الرئيسيةتقدير موقف

إثيوبيا في حرب متجددة: كيف يضغط القتال على السد وحلم البحر؟ 

رضا عبدالعزيز – وحدة الدراسات السياسية 

في الساعات الأخيرة، لم تعد الاتهامات المتبادلة بين أديس أبابا وأسمرة كلامًا عابرًا في نشرات الأخبار: الحكومة الإثيوبية تتهم إريتريا صراحة بدعم التحالف المسلح الذي يقاتلها في تيغراي وعفر وأمهرة، وإريتريا بدورها تصف طموح أديس أبابا للوصول إلى البحر الأحمر بأنه استعداد مقنّع للحرب. هذا التقاطع، بين رصاص يتطاير في الشمال وخطاب دبلوماسي يتصاعد شرقًا، هو المدخل الحقيقي لفهم اللحظة الإثيوبية الراهنة: فالحرب الداخلية لم تعد شأنًا محليًا يُدار بمعزل عن مشروعي البلاد الكبيرين، السد المُسمى بـ “النهضة” وحلم المنفذ البحري، بل صارت الحلقة التي تُختبر فيها قدرة الدولة على حمل الاثنين معًا دون أن ينهار أحدهما تحت وطأة الآخر.

تحالف هش وجبهات متزامنة

وليست هذه الحرب استئنافًا لصفحة كانت مطوية، بل انفجارًا لهدوء لم تسنده تسوية مكتملة منذ اليوم الأول. فاتفاق بريتوريا الذي أنهى الحرب السابقة قبل نحو أربع سنوات ترك عودة النازحين وترتيبات الحكم في المناطق المتنازع عليها معلّقة، وظل السلام أشبه بهدنة تنتظر مناسبتها لتنكسر، لا مصالحة راسخة بين طرفين اطمأن كل منهما إلى الآخر.

المفارقة أن التحالف الذي يواجه حكومة آبي أحمد اليوم يضم خصومًا بالأمس القريب لم تُذب بينهم كل الجليد. فقوات أمهرة وتيغراي، اللتان اصطفتا في معسكرين متقابلين خلال الحرب السابقة، ما زالتا تتنازعان على غرب تيغراي بالحدة نفسها، ووحدة الهدف في إسقاط المركز لا تعني وحدة التصور لمستقبل البلاد بعد ذلك.

هذا التماسك الهش هو بالضبط ما يمنح الحكومة الفيدرالية هامشًا ضيقًا للمناورة: فهي تواجه خصمًا متعدد الرؤوس لا قيادة ميدانية موحدة له، لكنها في المقابل تُضطر إلى قتاله على جبهات متزامنة تستنزف جيشها وتُشتّت انتباهها الأمني في وقت واحد. ويحمل امتداد القتال إلى عفر ثقلًا خاصًا لا تحمله تيغراي وأمهرة بالقدر نفسه؛ فهذا الإقليم هو الممر البري الذي تمر عبره التجارة الإثيوبية الحالية نحو ميناء جيبوتي، بحيث يتحول أي اضطراب فيه من توسع جغرافي للمعارك إلى تهديد مباشر لشريان الملاحة الوحيد الذي تعتمد عليه أديس أبابا اليوم، قبل أن يتحقق أي حلم بديل عبر الصومال.

ومع انقطاعات الاتصال التي رصدتها منظمات مراقبة الإنترنت في عموم الشمال، تتكرر صورة عزلة تيغراي التي عرفتها الحرب الأولى، بما يُصعّب التحقق المستقل من مجريات القتال ويُبقي الروايات المتضاربة حول من بدأ الهجوم بلا حسم. وكل يوم إضافي من هذا الغموض يخدم الطرف الأقوى في السرد لا الطرف الأصدق فيه، فيما تتحول كل بلدة تتبدل سيطرتها إلى ورقة في معركة الشرعية أكثر مما هي مكسب عسكري حاسم.

البحر الأحمر: من خطاب إلى اتهام متبادل

هنا يتقاطع الداخل مع الاستراتيجي بأوضح ما يكون: فاتهام أديس أبابا لأسمرة بالتواطؤ مع فصيل متشدد داخل جبهة تيغراي لتمويل الفانو وتوجيهه ليس حدثًا معزولاً عن ملف البحر، بل استمرار مباشر له. فمنذ أن جعل آبي أحمد من استعادة منفذ بحري لبلاده قضية وجودية يُعاد طرحها في كل خطاب، حوّلت أسمرة كل حديث إثيوبي عن السيادة البحرية إلى تهديد لأمنها القومي، وباتت ترى في أي اضطراب داخلي إثيوبي فرصة لإنهاك خصم يتوق إلى ميناء عصب.

وليس هذا التوتر وليد الأسابيع الأخيرة وحدها؛ فقد سبقته أشهر من خطاب إثيوبي متصاعد وصف فقدان المنفذ البحري بأنه “خطأ تاريخي” لا بد من تصحيحه، وردّ إريتري وصف الطموح نفسه بأنه نزعة توسعية مرفوضة، حتى بات كل طرف يقرأ تحركات الآخر بوصفها تمهيدًا لمواجهة لم تندلع بعد لكنها لم تعد مستبعدة.

الجيشان لم يتقابلا بعد على الحدود، لكن لغة التصعيد، من اتهامات رسمية إلى تحذيرات متبادلة، تكفي لتذكير الجميع بأن حرب الشمال ليست بعيدة عن حسابات البحر الأحمر، وأن كل جولة قتال في تيغراي وعفر وأمهرة تُقرأ في أسمرة على أنها إما إلهاء لإثيوبيا عن طموحها البحري أو تمهيد خفي له. وهذا بالضبط ما يجعل حلم البحر رهينة مزدوجة: رهينة لصبر الصومال في المفاوضات الفنية من جهة، ورهينة لتفسير إريتريا لكل حركة إثيوبية داخلية من جهة أخرى، بحيث لا يعود الملف شأنًا دبلوماسيًا بحتًا بل امتدادًا لحسابات الأمن القومي على الجانبين.

السد: من الرمز إلى الملف التشغيلي

وإذا كان الاستقطاب مع إريتريا يضع حلم البحر في دائرة الخطر المباشر، فإن السد يواجه اختبارًا من طبيعة مختلفة تمامًا. فقد انتقل الملف، منذ افتتاح السد رسميًا قبل عام، من نزاع حول الملء إلى نزاع حول التشغيل: القاهرة تتهم أديس أبابا بإطلاق كميات مياه مفاجئة تسبّبت في فيضانات ألحقت أضرارًا بالسودان ومصر، ووصفت تشغيل المنشأة بأنه خرق للقانون الدولي في مراسلة رسمية لمجلس الأمن، بينما ترد الوزارة الإثيوبية بأن ما جرى كان ضبطًا احترازيًا منع كارثة أكبر لا فعلًا عدائيًا.

السد إذن لم يعد مشروعًا مستقبليًا يمكن للحرب أن تؤجل الحكم عليه إلى حين اكتماله؛ إنه اليوم بنية تشغيلية حيّة تتطلب انتباهًا يوميًا وتنسيقًا دبلوماسيًا دقيقًا مع الجارين الشماليين، في اللحظة ذاتها التي يستنزف فيها القتال في الشمال أعصاب الدولة ومواردها الأمنية. لا توجد مؤشرات على أن الجماعات المسلحة تستهدف السد في بني شنقول-قمز مباشرة، لكن الخطر الأدق هو أن تجد أديس أبابا نفسها تدير أزمة مائية إقليمية حسّاسة بجهاز دبلوماسي مشغول بإخماد حرائق داخلية، فتتسع الهوة بينها وبين القاهرة والخرطوم في وقت هي في أمسّ الحاجة فيه إلى تهدئة كل جبهة ممكنة.

وكلما طال أمد هذا الانشغال الداخلي، بدا السد أقرب إلى عبء تفاوضي يُدار بالحد الأدنى من الاهتمام منه إلى مشروع سيادي يُستثمر سياسيًا كما كان الحال يوم افتتاحه. والأخطر أن غياب آلية تسوية دائمة بين الدول الثلاث يعني أن أي حادثة فيضان جديدة، مهما كان سببها الفعلي، ستُقرأ تلقائيًا في ضوء الحرب الدائرة، فيُستدعى غياب الدولة عن حدودها الشمالية دليلاً على تهورها في إدارة ملف مائي يمس أمن أكثر من مئة وخمسين مليون إنسان على ضفتي النهر.

الجوار يراقب، والهامش يضيق

تزداد صورة الاستنزاف وضوحًا حين تُقرأ الجبهات الثلاث معًا: دولة تخوض قتالًا داخليًا متعدد الأطراف، وتُتَّهم من الشرق بتحضير حرب، وتتقاذف الاتهامات مع الشمال حول نهر تتقاسمه ثلاث دول. في كل واحدة من هذه الجبهات، الوقت ليس حليفًا لأديس أبابا؛ فكل شهر يطول فيه القتال في تيغراي وعفر وأمهرة يمنح إريتريا مبررًا إضافيًا للتعبئة، ويمنح القاهرة حجة أقوى في المحافل الدولية، ويُضعف قدرة الحكومة على تقديم تنازلات تفاوضية دون أن تبدو كأنها تتراجع تحت الضغط من كل الجهات مجتمعة.

