الرئيسيةليبيانشرة الأخبار

ليبيا في أسبوع.. الميزانية الموحدة هل تفتح بوابة إنهاء الانقسام في ليبيا؟

طرابلس- بنغازي- مركز العرب

في لحظة تبدو فارقة في مسار الأزمة الليبية الممتدة منذ أكثر من عقد، برز إعلان اعتماد الميزانية الموحدة لعام 2026 كأحد أهم التطورات الاقتصادية والسياسية التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة، إذ لا يمثل هذا الاتفاق مجرد إجراء مالي تقني، بل يعكس تحوّلًا محتملًا في طبيعة إدارة الدولة الليبية، ومحاولة جادة لكسر حلقة الانقسام المؤسسي التي أعاقت أي مسار مستدام للاستقرار.
فبعد أكثر من 13 عامًا من الانقسام المالي، الذي تجسد في وجود نظامي إنفاق متوازيين بين شرق البلاد وغربها، جاء الاتفاق على ميزانية موحدة بقيمة تقارب 190 مليار دينار ليبي ليؤسس لمرحلة جديدة، تقوم على إعادة توحيد القرار الاقتصادي، باعتباره المدخل الأكثر واقعية لإعادة بناء الدولة، في ظل تعثر المسارات السياسية التقليدية.
هذا التطور لم يأتِ في فراغ، بل جاء في سياق داخلي وإقليمي ودولي معقد، تتداخل فيه الضغوط السياسية مع الحسابات الاقتصادية، وتتصارع فيه الإرادات المحلية مع الرهانات الخارجية، ما يجعل من الميزانية الموحدة حدثًا يتجاوز دلالاته المالية إلى أبعاد استراتيجية أوسع.

ليبيا تعتمد «ميزانية موحدة» للمرة الأولى منذ 13 عاماً
الميزانية كمدخل لإعادة تشكيل الدولة

تكمن أهمية الميزانية الموحدة في كونها أول إطار جامع لإدارة الموارد العامة منذ عام 2013، وهي بذلك تمثل محاولة لإعادة فرض مركزية القرار المالي، بعد سنوات من الفوضى التي أفرزها الإنفاق الموازي، وأسهمت في تفاقم العجز المالي، وتآكل قيمة العملة، وغياب العدالة في توزيع الموارد.
وقد جاء توزيع بنود الميزانية ليعكس أولويات الدولة في هذه المرحلة، حيث استحوذت الرواتب على النصيب الأكبر بنحو 73 مليار دينار، تليها مخصصات الدعم والمشروعات التنموية، إضافة إلى تمويلات موجهة لقطاع النفط، الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد الليبي، بما يزيد عن 95% من الإيرادات العامة.

غير أن الأهمية الحقيقية لا تكمن فقط في الأرقام، بل في آليات التنفيذ، إذ نص الاتفاق على توزيع الأدوار بين المؤسسات، بحيث تتولى حكومة الوحدة الوطنية إدارة النفقات التشغيلية، بينما تشرف لجنة مشتركة على المشاريع التنموية، تحت رقابة مصرف ليبيا المركزي، وهو ما يعكس محاولة لضبط الإنفاق وتعزيز الشفافية.

هذا الترتيب، رغم تعقيده، يعكس إدراكًا لدى الأطراف الليبية بأن أي انفراد بإدارة الموارد قد يعيد إنتاج الأزمة، وهو ما يفسر الحرص على إشراك المؤسسات الرئيسية في إدارة الميزانية، بما يضمن قدرًا من التوازن ويحد من الصراعات.

ليبياتيتة الأطراف الليبية
دعم دولي.. ورسائل سياسية

لم يكن مفاجئًا أن يحظى الاتفاق بترحيب دولي واسع، حيث أصدرت مجموعة من الدول المؤثرة، من بينها الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية والعربية، بيانًا مشتركًا اعتبرت فيه الميزانية الموحدة خطوة حاسمة نحو تحقيق الاستقرار.
هذا الدعم لا يمكن فصله عن مصالح هذه الدول في استقرار ليبيا، سواء من منظور أمن الطاقة، أو مكافحة الهجرة غير النظامية، أو الحد من التهديدات الأمنية في منطقة المتوسط. كما يعكس رغبة دولية في الدفع بالمسار الاقتصادي كبديل واقعي لتعثر المسار السياسي.
في هذا السياق، يُنظر إلى الميزانية باعتبارها أداة لإعادة بناء الثقة بين الأطراف الليبية، تمهيدًا لإطلاق عملية سياسية أكثر شمولًا، خاصة في ظل استمرار الجمود السياسي، وفشل المبادرات السابقة في تحقيق اختراق حقيقي.
الجمود السياسي.. معضلة مستمرة
رغم هذا التقدم الاقتصادي، لا يزال المشهد السياسي في ليبيا يعاني من حالة من الجمود، حيث تستمر حالة الانقسام بين حكومتين، واحدة في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وأخرى في بنغازي بقيادة أسامة حماد، وسط غياب توافق حول المسار الدستوري والانتخابي.
هذا الجمود يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة المسار الاقتصادي على الصمود في ظل غياب حل سياسي شامل، إذ أن أي توتر سياسي قد ينعكس سريعًا على تنفيذ الميزانية، ويعيد البلاد إلى مربع الانقسام.
ومع ذلك، يرى بعض المراقبين أن التوافق الاقتصادي قد يشكل مدخلًا تدريجيًا لتقريب وجهات النظر، خاصة إذا ما نجح في تحقيق نتائج ملموسة على الأرض، مثل تحسين الخدمات، واستقرار العملة، وخلق فرص عمل.

ليبيا مصر النفط
إعادة ترتيب المشهد الأمني والعسكري

بالتوازي مع التطورات الاقتصادية، تشهد ليبيا تحركات لافتة على الصعيد الأمني والعسكري، تعكس محاولة لإعادة بناء المؤسسات الأمنية على أسس أكثر تنسيقًا.
في هذا الإطار، برز إعلان تشكيل لجنة مشتركة “3+3” لإنشاء غرفة عمليات موحدة لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، كخطوة مهمة نحو توحيد الجهود الأمنية، في بلد يعاني من تعدد مراكز القوة.
كما جاء انطلاق تمرين “فلينتلوك 2026” في مدينة سرت، بمشاركة قوات من الشرق والغرب، وبرعاية القيادة الأمريكية في إفريقيا، ليعكس توجهًا نحو بناء شراكات عسكرية جديدة، وتعزيز التنسيق بين الوحدات المختلفة.
هذه التحركات تحمل دلالات مهمة، إذ تشير إلى إدراك متزايد بأن الاستقرار الاقتصادي لا يمكن تحقيقه دون بيئة أمنية مستقرة، وأن توحيد المؤسسات العسكرية يمثل شرطًا أساسيًا لأي عملية سياسية ناجحة.

ليبيا إيرادات النفط
المسار الإقليمي.. دعم مشروط

على المستوى الإقليمي، تتواصل الجهود لدعم الاستقرار في ليبيا، حيث أكدت جامعة الدول العربية والبرلمان العربي على ضرورة أن يكون الحل ليبيًا – ليبيًا، مع دعم عربي يضمن الحفاظ على وحدة البلاد.
اللقاءات التي جرت على هامش منتدى أنطاليا، سواء بين المسؤولين الليبيين أو مع نظرائهم العرب، تعكس استمرار الاهتمام الإقليمي بالملف الليبي، وإن كان هذا الاهتمام لا يزال محكومًا بتباينات في المواقف بين بعض الدول.
ومع ذلك، يبدو أن هناك توافقًا عامًا على أهمية إجراء الانتخابات كمدخل لإنهاء الأزمة، وهو ما يتطلب توفير بيئة سياسية وأمنية ملائمة، لا تزال بعيدة المنال في الوقت الراهن.

ليبيا حفتر صالح درنة
الميزانية والمستقبل بين الفرصة والتحدي

في المحصلة، يمكن النظر إلى الميزانية الموحدة باعتبارها فرصة حقيقية لإعادة بناء الدولة الليبية، لكنها في الوقت ذاته تظل رهينة بمجموعة من التحديات، في مقدمتها استمرار الانقسام السياسي، وضعف المؤسسات، وتداخل المصالح الخارجية.
نجاح هذه الخطوة يتطلب التزامًا حقيقيًا من جميع الأطراف بتنفيذ بنود الاتفاق، وتغليب المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة، إضافة إلى دعم دولي مستمر، لا يقتصر على التصريحات، بل يمتد إلى المساعدة في بناء القدرات وتعزيز المؤسسات.
كما أن تحقيق نتائج ملموسة على الأرض سيشكل عاملًا حاسمًا في تعزيز الثقة بين المواطنين والدولة، وهو ما قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار.
في ظل مشهد ليبي معقد ومتشابك، تبرز الميزانية الموحدة كنافذة أمل نادرة، قد تمهد الطريق نحو إنهاء سنوات من الانقسام والفوضى. غير أن هذه النافذة تظل هشة، وقابلة للإغلاق في أي لحظة، ما لم يتم استثمارها ضمن رؤية شاملة تعالج جذور الأزمة.
فليبيا اليوم لا تحتاج فقط إلى ميزانية موحدة، بل إلى إرادة موحدة، قادرة على تحويل الأرقام إلى واقع، والاتفاقات إلى إنجازات، والطموحات إلى دولة مستقرة تستعيد مكانتها في محيطها الإقليمي والدولي.
وفي سياق متصل، تبرز مسألة الحوكمة والرقابة كأحد أهم الاختبارات الحقيقية لنجاح الميزانية الموحدة، إذ أن توحيد الإنفاق دون بناء منظومة رقابية فعالة قد يعيد إنتاج نفس الاختلالات السابقة بشكل أكثر تعقيدًا. فوجود مؤسسات مثل ديوان المحاسبة ومصرف ليبيا المركزي ضمن منظومة الإشراف يمثل خطوة إيجابية، لكنه يظل غير كافٍ ما لم يُدعّم بإرادة سياسية واضحة لمكافحة الفساد وتعزيز الشفافية. كما أن إدماج التقنيات الحديثة في إدارة المالية العامة، مثل الأنظمة الرقمية لتتبع الإنفاق، يمكن أن يسهم في تقليص الهدر وضبط الموارد. وفي هذا الإطار، يُنتظر أن يشكل انخراط المجتمع الدولي، عبر تقديم الدعم الفني وبناء القدرات، عنصرًا مساعدًا في ترسيخ معايير الحوكمة الرشيدة، بما يضمن أن تتحول الميزانية من مجرد اتفاق سياسي إلى أداة فعالة لإعادة بناء الدولة واستعادة ثقة المواطن في مؤسساتها.

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى