الرئيسيةنشرة الأخبار

الكويت في 2025.. إدارة حذرة للمال العام وتوسّع في الشراكات الاقتصادية 

الكويت- مركز العرب

 

شكّل عام 2025 عامًا كاشفًا لمسار دولة الكويت في إدارة اقتصادها وعلاقاتها الخارجية، حيث اتسم الأداء العام بمزيج من التحفظ المالي، والانفتاح الاستثماري، وتوسيع الشراكات الدولية، في ظل بيئة إقليمية ودولية تتسم بتقلبات حادة في أسواق الطاقة، وتشديد السياسات النقدية العالمية، وارتفاع مستويات المخاطر الجيوسياسية.

وبينما لم تنخرط الكويت في مسارات التحول السريع التي انتهجتها بعض الاقتصادات الخليجية الأخرى، فإنها اختارت نهجًا مختلفًا يقوم على التدرج، وإدارة المخاطر، وتعزيز الأصول السيادية، وتحسين جودة الشراكات الاستراتيجية، بما يحافظ على الاستقرار المالي ويعزز دور الدولة إقليميًا ودوليًا.

الكويت مراسم أميرية

الاستثمار في السندات الأميركية… قراءة في السلوك المالي الكويتي

من أبرز المؤشرات الدالة على هذا النهج خلال 2025، الارتفاع اللافت في حيازة الكويت من سندات الخزانة الأميركية، والتي بلغت مستوى قياسيًا جديدًا عند 60.67 مليار دولار بنهاية أكتوبر، مقارنة بـ 50.34 مليار دولار بنهاية ديسمبر 2024، أي بزيادة قدرها 10.33 مليارات دولار خلال عشرة أشهر، وبنمو نسبته 20.5%.

ولا يمكن قراءة هذا التوجه باعتباره تحركًا ماليًا تقنيًا فحسب، بل يعكس استراتيجية سيادية واعية لإدارة الفوائض، وتنويع الاحتياطيات، والتحوّط ضد تقلبات الأسواق. فاختيار السندات الأميركية، رغم تراجع حيازات بعض الدول الأخرى، يدل على تفضيل الكويت للأدوات منخفضة المخاطر، عالية السيولة، والقابلة للتسييل السريع، خصوصًا في مرحلة يشهد فيها الاقتصاد العالمي حالة من عدم اليقين.

وتشير البيانات إلى أن الكويت واصلت زيادة حيازتها على أساس شهري، حيث أضافت 1.24 مليار دولار في أكتوبر وحده، كما ارتفعت حيازتها على أساس سنوي بنحو 9.24 مليارات دولار (18%) مقارنة بأكتوبر 2024. ويلاحظ أن الغالبية العظمى من هذه الاستثمارات تتركز في السندات طويلة الأجل (59.27 مليار دولار)، مقابل 1.4 مليار دولار سندات قصيرة الأجل، وهو ما يعكس رؤية استثمارية مستقرة لا تقوم على المضاربة قصيرة المدى.

الكويت أمير البلاد عمان

الكويت في المشهد الخليجي والعالمي للسندات

عند وضع التحركات الكويتية في سياقها الخليجي، يتضح أن دول مجلس التعاون اتخذت مسارات متباينة في إدارة احتياطياتها. ففي حين حافظت السعودية على استقرار نسبي في حيازاتها عند 134.4 مليار دولار، ورفعت الإمارات حيازتها بوتيرة أسرع لتصل إلى 110.68 مليارات دولار، اختارت الكويت وتيرة تصاعدية محسوبة، دون قفزات حادة.

أما عالميًا، فقد جاءت هذه التحركات في وقت حافظت فيه اليابان على صدارة حاملي السندات الأميركية بأكثر من 1.2 تريليون دولار، تلتها بريطانيا، ثم الصين التي واصلت تقليص حيازتها. وفي هذا السياق، تبدو الكويت جزءًا من مجموعة الدول التي ما زالت ترى في الدين الأميركي ملاذًا آمنًا، رغم تصاعد الجدل حول الاستدامة المالية الأميركية.

الكويت حقل المطربة النفطي

الدين الخارجي… توسّع مضبوط تحت مظلة تشريعية

على صعيد آخر، شهد عام 2025 ارتفاع الدين الخارجي للكويت ليصل إلى 22 مليار دينار كويتي (نحو 71.8 مليار دولار) بنهاية الربع الثاني، بنمو سنوي قدره 8.06%. وجاء هذا الارتفاع متزامنًا مع إقرار قانون التمويل والسيولة (رقم 60 لسنة 2025)، الذي حدد سقف الدين العام عند 30 مليار دينار كحد أقصى، مع إمكانية إصدار أدوات دين بآجال تصل إلى 50 عامًا.

ويُفهم هذا التطور ضمن سياق إعادة بناء أدوات السياسة المالية بعد سنوات من القيود التشريعية، حيث تسعى الدولة إلى توفير مصادر تمويل مرنة لمواجهة التزاماتها دون المساس بالاحتياطيات السيادية. كما أن هيكل الدين، الذي يشمل الحكومة العامة والقطاع الخاص، يعكس انخراطًا أوسع للقطاع المالي في الأسواق الدولية.

غير أن هذا المسار يظل مشروطًا بقدرة الدولة على ربط الاقتراض بأهداف تنموية واضحة، وتجنب تحوله إلى أداة لتمويل الإنفاق الجاري غير المنتج.

