدول الخليجية تعرضًا لتداعيات الصراع، إلى جانب دول أخرى، نظرًا لعدم امتلاكها مسارات بديلة لتصدير النفط بعيدًا عن مضيق هرمز، إضافة إلى تسجيلها عجزًا ماليًا كبيرًا حتى قبل اندلاع الأزمة. كما أن اعتمادها المرتفع على الإيرادات النفطية يجعل أي تعطّل في الصادرات عبر المضيق صعب التعويض من خلال خفض الإنفاق أو زيادة الإيرادات غير النفطية.
في غضون ذلك، أفادت الوكالة بأن تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، عقب الضربات التي استهدفت إيران وما تبعها من ردود فعل إقليمية، يفرض واقعًا جديدًا على اقتصادات المنطقة، مع تفاوت واضح في حجم التأثير بين الدول بحسب مستوى تعرضها للصدمات وقدرتها على امتصاصها.
وأوضحت الوكالة في تقرير حديث، أن العامل الأكثر حسمًا في تحديد الأثر الاقتصادي يتمثل في احتمالية تعطّل مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات العالمية لتجارة النفط والغاز؛ إذ إن أي إغلاق مطوّل لهذا الممر سيؤدي إلى اضطراب واسع في تدفقات الطاقة وسلاسل الإمداد، ما ينعكس مباشرة على الإيرادات الحكومية للدول المصدّرة ويزيد من الضغوط الاقتصادية في المنطقة.

تباين مواجهة الصدمة
تشير «موديز» إلى أن الدول المصدّرة للطاقة في المنطقة لا تتأثر بشكل متساوٍ، حيث تمتلك بعض الدول بدائل استراتيجية مثل خطوط الأنابيب التي تسمح بتجاوز مضيق هرمز، ما يمنحها مرونة أكبر في الحفاظ على صادراتها. في المقابل، تعتمد دول أخرى بشكل شبه كامل على هذا الممر، ما يجعلها أكثر عرضة لأي تعطّل طويل الأمد في حركة التجارة.
وأضاف التقرير أن ارتفاع أسعار النفط قد يخفف جزئيًا من أثر تراجع الصادرات، لكنه لا يشكّل حلًا مستدامًا في حال استمرار الاضطرابات أو تعرض البنية التحتية للطاقة لأضرار مباشرة.
وبيّنت الوكالة أن حجم الأصول المالية السيادية واحتياطيات النقد الأجنبي يمثلان عنصرًا حاسمًا في قدرة الدول على مواجهة الصدمات، فالدول التي تمتلك صناديق ثروة سيادية كبيرة واحتياطيات قوية تستطيع الحفاظ على استقرار أوضاعها المالية حتى في ظل تراجع الإيرادات.
ولفتت «موديز» إلى أن بعض الحكومات أثبتت في أزمات سابقة قدرتها على استخدام هذه الاحتياطيات لدعم اقتصاداتها، سواء من خلال تمويل العجز أو دعم القطاع المالي. غير أن الاعتماد على هذه الموارد يظل محدودًا على المدى الطويل، خصوصًا إذا استمرت الأزمة لفترة ممتدة.
في المقابل، تواجه الدول ذات الاحتياطيات المحدودة ضغوطًا أكبر، إذ تكون قدرتها على امتصاص الصدمات قصيرة الأجل، ما قد ينعكس على استقرار عملاتها ويزيد من احتياجاتها التمويلية الخارجية.
أما الدول غير النفطية أو المستوردة للطاقة، فتتأثر بشكل رئيسي من خلال ارتفاع أسعار النفط والغاز، ما يزيد من تكلفة الاستيراد ويضغط على موازينها الخارجية. كما أن هذه الدول تكون أكثر عرضة لتقلبات أسعار الصرف وارتفاع معدلات التضخم.
وأشارت الوكالة إلى أن بعض الاقتصادات تعتمد بشكل كبير على قطاعات حساسة للثقة مثل السياحة والاستثمار الأجنبي، والتي تتأثر سريعًا بالتوترات الجيوسياسية. ومن شأن تراجع هذه التدفقات أن يضعف النمو الاقتصادي ويزيد من التحديات المالية.
كما أن أي اضطراب في إمدادات الطاقة، خصوصًا الغاز، قد يدفع هذه الدول إلى اللجوء إلى بدائل أكثر تكلفة، ما يفاقم الضغوط على اقتصاداتها.



