
محمد الأمين أبوزيد
منذ تشكل الدولة الوطنية العربية ظل سؤال أزمتها مطروحًا بإلحاح، غير أن هذا السؤال على بساطته يخفي تعقيدًا نظريًا عميقًا تناوله مفكرون عرب من زوايا متعددة. إنه سؤال مركب لأن الأزمة مزدوجة، ولأن أزمة السلطة هي الأصل وأزمة الهوية هي النتيجة.
يطرح السؤال غالبًا بصورة تبسيطية؛ هل هي أزمة حكم أم أزمة انتماء؟ لكنه يخفي افتراضًا منهجيًا خاطئًا؛ وهو الفصل بين الدولة بوصفها جهاز سلطة والهوية بوصفها بناءً رمزيًا.
الدولة الحديثة كما بين ماكس فيبر هي احتكار مشروع للعنف داخل إطار شرعية وهذه الشرعية لا تبنى إلا عبر رابطة رمزية سياسية بين السلطة والمجتمع.
تعاني الدولة الوطنية العربية منذ نشأتها من:
1-ضعف الشرعية السياسية، سلطة لا تقوم على عقد اجتماعي حقيقي.
2-احتكار السلطة وغياب التداول والمساءلة.
3-الدولة الأمنية التي تقدم الاستقرار القسري على المشاركة السياسية.
4-فشل التنمية والعدالة الاجتماعية.
5-دولة نشأت على أنقاض مشروع استعماري حملت ملامحه وحافظت على ركائزه بنخب حاكمة مدجنة، بسبب فشل الدولة في تمثيل مواطنيها برزت هويات بديلة (طائفية، قبلية، جهوية، مذهبية). لم تتطابق الدولة مع المجتمع فحدث انفصال، يبقى السؤال: هل الحل في إصلاح الدولة؟ أم إعادة تعريف الهوية الجامعة؟
أزمة الدولة العربية الوطنية أزمة تشكل تاريخي لم تكتمل شروطه، وهو ما تناوله عفلق والجابري والعروي كلٌّ من زاوية مختلفة تعكس تصورًا مغايرًا للعلاقة بين العقل والتاريخ والأمة.
يشير الصديق الباحث أحمد محمود المهتم بقضايا التراث والحداثة إلى أنه عندما يتم الحديث عن مسار الدولة الوطنية العربية، التي صاحبها الخلل البنيوي منذ نشأتها نتيجة لكونها كانت ظاهرة طارئة فرضتها القوي الاستعمارية ولم تكن تطورًا طبيعيًا يربط بين الحلقات الثلاث؛ الماضي، والحاضر، والمستقبل، وعند فشل هذه الدولة وبعد خروج المستعمر حاول البعض الذهاب نحو التراث للبحث عن حلول، ولهذا فقد تم طرح سؤال الأصالة والمعاصرة وبنبرة عالية عبر العقود الماضية دون وجود مخرج حقيقي من أزمة الدولة الوطنية العربية. برز سؤال الهوية نتيجة الفشل.. المقاربة بين الجابري والعروي وعفلق تعكس هذا الهم مع تباين موقف كل منهم، ففي حين ينشبك الجابري وعفلق داخل الرؤية القومية، يذهب العروي نحو الحداثة الغربية ويتكئ عليها مجادلًا بأنه إما أن تكون هنالك حداثة كلية أو لا حداثة.. لقد نهضت دولة مثل اليابان دون أن تتخلى عن تراثها، بل وظفته إيجابيًا في حداثتها، وهذا أمر يتطلب القطيعة المنهجية مع التراث، أي غربلة التراث وتوظيف الإيجابي منه في مسار الحداثة حتى لا يصبح التراث عقبة أمام الحداثة حين استيراد النماذج البالية منه.
- محمد عابد الجابري يندرج تحليله ضمن مشروعه الأوسع في نقد العقل العربي، وبخاصة في كتابه العقل السياسي العربي 1990، ينطلق الجابري من فرضية إبستمولوجية (معرفية) مفادها أن أنماط الحكم في العالم العربي لا تعتمد مفاهيم الدولة الحديثة، بل عبر بنية تراثية فاعلة. يعيد الجابري قراءة التجربة السياسية الإسلامية من خلال 3 محددات؛ هي:
العقيدة الشرعية المستمدة من المطلق (الدين، الآيديولوجيا).
القبلية: العصبية بوصفها منطق تنظيم السلطة.
الغنيمة: الاقتصاد الريعي كأساس للولاء السياسي.
يرى أن هذه المحددات لم تفكك مع نشوء الدولة الوطنية، بل أعيد إنتاجها داخلها، لذلك هي حديثة في الشكل، تقليدية في الجوهر (الدولة).
لا يرى الجابري أزمة هوية مستقلة، بل إن الهوية تستدعى سياسيًا حين تفشل السلطة في بناء شرعية عقلانية، فالهوية الدينية أو القومية تصبح أداة تعويض عن غياب المواطنة.
يؤخذ على الجابري ميله إلى التفسير الثقافوي للأزمة والتقليل من دور العوامل المادية الاقتصاد السياسي للعنف والدولة العميقة. بافتراض أن إصلاح العقل يقود تلقائيًا إلى إصلاح الدولة.
- عبد الله العروي
يمثل العروي الاتجاه الحداثي الجذري في الفكر العربي، ينطلق العروي من التاريخانية، ويرى أن الدولة ليست خيارًا ثقافيًا، بل ضرورة تاريخية مرتبطة بتطور الرأسمالية والقانون والعقلانية، وعليه فإن المجتمعات التي لم تمر بهذه الشروط لا تستطيع إنتاج دولة حديثة كاملة.
يعتبر العروي أن سؤال الهوية سؤال يطرح عندما تفشل الدولة، فالهوية عنده خطاب آيديولوجي دفاعي يعوض العجز عن تحقيق المواطنة، والقانون، والعقلانية المؤسسية، ومن ثم، فإن الأزمة هي أزمة سلطة لأزمة هوية.
يدعو العروي إلى تبني الدولة الحديثة كقطيعة مع التراث السياسي، سلطة مركزية قوية مرحليًا. السؤال الذي يقفز هنا هل يمكن بناء دولة الحداثة السياسية المدنية دون ديمقراطية؟
- ميشيل عفلق
يستند عفلق إلى أداة تحليل للمجتمع بكل مكوناته التاريخية والثقافية والاجتماعية والسياسية، هي المنهج العلمي الجدلي التاريخي الذي قام على نقد المذاهب التي سبقته (القومية التقليدية، والماركسي، ومنهج الإخوان).
انطلق تفكير عفلق ضمن إطار تنظيمي جماعي (الحركة والحزب) ما أبعد التفكير والمنهج عن صفة الجمود، على النقيض من الجابري والعروي اللذين انطلقا من زاوية التفكير الفردي ولم يدعوَا لحركة سياسية تتبنى أطروحاتهما.
يرى عفلق أن الأمة أسبق وهي شرط الدولة، والدولة القطرية بنظره هي نتاج تقسيم استعماري، ويرجع فشلها إلى غياب الوعي القومي والبعد الحضاري والنظرة القومية الاستراتيجية.
الرسالة
انطلق عفلق من ثلاثية جدل التجزئة والتخلف والتبعية كتحليل لأزمة المجتمع العربي، وخلص إلى نظرية قومية في الوحدة والحرية والاشتراكية.
الهوية عنده هي الهوية القومية للأمة بمكوناتها المتعددة، والبعد القومي هو المحرك الأساسي للصراع الاجتماعي والاقتصادي والتاريخي، أي أن الأزمات الوطنية للدولة هي انعكاس للصراع القومي للأمة مع أعدائها التاريخيين.
في هذه المقاربة نقف عند مساهمات المفكر العربي محمد الشرفاء الحمادي من خلال كتابه “إعادة بناء النظام العربي وتحقيق الوحدة والتضامن”.
يقدم من خلاله المفكر العربي رؤية ترتكز على هدفي الوحدة والتضامن بين الدول العربية، باعتبارهما المدخل الحقيقي للنهضة، مركزًا على فكرة تجديد النظام العربي بصياغة ميثاق جديد وإعادة هيكلة الجامعة العربية مع تبني آليات مرنة لتعزيز العمل العربي المشترك، وفي الجانب الأمني يطرح فكرة إنشاء مجلس للأمن القومي العربي يعمل على وضع استراتيجيات دفاعية مشتركة.
وفي المجال الاقتصادي، يؤكد المفكر العربي الشرفاء على التنمية الاقتصادية الشاملة التي تقوم على استثمار الموارد العربية، محذرًا في الوقت ذاته من مخاطر العولمة الاقتصادية التي ينبغي أن تواجه برؤية إنتاجية مشتركة.
إن رؤية المفكر العربي محمد الشرفاء الحمادي تتميز بقدر عالٍ من الواقعية والعملية المستندة إلى قراءة موضوعية للواقع العربي وممكنات تطوره والقدرات الفعلية للنهوض والتقدم. وهي رؤية سنحاول استعراضها في مقاربة فكرية منفصلة قريبًا.
خلاصة
إذا قورنت هذه الأطروحات بنظرية الدولة الحديثة عند فيبر وهابرماس وتشارلز تيلى، يتبين أن الجابري يركز على الشرعية الرمزية، والعروي يركز على البنية التاريخية، وعفلق على الانتماء القومي الثقافي والحضاري والتاريخي.
إن الدولة الحديثة تتطلب شرعية عقلانية مستمدة من إرادة الشعب ومؤسسات قانونية وهوية سياسية جامعة، وأي فصل بين هذه العناصر ينتج دولة ناقصة.
أزمة الدولة الوطنية العربية ليست أزمة مادية البعد؛ بل أزمة تشوه في عملية التشكل (سلطة، تاريخ، أمة) وتجاوز الأزمة في تفكيك المشاريع نقديًا وبناء دولة قانون وسلطة خاضعة للمساءلة وهوية سياسية مدنية موحدة.