الكويت أمير البلاد عمان

النفط… استعادة تدريجية للإنتاج ضمن معادلة «أوبك+»

في قطاع النفط، واصلت الكويت خلال 2025 الالتزام باتفاقات تحالف «أوبك+»، مع بدء الاستعادة التدريجية للكميات المخفضة اعتبارًا من أبريل. وبدأ الإنتاج العام عند مستوى 2.413 مليون برميل يوميًا، ليرتفع تدريجيًا وصولًا إلى نحو 2.48 مليون برميل بنهاية العام.

وتعكس هذه الزيادة التدريجية حرص الكويت على عدم إغراق السوق، والحفاظ على التوازن بين تعظيم الإيرادات النفطية، ودعم استقرار الأسعار العالمية. غير أن التحدي الاستراتيجي الأعمق يظل في محدودية قدرة القطاع النفطي وحده على قيادة النمو طويل الأمد، وهو ما يفسر تركيز الدولة المتزايد على تنويع الشراكات والاستثمارات.

تدريب اتحاد 25 البحري

 الشراكات والاتفاقيات… دبلوماسية اقتصادية نشطة

شهد عام 2025 زخمًا لافتًا في الشراكات الكويتية، عكس تحولًا نوعيًا في الدبلوماسية الاقتصادية للدولة. فقد وقّعت الكويت عشرات الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي شملت الخليج، والعالم العربي، وأوروبا، وآسيا، والولايات المتحدة.

وخليجيًا، أولت الكويت أولوية قصوى لتعزيز عمقها الاستراتيجي، من خلال اتفاقيات مع السعودية في مجالات حماية المنافسة، وتبادل الخبرات المالية، والتعليم العالي، وتنظيم شؤون الحج، إلى جانب توسيع الشراكة مع قطر عبر مذكرات تفاهم في تنمية الصادرات الصناعية والتقييس والتأمينات الاجتماعية.

كما شهدت العلاقات مع الإمارات توسعًا لافتًا، شمل ثماني مذكرات تفاهم في مجالات النقل، والصناعة، والطاقة، والتكنولوجيا المتقدمة، والأمن، ما يعكس إدراكًا كويتيًا لأهمية التكامل الخليجي في مواجهة التحديات الإقليمية.

الكويت غزة السعودية

الانفتاح العالمي… من تركيا إلى الصين

على الصعيد العالمي، نجحت الكويت في توسيع خريطة شراكاتها الاستراتيجية، عبر اتفاقيات مع تركيا، وفرنسا، وبريطانيا، والولايات المتحدة، والصين، وأوزبكستان، شملت مجالات الطاقة، والاستثمار، والنقل، والأمن، والذكاء الاصطناعي، والمدن الذكية.

ويُلاحظ أن هذا الانفتاح لم يكن عشوائيًا، بل استهدف نقل المعرفة، وبناء القدرات، وربط الاقتصاد الكويتي بسلاسل القيمة العالمية، لا سيما في التكنولوجيا والتحول الرقمي.

الكويت عجز الموازنة

القطاع المصرفي… «بيت التمويل الكويتي» كنموذج

برز القطاع المصرفي خلال 2025 كأحد أعمدة الاستقرار الاقتصادي، ويُعد بيت التمويل الكويتي نموذجًا دالًا على هذا الدور. فقد حقق البنك 9 جوائز عالمية مرموقة، واستثمر بشكل مكثف في رأس المال البشري، حيث بلغت نسبة التوطين 83%، ونُفذت نحو 90 ألف ساعة تدريب، إلى جانب تخريج قيادات مصرفية عبر برامج عالمية مثل «هارفارد» و«IE».

ولم يقتصر دور البنك على الأداء المالي، بل امتد إلى المسؤولية الاجتماعية والاستدامة، من خلال مبادرات تعليمية، وصحية، وبيئية، عززت مفهوم القطاع الخاص كشريك تنموي، لا مجرد فاعل اقتصادي

الكويت أمن الخليج العربي

قراءة ختامية… الكويت بين الحذر والطموح

يكشف حصاد الكويت في 2025 عن دولة تفضّل الإدارة الهادئة على القفزات السريعة، وتراهن على الاستقرار المالي، وتنويع الشراكات، وتعزيز الأصول السيادية. فالاستثمار في السندات الأميركية، وضبط الدين العام، والالتزام النفطي، والتوسع الدبلوماسي، كلها مؤشرات على نهج محافظ لكنه واعٍ بالتغيرات العالمية.

غير أن التحدي الأبرز يبقى في تحويل هذا الاستقرار إلى نمو نوعي طويل الأمد، عبر تسريع وتيرة التنويع الاقتصادي، وتعميق دور القطاع الخاص، وربط الشراكات الدولية بمخرجات تنموية ملموسة.

يمكن القول إن عام 2025 مثّل للكويت عام تثبيت المسار أكثر من كونه عام تحولات جذرية. فقد عززت الدولة أدواتها المالية، ووسعت حضورها الدبلوماسي، وحافظت على استقرارها الاقتصادي، في انتظار مرحلة قادمة تتطلب قرارات أكثر جرأة لترجمة هذا الرصيد إلى قفزة تنموية شاملة.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى