رأي

اقتصاد التوكنز. . كيف أصبح الذكاء الاصطناعي يعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي ويشعل سباقًا جديدًا بين الدول والشركات؟

د. محمد محسن رمضان
مستشار الامن السيبراني ومكافحة الجرائم الالكترونية – خبير الذكاء الاصطناعي
رئيس وحدة الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني بمركز العرب للأبحاث والدراسات

لم يعد النفط ولا الذهب ولا حتى رأس المال وحدها أدوات النفوذ العالمي، بل أصبحت البيانات والقدرة الحاسوبية والتوكنز هي العملات الجديدة للقوة الاقتصادية. وبينما تضخ شركات التكنولوجيا الكبرى مليارات الدولارات في الذكاء الاصطناعي، تتشكل ملامح اقتصاد عالمي جديد، تتقاطع فيه الابتكارات مع الأمن السيبراني، وتصبح الثقة الرقمية هي الأصل الأكثر قيمة.
تخيل أن سؤالًا واحدًا تكتبه إلى أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي قد يستهلك مئات أو آلاف “التوكنز”، وأن مليارات هذه التوكنز تتحول يوميًا إلى مليارات الدولارات من الإنفاق على الحوسبة والطاقة والرقائق الإلكترونية. هنا تبدأ القصة الحقيقية لأكبر ثورة اقتصادية يشهدها العالم منذ الثورة الصناعية. لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية متقدمة تُستخدم لتسهيل الأعمال أو تحسين الخدمات، بل أصبح القوة الاقتصادية الأكثر تأثيرًا في إعادة تشكيل النظام العالمي. واليوم لم تعد المنافسة بين الدول تُقاس بحجم احتياطيات النفط أو الذهب أو حتى رؤوس الأموال، وإنما أصبحت تُقاس بامتلاك البيانات، والقدرة الحاسوبية، وأشباه الموصلات المتقدمة، ونماذج الذكاء الاصطناعي القادرة على إنتاج المعرفة وتحويلها إلى قيمة اقتصادية. ومن يمتلك هذه العناصر يمتلك مفاتيح الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة. ومن واقع عملي مستشارًا للأمن السيبراني ومكافحة الجرائم الإلكترونية وخبيرًا في الذكاء الاصطناعي، أرى أننا دخلنا بالفعل عصرًا اقتصاديًا جديدًا يمكن وصفه بـ”اقتصاد الذكاء الاصطناعي”، وهو اقتصاد تختلف فيه معايير القوة والإنتاجية والاستثمار عن كل ما عرفناه خلال العقود الماضية.
ومن أبرز المفاهيم التي بدأت تفرض نفسها بقوة داخل هذا الاقتصاد الجديد ما يُعرف بـ”اقتصاد التوكنز” (AI Tokens Economy). فلم يعد استهلاك الحوسبة يُقاس بعدد الخوادم أو مراكز البيانات، بل أصبح يُقاس بعدد “التوكنز” التي تستهلكها نماذج الذكاء الاصطناعي أثناء معالجة البيانات وتوليد المحتوى. ولتبسيط الفكرة، فإن “التوكن” هو أصغر وحدة يفهم ويتعامل معها نموذج الذكاء الاصطناعي، فقد يكون كلمة كاملة، أو جزءًا من كلمة، أو رقمًا، أو رمزًا.
وكل سؤال يطرحه المستخدم على النموذج، وكل إجابة ينتجها النظام، يتم تقسيمها إلى سلسلة من التوكنز لمعالجتها. لذلك فإن التكلفة الحقيقية لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي لا تعتمد فقط على عدد المستخدمين، وإنما على إجمالي عدد التوكنز التي تتم معالجتها. وكلما ارتفع هذا العدد، ازدادت الحاجة إلى قدرات حاسوبية أكبر، واستهلاك أعلى للطاقة، واستخدام أوسع للرقائق الإلكترونية المتقدمة، لترتفع معها التكلفة التشغيلية بصورة مباشرة.
وهنا تظهر أرقام تعكس حجم التحول الاقتصادي الذي يعيشه العالم. فقد أشارت تحليلات تقنية متخصصة إلى أن Meta استهلكت خلال شهر واحد فقط نحو 73. 7 تريليون توكن لتشغيل تطبيقات وخدمات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يعادل تكلفة تشغيلية تُقدَّر بنحو 221 مليون دولار شهريًا، أي ما يقارب 2. 65 مليار دولار سنويًا وفق نماذج احتساب التكلفة المتداولة في القطاع. كما أشارت بعض التحليلات إلى أن موظفًا واحدًا داخل الشركة قد يستهلك مئات المليارات من التوكنز سنويًا، بما قد تصل تكلفته التشغيلية إلى نحو 50 ألف دولار سنويًا في بعض سيناريوهات الاستخدام المكثف، وهو ما يعكس تحول الذكاء الاصطناعي إلى بند مالي رئيسي في موازنات الشركات، يوازي الإنفاق على الموارد البشرية والبنية التحتية والبحث والتطوير. هذه المؤشرات تكشف أن قواعد المنافسة الاقتصادية قد تغيرت بالكامل. ففي الماضي كانت قوة الشركات تُقاس بعدد الموظفين، واتساع المصانع، وحجم الأصول المادية، أما اليوم فأصبحت تُقاس بحجم قدرتها الحاسوبية، وكفاءة نماذج الذكاء الاصطناعي التي تمتلكها، وقدرتها على تحويل مليارات التوكنز إلى إنتاجية وابتكار وعائد اقتصادي حقيقي.
ولهذا لم يعد السؤال المطروح داخل المؤسسات الكبرى:
كم يبلغ عدد المستخدمين؟
وإنما أصبح السؤال الأكثر أهمية:
إلى أي مدى يستخدم هؤلاء الذكاء الاصطناعي بصورة فعالة؟
فمهندس برمجيات واحد يعتمد على وكلاء ذكاء اصطناعي يعملون على مدار الساعة يمكنه اليوم إنجاز أعمال كانت تتطلب في السابق فرقًا كاملة من المطورين والمحللين، وهو ما يعكس التحول الجذري في مفهوم الإنتاجية الرقمية.
لكن وسط هذا السباق العالمي يبرز سؤال محوري يشغل مجالس إدارات كبرى شركات التكنولوجيا: هل يحقق هذا الإنفاق الضخم عائدًا اقتصاديًا يتناسب مع حجمه، أم أن العالم يعيش سباقًا محمومًا للاستحواذ على القدرات الحاسوبية قبل المنافسين؟ في تقديري، لن يكون النجاح من نصيب الشركات التي تنفق أكثر، وإنما للشركات التي تستثمر بصورة أكثر ذكاءً. ولهذا بدأت المؤسسات العالمية في تبني مفهوم “الإدارة الذكية للتوكنز”، بحيث تستخدم نماذج منخفضة التكلفة في المهام اليومية والمتكررة، بينما تخصص النماذج الأكثر تقدمًا والأعلى تكلفة للعمليات الحساسة والمعقدة. وهكذا تتحول المنافسة من سباق إنفاق إلى سباق كفاءة في إدارة الموارد الحاسوبية وتحقيق أعلى عائد من كل توكن تتم معالجته.
وإذا وسعنا زاوية الرؤية، نجد أن المؤشرات الاقتصادية العالمية تؤكد أن الذكاء الاصطناعي أصبح أحد أكبر محركات النمو الاقتصادي في التاريخ الحديث.
وتشير تقديرات PwC إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يضيف نحو 15. 7 تريليون دولار إلى الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030، بينما تتوقع McKinsey & Company أن يحقق الذكاء الاصطناعي التوليدي وحده قيمة اقتصادية تتراوح بين 2. 6 و4. 4 تريليون دولار سنويًا عبر مختلف القطاعات. كما ترى Goldman Sachs أن هذه التقنيات قد ترفع الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنحو 7% خلال العقد المقبل، مع زيادة إنتاجية العمل عالميًا بنحو 1. 5 نقطة مئوية سنويًا. وهي أرقام تؤكد أننا لا نعيش مجرد تطور تقني، بل نقف أمام ثورة اقتصادية تعيد تعريف مفهوم الثروة والإنتاج والقيمة.
غير أن الوجه الآخر لهذه الثورة لا يقل أهمية. فكلما توسع الاقتصاد الرقمي، ازدادت مساحة المخاطر السيبرانية.
فالذكاء الاصطناعي لم يعد أداة للإنتاج فقط، بل أصبح كذلك أداة يستخدمها المهاجمون في تطوير البرمجيات الخبيثة، وتنفيذ هجمات التصيد الإلكتروني عالية الإقناع، وصناعة محتوى التزييف العميق، وتعزيز عمليات الهندسة الاجتماعية، وأتمتة الهجمات الإلكترونية بوتيرة غير مسبوقة. ومن هنا يصبح الأمن السيبراني ليس مجرد قطاع تقني، بل ركيزة اقتصادية واستراتيجية لحماية الاستثمار الرقمي.
فلا يمكن بناء اقتصاد يعتمد على الذكاء الاصطناعي دون منظومة أمن سيبراني قوية قادرة على حماية البيانات، وتأمين البنية التحتية الرقمية، وتعزيز الثقة في الخدمات الذكية. فالثقة الرقمية أصبحت اليوم العملة الحقيقية للاقتصاد العالمي، وأي دولة أو مؤسسة تستثمر مليارات الدولارات في الذكاء الاصطناعي دون أن تستثمر في الأمن السيبراني، فإنها تبني اقتصادًا رقميًا فوق أرضية هشة قد تنهار أمام أول هجوم إلكتروني واسع النطاق.
إننا نعيش مرحلة تاريخية جديدة أصبحت فيها البيانات هي النفط الجديد، والقدرة الحاسوبية هي الطاقة الجديدة، والخوارزميات هي المصانع الحديثة، والتوكنز هي وحدة القياس الجديدة للإنتاجية الرقمية.
ولم تعد الثروة تُقاس بما تمتلكه الدول من موارد طبيعية، وإنما بما تمتلكه من بيانات، وابتكار، وقدرة على تطوير الذكاء الاصطناعي وتأمينه. وفي النهاية، أرى أن العالم لم يعد يشهد سباقًا على الموارد التقليدية، بل سباقًا على المستقبل نفسه.
ففي الأمس كانت الشركات تتنافس على زيادة عدد الموظفين، أما اليوم فهي تتنافس على تعظيم القيمة الاقتصادية لكل توكن تتم معالجته. وكانت الدول تُقاس بثرواتها الطبيعية، أما الآن فأصبحت تُقاس بقدرتها على إنتاج المعرفة، وإدارة البيانات، وامتلاك البنية الحاسوبية، وتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، وتأمين فضائها السيبراني. ومن يمتلك البيانات يمتلك القرار. . . ومن يمتلك القدرة الحاسوبية يمتلك أدوات القوة. . . ومن يقود الذكاء الاصطناعي ويؤمّن بنيته الرقمية، سيكون الأقدر على قيادة الاقتصاد العالمي الجديد.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى