السودان في أسبوع.. الجيش يحقق نجاحات في كردفان والحياة تعود للعاصمة والمدن المحررة

الخرطوم – مركز العرب
منذ اندلاع الحرب بالسودان في 15 أبريل 2023، دخلت البلاد واحدة من أعقد أزماتها في تاريخها الحديث، حيث تداخلت الأبعاد السياسية والعسكرية والإنسانية في مشهد شديد التعقيد، جعل السودان يتصدر قائمة الأزمات الأكثر إلحاحًا على مستوى العالم. الصراع الذي اندلع بين الجيش السوداني و”قوات الدعم السريع” لم يكن مجرد مواجهة عسكرية عابرة؛ بل جاء تتويجًا لتراكمات طويلة من التوترات البنيوية داخل الدولة السودانية، وفشل مسارات الانتقال السياسي التي أعقبت سقوط نظام عمر البشير.
في هذا السياق، لم تفلح الوساطات الدولية والإقليمية المتكررة في وقف إطلاق النار، أو حتى تثبيت هدنة دائمة، ما أدى إلى استمرار النزاع وتفاقم تداعياته الإنسانية، حيث تشير التقديرات إلى مقتل عشرات الآلاف، ونزوح ما يقرب من 12 مليون شخص داخل البلاد وخارجها، فضلًا عن انهيار واسع في الخدمات الأساسية، لا سيما في قطاعات الصحة والغذاء والتعليم. ومع دخول الحرب عامها الثالث، بات واضحًا أن الأزمة السودانية لم تعد مجرد صراع داخلي؛ بل تحولت إلى ملف دولي تتقاطع فيه المصالح الإقليمية والدولية.

مؤتمر برلين.. دبلوماسية بلا أطراف النزاع
في خضم هذه الأزمة، جاء انعقاد المؤتمر الدولي الثالث حول السودان في العاصمة الألمانية برلين، ليعيد تسليط الضوء على المسار الدولي للتعامل مع الأزمة، وهو المسار الذي بدأ في باريس عام 2024، ثم تواصل في لندن عام 2025، وصولًا إلى برلين. المؤتمر، الذي قادته ألمانيا بمشاركة الاتحاد الأوروبي وعدد من القوى الغربية والإقليمية، هدف بالأساس إلى حشد الدعم الإنساني والمالي للسودان، في ظل تراجع الاهتمام الدولي نتيجة أزمات عالمية أخرى؛ مثل الحرب في أوكرانيا والتوترات في الشرق الأوسط.
وقد أسفر المؤتمر عن تعهدات مالية تجاوزت 1.5 مليار دولار، وهو رقم يعكس إدراكًا دوليًا لحجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها السودان. إلا أن هذه التعهدات، على أهميتها، لم تكن كافية لتغطية الفجوة الهائلة في الاحتياجات الإنسانية، كما أنها أثارت جدلًا واسعًا بسبب طبيعة المؤتمر ذاته.

أبرز نقاط الجدل تمثلت في غياب طرفي النزاع الرئيسيين، أي الحكومة السودانية و”قوات الدعم السريع”، عن المشاركة في المؤتمر، وهو ما عدّته الخرطوم انتهاكًا صريحًا لسيادتها الوطنية. هذا الاستبعاد أعاد طرح تساؤلات جوهرية حول جدوى المؤتمرات الدولية التي تناقش أزمات الدول دون إشراك حكوماتها، ومدى قدرتها على إنتاج حلول حقيقية ومستدامة.
الاحتجاج الرسمي السوداني، الذي تجسد في مذكرة قدمتها السفيرة السودانية في برلين، لم يكن مجرد موقف دبلوماسي عابر، بل عكس شعورًا متزايدًا لدى الحكومة بأن بعض المبادرات الدولية تتجاوزها، وربما تسعى إلى فرض رؤى خارجية لا تتسق بالضرورة مع أولويات الداخل. هذا الشعور تعزز أيضًا من خلال الاحتجاجات التي نظمها ناشطون سودانيون أمام مقر المؤتمر، والذين اعتبروا أن المؤتمر لا يمثل الإرادة الشعبية، بل يعكس توازنات دولية معقدة.
من ناحية أخرى، يرى بعض المراقبين أن استبعاد طرفي النزاع قد يكون محاولة لتجنب شرعنة أحدهما أو إعطاء غطاء سياسي للصراع، إلا أن هذا الطرح يظل محل نقاش، خصوصًا في ظل الحاجة إلى حلول سياسية تتطلب بالضرورة إشراك جميع الأطراف الفاعلة.

عقوبات دولية على المرتزقة
بالتوازي مع المسار الدبلوماسي، شهدت الفترة الأخيرة تصعيدًا في الإجراءات الدولية، تمثل في فرض عقوبات أمريكية على شبكة متورطة في تجنيد مقاتلين أجانب للقتال في السودان بجانب ميليشيا الدعم السريع، خصوصًا من كولومبيا، هذه الخطوة تكشف عن بعد جديد في الصراع، يتمثل في تدويل الحرب عبر استقدام مقاتلين أجانب، وهو ما يزيد من تعقيد الأزمة ويصعب من فرص تسويتها.
العقوبات التي استهدفت أفرادًا وشركات لعبت دورًا في عمليات التجنيد والنقل، تعكس قلقًا دوليًا متزايدًا من تحول السودان إلى ساحة صراع بالوكالة، حيث تتداخل مصالح أطراف متعددة. كما أنها تسلط الضوء على أحد أبرز التحديات التي تواجه أي تسوية مستقبلية، وهو ملف المقاتلين الأجانب والمرتزقة.

تقدم الجيش وإعادة تشكيل التوازنات
على الصعيد العسكري، شهدت الأشهر الأخيرة تحولات لافتة في ميزان القوى، حيث تمكن الجيش السوداني من تحقيق تقدم ميداني في عدة مناطق، لا سيما في ولايتي شمال وجنوب كردفان، عبر عدد من العمليات العسكرية التي أطلقها الجيش، بدعم من قوات مساندة، أسفرت عن استعادة السيطرة على مناطق استراتيجية مثل كازقيل والحمادي، وتأمين الطرق الحيوية المؤدية إلى مدينة الأبيض.
هذا التقدم يعكس عدة دلالات مهمة. أولًا، يشير إلى قدرة الجيش على إعادة تنظيم صفوفه واستعادة زمام المبادرة بعد فترة من التراجع النسبي. ثانيًا، يعزز من موقعه التفاوضي في أي عملية سياسية مستقبلية، حيث إن السيطرة على الأرض تظل عاملًا حاسمًا في تحديد موازين القوى.
كما أن الخطاب العسكري الذي رافق هذه العمليات، والذي دعا مقاتلي “الدعم السريع” إلى تسليم أسلحتهم، يعكس توجهًا نحو الحسم العسكري، أو على الأقل محاولة فرض وقائع ميدانية جديدة قبل الدخول في أي مفاوضات.
في المقابل، لا تزال “قوات الدعم السريع” تحتفظ بقدرات قتالية معتبرة، خصوصًا في مناطق دارفور، وهو ما يعني أن الصراع لم يُحسم بعد، وأن البلاد قد تشهد جولات جديدة من القتال، ما لم يتم التوصل إلى تسوية سياسية شاملة.
بوادر التعافي.. عودة الحياة إلى الخرطوم
رغم استمرار القتال في بعض المناطق، تشير تقارير رسمية إلى تحسن نسبي في الأوضاع في العاصمة الخرطوم، حيث بدأت الحياة تعود تدريجيًا، مع عودة بعض السكان من دول الجوار، وتزايد نشاط المنظمات الإنسانية.
هذا التحسن، وإن كان محدودًا، يحمل دلالات إيجابية؛ إذ يعكس إمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار في بعض المناطق، وهو ما قد يشكل نقطة انطلاق لجهود أوسع لإعادة الإعمار. كما أنه يعزز من ثقة المجتمع الدولي في قدرة السودان على التعافي، ما قد يشجع على زيادة الدعم الدولي.
“مارشال السودان”.. رؤية لإعادة البناء
في خضم هذه التطورات، تبرز مبادرة “مارشال السودان” كإطار استراتيجي لإعادة الإعمار، مستلهمة تجربة مشروع مارشال الذي أطلقته الولايات المتحدة لإعادة بناء أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. هذه المبادرة، التي أعلن عنها رئيس الوزراء السوداني، تهدف إلى إعادة بناء البنية التحتية، وتشغيل القطاعات الإنتاجية، واستثمار الموارد الطبيعية الهائلة التي يمتلكها السودان.
أهمية هذه المبادرة تكمن في أنها لا تقتصر على إعادة الإعمار المادي، بل تسعى إلى إعادة بناء الاقتصاد الوطني على أسس جديدة، من خلال جذب الاستثمارات، وتحفيز القطاع الخاص، وإعادة هيكلة السياسات النقدية. كما أنها تضع السلام في صدارة الأولويات، باعتباره شرطًا أساسيًا لأي عملية تنموية.
غير أن نجاح هذه الخطة يظل مرهونًا بعدة عوامل؛ أبرزها تحقيق الاستقرار الأمني، وتوفير التمويل اللازم، وتعزيز الثقة بين الحكومة والمجتمع الدولي.
أزمة الديون.. العقبة الكبرى
أحد أبرز التحديات التي تواجه السودان في مرحلة ما بعد الحرب هو ملف الديون الخارجية، الذي يمثل عبئًا ثقيلًا على الاقتصاد. في هذا السياق، تسعى الحكومة السودانية إلى استئناف التعاون مع المؤسسات المالية الدولية، والانضمام مجددًا إلى مبادرة إعفاء الديون للدول الفقيرة المثقلة بالديون.
اللقاءات التي عقدها الوفد السوداني مع مسؤولي البنك الدولي وصندوق النقد الدولي تعكس إدراكًا رسميًا لأهمية هذا الملف، حيث إن معالجة الديون تمثل مفتاحًا للحصول على التمويل اللازم لإعادة الإعمار. كما أن استعادة الثقة في الاقتصاد السوداني تعدّ شرطًا أساسيًا لجذب الاستثمارات.
المستقبل.. بين التحديات والفرص
في ضوء ما سبق، يمكن القول إن السودان يقف عند مفترق طرق حاسم. فمن ناحية، لا تزال التحديات كبيرة، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي أو السياسي. ومن ناحية أخرى، تلوح في الأفق فرص حقيقية للتعافي، إذا تم استثمارها بشكل صحيح.
نجاح أي مسار مستقبلي يتطلب أولًا وقفًا شاملًا لإطلاق النار، يتبعه حوار سياسي شامل يضم جميع الأطراف، ويعالج جذور الأزمة، وليس فقط مظاهرها. كما يتطلب دعمًا دوليًا حقيقيًا، لا يقتصر على المساعدات الإنسانية، بل يشمل الاستثمار في التنمية طويلة الأجل.
وفي هذا الإطار، يبقى التحدي الأكبر هو تحقيق التوازن بين الحفاظ على السيادة الوطنية والانخراط في النظام الدولي، بما يتيح للسودان الاستفادة من الدعم الخارجي دون التفريط في قراره الوطني.
وختامًا فإن الأزمة السودانية، بكل تعقيداتها، تمثل نموذجًا صارخًا للتحديات التي تواجه الدول الهشة في عالم اليوم، حيث تتداخل العوامل الداخلية والخارجية في تشكيل مسارات الصراع والسلام. وبينما يكشف الجدل حول مؤتمر برلين عن إشكاليات عميقة في إدارة المجتمع الدولي للأزمات، تعكس التحولات الميدانية وإطلاق مبادرات إعادة الإعمار وجود ديناميكيات جديدة قد تفتح الباب أمام مرحلة مختلفة.
غير أن الانتقال من الحرب إلى السلام، ومن الدمار إلى البناء، لن يكون سهلًا أو سريعًا. إنه مسار طويل يتطلب إرادة سياسية، وتوافقًا وطنيًا، ودعمًا دوليًا حقيقيًا. وفي نهاية المطاف، يبقى مستقبل السودان مرهونًا بقدرة أبنائه على تجاوز الانقسامات، وبناء دولة قادرة على تحقيق الاستقرار والتنمية