أما حلم المنفذ البحري، فيظل المسار الأهدأ نسبيًا بين الجبهات الثلاث، لكنه ليس بمعزل عن المناخ العام، ولا هو بالملف البسيط الذي يوحي به اسم واحد. فحين وقّعت أديس أبابا مذكرة تفاهم مع “أرض الصومال”، التي لم تكن تحظى حينها بأي اعتراف دولي، مطلع 2024 لتأجير شريط ساحلي وإقامة قاعدة بحرية، اعتبرت مقديشو ذلك اعتداءً على سيادتها، باعتبار “أرض الصومال” جزءًا لا يتجزأ من دولة الصومال.

ومنذ ذلك الحين تغيّر المشهد جزئيًا: فقد اعترفت إسرائيل بأرض الصومال دولة مستقلة أواخر 2025، لتصبح أول عضو في الأمم المتحدة يفعل ذلك، وتبادل الطرفان سفراء وسفارات لاحقًا، وهو تطور أضاف لاعبًا إقليميًا جديدًا إلى معادلة شديدة الحساسية أصلاً، وإن ظل اعترافًا منفردًا لم تحذُ حذوه أي دولة أخرى. ولم تُصلح الوساطة التركية تلك المذكرة بقدر ما فتحت مسارًا موازيًا لها: إعلان أنقرة نهاية 2024 حوّل الملف إلى تفاوض مباشر بين أديس أبابا ومقديشو على ترتيبات تجارية تحترم سيادة الصومال، فيما بقي مصير المذكرة الأصلية معلّقًا لا محسومًا.

والمفاوضات الفنية التي انطلقت إثر ذلك الإعلان لم تُفضِ بعد إلى اتفاق منشور يحدد شكل الوصول التجاري إلى الساحل، وكل تأخير إضافي يُبقي الباب مفتوحًا أمام أديس أبابا للعودة إلى خيارات أكثر صدامية كالتي جرّبتها مع أرض الصومال أول مرة.

والمفارقة أن الحكومة التي تحتاج إلى هامش دبلوماسي واسع لإدارة ثلاث جبهات، الداخل وإريتريا والصومال، تجد هذا الهامش يتقلص كل يوم تطول فيه الحرب، فيما يراقب الجوار الإقليمي، من القاهرة إلى مقديشو وأسمرة، تقاربًا متزايدًا لم يتشكل بعد تحالفًا عسكريًا صريحًا لكنه يعكس تراكم شكوك متبادلة تغذيها سياسات أديس أبابا نفسها.

وتبقى القوى الخارجية، من تركيا إلى الإمارات والصين، أطرافًا تفضّل الاستقرار الذي يحمي استثماراتها، لكنها ستجد نفسها مضطرة لاختيار مواقف أكثر وضوحًا إن اتسعت رقعة النزاع إلى ما هو أبعد من حدود تيغراي وأمهرة، إذ لا يمكن لأي طرف خارجي أن يبقى محايدًا إلى الأبد حين تتحول جبهة داخلية إلى بوابة لصراع إقليمي أوسع.

مسارات المآل

المآل النهائي لهذه اللحظة لن يُحسم بانتصار عسكري في جبهة واحدة، بل بقدرة الحكومة على إغلاق الجبهات بالتوازي. فإذا استمر القتال الداخلي دون كبح، سيتحول السد تدريجيًا من إنجاز وطني يُستدعى للتوحيد إلى ملف يُدار بأقل قدر من الانتباه الممكن، وسيتجمد حلم البحر عند حدود الخطاب لا الإنجاز، بينما تكتسب إريتريا في كل يوم إضافي مبررًا أقوى للتصعيد، وتزداد قناعة القاهرة بأن التفاوض مع طرف مشغول بحروبه الداخلية لن يُفضي إلى تسوية حقيقية.

أما إذا نجحت أديس أبابا في انتزاع هدنة، ولو جزئية، مع أطراف التحالف، وفي تهدئة الخطاب مع أسمرة، وفي معالجة ملف تشغيل السد عبر آلية تفاوضية حقيقية بدل تبادل الاتهامات، فستكون قد ربحت أهم رهان في هذه اللحظة: أن دولة لا تحترق أطرافها هي وحدها القادرة على أن تبني، لا أن تدّعي فقط، مكانة إقليمية تليق بطموحها في السد والبحر معًا. وبين هذين المسارين، سيُقاس الفارق ليس بعدد الجبهات التي فُتحت مؤخرًا، بل بعدد الجبهات التي ستبقى مفتوحة حين يحين موسم الفيضان القادم، وموسم المفاوضات القادم مع مقديشو.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى