
إعداد/ د. عمر حسين بوشعالة- اكاديمي وخبير في إدارة الأزمات
تثير العلاقة بين الإرهاب والهجرة غير النظامية نقاشا يتداخل فيه الأمني بالسياسي والإنساني. فكلما تصاعدت حركة العبور عبر الحدود، تجددت المخاوف من احتمال استغلالها بواسطة جماعات إرهابية، أو توظيف شبكات التهريب في نقل الأفراد وتوفير التمويل. غير أن الانتقال من الاعتراف بهذه المخاطر إلى اعتبار الهجرة غير النظامية مصدرا مباشرا للإرهاب يمثل قفزة تفسيرية تحتاج إلى مراجعة. فوجود تقاطعات بين الظاهرتين لا يعني تطابقهما، كما أن وقوع حالات محددة لا يكفي لإثبات علاقة سببية عامة.
تنطلق هذه الدراسة من فكرة أن العلاقة بين الإرهاب والهجرة غير النظامية علاقة مشروطة بالسياق، تتوسطها عوامل مثل النزاعات وضعف مؤسسات الدولة واقتصاد الجريمة، وفهم هذه العلاقة يقتضي التمييز بين المهاجر الذي يبحث عن الأمان أو العمل، والشبكة التي تستغل حاجته، والفاعل الإرهابي الذي قد يستفيد من بعض مسارات الحركة غير المشروعة.
أولا: ـ ضبط المفاهيم قبل بناء الأحكام
تشير الهجرة غير النظامية، في معناها العام، إلى حركة الأشخاص أو إقامتهم خارج المتطلبات القانونية المنظمة للدخول أو الإقامة أو العمل، وهي لا تعني بالضرورة الاستعانة بمهربين، فقد يدخل الشخص بصورة نظامية ثم تصبح إقامته غير نظامية لاحقًا.
أما تهريب المهاجرين فيتعلق بتسهيل الدخول غير المشروع إلى دولة، مقابل منفعة مالية أو مادية، بينما يتمحور الاتجار بالأشخاص حول الاستغلال، وقد يقع داخل الدولة نفسها دون عبور حدود دولية. ويمكن أن تتحول رحلة تهريب إلى حالة اتجار عندما يتعرض الشخص للإكراه والاستغلال، لكن هذا التداخل لا يلغي اختلاف الجريمتين، ويؤكد مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة ضرورة الحفاظ على هذا التمييز.
ولأغراض هذا التحليل، يقصد بالإرهاب استخدام العنف أو التهديد به لتحقيق غايات سياسية أو أيديولوجية من خلال ترويع السكان أو الضغط على السلطات، ومن ثم لا يصح التعامل مع مخالفة قواعد الدخول أو الإقامة بوصفها دليلا على الانتماء الإرهابي. كما أن وصف جماعة بأنها مسلحة لا يكفي وحده لتصنيفها جماعة إرهابية؛ إذ يحتاج الأمر إلى تحديد طبيعة نشاطها والأدلة المرتبطة به.
ثانيا: ـ الإرهاب بوصفه عاملا دافعا للهجرة
أحد أوجه العلاقة يتمثل في أن الإرهاب والعنف المرتبط به قد يدفعان السكان إلى مغادرة مناطقهم. فالاعتداءات والتهديدات واستهداف المدنيين وتقويض سبل المعيشة يمكن أن تجعل البقاء أكثر خطرا من الرحيل، وقد تبدأ الحركة بنزوح داخلي، ثم تتحول إلى عبور دولي إذا استمر انعدام الأمن أو تعذر الوصول إلى الحماية.
وحين تغيب المسارات النظامية المتاحة، قد يلجأ بعض الفارين إلى شبكات التهريب، وفي هذه الحالة تكون الحركة غير النظامية نتيجة لبيئة العنف وانسداد البدائل، ولا يجوز الاستدلال منها على تبني المهاجرين أفكار الجهات التي يهربون منها. وتؤكد المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن مناقشة الضمانات الأمنية ينبغي أن تراعي أن اللاجئين يفرون من الاضطهاد والعنف، بما فيه الإرهاب.
ومع ذلك، لا ينبغي تفسير جميع التحركات السكانية بالإرهاب؛ فدوافع الهجرة قد تجمع بين البحث عن العمل، وتدهور الخدمات، والروابط الأسرية، والنزاعات. وقد تتداخل هذه الأسباب داخل التجربة الفردية نفسها، بما يجعل اختزالها في عامل واحد قراءة ناقصة. ومن هنا يطرح سؤال
أين يحدث الارتباط الفعلي؟
يظهر التقاطع الأكثر قابلية للفحص في العلاقة بين بعض الجماعات الإرهابية وشبكات الاقتصاد غير المشروع، فقد تستفيد الجماعات من السيطرة على طرق العبور، أو فرض إتاوات على المهربين، أو توفير الحماية مقابل المال، وهنا يتعلق الارتباط بتنظيم السوق غير المشروعة والعوائد المتحصلة منها، أكثر مما يتعلق بالمهاجرين بوصفهم جماعة بشرية.
ويعرض “تقرير أممي” عن تهريب المهاجرين على مسارات وسط وغرب المتوسط شواهد على صلات بين جماعات مسلحة وشبكات تهريب في منطقة الساحل، تشمل فرض رسوم مرور وتوفير الحماية، كما يناقش حالات تقاطع مع جماعات إرهابية، وتوضح هذه الشواهد أن أشكال العلاقة تختلف بين السيطرة والتعاون والاستغلال، ولا تتخذ نمطا واحدا ثابتا. (unodc.org)
وقد تشمل المخاطر أيضا استخدام خدمات التهريب أو الوثائق المزورة لتسهيل حركة أفراد مرتبطين بالإرهاب، وهو احتمال تناقشه المواد التعليمية الأممية المتعلقة بالصلة بين الجريمة المنظمة والإرهاب. لكن إثباته في واقعة معينة يحتاج إلى أدلة تخص الأشخاص والمسار المستخدم، ولا يبرر تعميم الاشتباه على جميع العابرين.
ومن المهم كذلك التمييز بين وقوع المهاجر تحت الابتزاز أو الإكراه وبين مشاركته الطوعية في نشاط إجرامي، فدفع المال تحت التهديد، أو التعرض للاحتجاز والاستغلال، يستدعي فحص وضع الضحية وظروف الواقعة قبل إصدار الأحكام.
ثالثا: ـ حدود العلاقة ومشكلة السببية
التزامن بين ارتفاع الهجرة غير النظامية ووجود نشاط إرهابي لا يثبت أن الأولى سببت الثاني. فقد تكون الظاهرتان انعكاسًا لسبب مشترك، مثل انهيار سلطة الدولة أو استمرار الصراع. فالبيئة التي تسمح لشبكات التهريب بالعمل قد تتيح أيضا للجماعات الإرهابية الحركة والتمويل، دون أن تكون الهجرة نفسها هي العامل المنتج للإرهاب.
وتبرز هنا أهمية التفريق بين ثلاثة مستويات: “وجود الظاهرتين في المكان نفسه”، و”تعاون أطراف محددة مرتبطة بهما”، و”ثبوت تأثير إحداهما في الأخرى”. ولكل مستوى متطلبات مختلفة من الأدلة. فإثبات تعاون بين شبكة تهريب وجماعة إرهابية لا يكفي وحده لتحديد مدى انتشار هذا التعاون، أو حجم عوائده، أو أثره في العمليات الإرهابية.
كما أن قياس العلاقة يتطلب بيانات دقيقة تميز بين المهاجرين والمهربين وضحايا الاتجار، وبين الاشتباه والإدانة، وبين الجماعات المسلحة والتنظيمات الإرهابية. وإذا غابت هذه الفروق، تصبح الأرقام قابلة للاستخدام في بناء استنتاجات تتجاوز ما تثبته فعليا.
رابعا: ـ ليبيا والمجال الإقليمي المحيط
بالنسبة إلى ليبيا، يكتسب الموضوع أهمية من اتصالها بمسارات الحركة بين الساحل والصحراء والمتوسط، غير أن القراءة الاستراتيجية ينبغي أن تتجاوز اعتبار كل عبور غير نظامي تهديدا إرهابيا، وأن تسأل عن الجهات التي تدير المسارات، وآليات تحصيل الأموال، والروابط بين الوسطاء، ومدى قدرة المؤسسات على التحقيق والمتابعة.
ويقدم تقرير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة شواهد على تقاطعات بين الجريمة المنظمة والتطرف العنيف في الساحل وليبيا، ضمن سياقات لا تسيطر فيها السلطات على أجزاء واسعة من الأراضي. وتدعم هذه المعطيات أهمية دراسة الشبكات والبيئات الحاضنة لها، لكنها لا تكفي لافتراض أن جميع المسارات أو المهاجرين مرتبطون بالإرهاب.
فإن الخطر الأعمق يتمثل في تحول حركة البشر إلى مورد ضمن اقتصاد غير مشروع، تستفيد منه جهات متعددة. لذلك، ينبغي أن تبنى المعالجة على معرفة من يسيطر ومن يمول ومن يستغل، بدل الاكتفاء بإحصاء العابرين.
خامسا: ـ نحو استجابة متوازنة
تحتاج مواجهة المخاطر إلى إجراءات أمنية تستند إلى الأدلة والتقييم الفردي، وتحقيقات مالية تتبع عوائد التهريب، وتعاون بين دول المنشأ والعبور والمقصد. كما تتطلب تطوير التسجيل والتحقق من الهوية، وحماية المعلومات الشخصية، وتوفير إجراءات واضحة للإحالة إلى الجهات المختصة.
وتكتسب حماية الضحايا والشهود أهمية عملية؛ لأنها تتيح الوصول إلى معلومات عن الشبكات وأساليب عملها. كذلك، فإن توسيع المسارات النظامية الممكنة وتحسين إدارة الهجرة قد يقللان من الاعتماد على الوسطاء غير المشروعين. وتؤكد المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن حماية اللاجئين وأمن الدول هدفان يمكن أن يتكاملا.
أما إعلاميا، فينبغي استخدام أوصاف دقيقة، وتجنب ربط جنسية معينة أو وضع إقامة محدد بالإرهاب، فالدقة تساعد الجمهور وصانع القرار على تحديد الخطر الحقيقي، وتمنع تحويل قضية معقدة إلى اتهام جماعي.
إن العلاقة بين الإرهاب والهجرة غير النظامية تستحق البحث، لكنها لا تحتمل الأحكام المسبقة. فقد يكون الإرهاب سببا للفرار، وقد تستغل بعض الجماعات مسارات التهريب وعوائدها، وقد تنمو الظاهرتان في بيئة مؤسسية واحدة. وتبقى مهمة السياسة العامة هي تفكيك هذه الروابط بالأدلة، وملاحقة المسؤولين عنها، مع حماية من وقعوا ضحية لها، وعلى هذا الأساس يمكن بناء استجابة تحمي سيادة الدولة وأمن المجتمع وكرامة الإنسان.
المراجع
بن حمودة، زياد. (2020). أمننه الهجرة في السياسة المتوسطية: بين الضرورات الأمنية والمتطلبات الإنسانية. تونس: مجمع الأطرش للكتاب المختص.
خليفة، عبد العزيز. (2017). المسؤولية الدولية عن مكافحة تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر. القاهرة: دار النهضة العربية
الطيب، علي عبد اللطيف. (2021). الهجرة غير النظامية عبر الحوض الأوسط للمتوسط: المسارات والأبعاد الجيوسياسية. بنغازي: دار الكتب الوطنية.
معهد الأمم المتحدة الإقليمي لبحوث الجريمة والعدالة (UNICRI). (2017). تقاطع الإرهاب بالجريمة المنظمة في شمال إفريقيا والساحل. تورينو
المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. (2001). عشرة شواغل بشأن حماية اللاجئين في أعقاب أحداث 11 سبتمبر.
المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. (2017). الأمن وحماية اللاجئين هدفان متكاملان.
المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. (2018). معالجة المخاوف الأمنية مع الحفاظ على حماية اللاجئين. المبادئ التوجيهية للأنشطة الميدانية، جنيف.
مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC). (2019). سلسلة المبادرة التعليمية من أجل العدالة (E4J): الصلة بين الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود. فيينا.
مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC). (2020). تهريب المهاجرين والجريمة المنظمة في منطقة الساحل ووسط المتوسط. نينوى/جنيف.
مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة. (2019). الوحدة 16: الروابط بين الجريمة المنظمة والإرهاب.
مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة. الروابط بين تهريب المهاجرين وأشكال أخرى من الجريمة المنظمة على مسارات وسط وغرب المتوسط.
مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة. تهريب المهاجرين: أسئلة شائعة.
Lacher, Wolfram (2012). Organized Crime and Conflict in the Sahel-Sahara Region. Carnegie Endowment for International Peace
Makarenko, Tamara (2004). The Crime-Terror Continuum: Tracing the Interconnections between Transnational Organised Crime and Terrorism. Global Crime, 6(1), 129-145.
Reitano, Tuesday, & Shaw, Mark (2015). Fixing a Fractured State? Breaking the Crime-Conflict Nexus in Libya. Global Initiative Against Transnational Organized


