رأي

هاني الجمل يكتب.. كيف كشفت أزمة تلاميذ فرنسا عن تصدع العقد الاجتماعي والتوازنات الجيوسياسية؟ 

لم تكن المشاهد القادمة من ساحة الباستيل في باريس أو شوارع ليون ومرسيليا ونانت مجرد احتجاجات طالبية عابرة إنما شكل خروج تلاميذ المدارس الثانوية في خريف 2026 زلزالا سياسيا واجتماعيا تجاوزت ارتداداته أسوار المدارس المغلقة ليصل إلى أروقة بروكسل وغرف العمليات الاستراتيجية في واشنطن وبكين وموسكو.

وذلك فى ظل معطيات كثيرة منها عدم قجرة الرئيس الفرنسى ماكرون الترشح لولاية ثالثة متتالية طبقا للدستور الفرنسى فضلا عن تصريحات رئيس الوزراء الفرنسى والذى وصف الحكومة الراهن بانها أسوء حكومة فرنسية عرفتها الظروف الراهنة  خاصة مع ارتفاع الدين الداخلى بنسبة 120 % وهو مايقدر بأكثر من أربعة ترليونات دولار أمريكى بيد أن فكرة الاستقلال الاستراتيجي الأوروبى باتت على المحك على الرغم من الانفاق على التسليح بنسبة 5% من الناتج المحلى أضف إلى ذلك ضبابية المشهد فى الحرب الروسية الأوكرانية والتى استنزفت القدرات المالية الأوروبية اضافة إلى ذلك قرب الخطر الروسى من بولندا ودول البلطيق

​ فتحول المطالب المتعلقة بظروف التعليم إلى أزمة وطنية حادة أسفرت عن حجز آلاف القاصرين وتوفير آلاف المدرسين البدلاء كإجراء طوارئ يكشف عن تحول بنيوي في طبيعة الاحتجاجات الفرنسية وعن انكسار عميق في النموذج الاجتماعي الذي طالما تباهت به الجمهورية الخامسة.

​ففى قراءة تفكيكية للمشهد الميداني تكشف عن دوافع مجتمعية أكثر عمقا وحرجا منها انكسار السلم الاجتماعي وأزمة “المستقبل الرقمي” حيث يواجه جيل الشباب الحالي في فرنسا حالة غير مسبوقة من عدم اليقين وتجلت هذه الأزمة في الخوف الشديد من نظام القبول الجامعي الخوارزمي “باركورسوب” (Parcoursup) الذي يراه الطلاب آلة فرز طبقي تُقصي أبناء المدارس العامة والأحياء الشعبية لصالح الفئات الأكثر حظورة مما حول المؤسسة التعليمية من أداة للترقي الاجتماعي إلى أداة لإعادة إنتاج الفوارق الطبقية.

​وتتمركز أشد نقاط الاحتجاج شراسة في ضواحي المدن الكبرى الـ Banlieues مثل منطقة “سان دوني” شمال باريس حيث يلمس الطلاب هناك بوضوح الفجوة المعيشية والتعليمية مقارنة بمدارس الأحياء الثرية حيث يعني غياب معلم في الضواحي إهدار أشهر دراسية كاملة دون بديل وسط مبان تفتقر لأدنى المقومات البيئية والصحية مما غذى شعورا جمعيا بـ “المواطنة من الدرجة الثانية”

​وقد أدت أزمة شرعية المؤسسة الأمنية والردع القاسي إلى تعامل السلطات الأمنية الحاد واستخدام وسائل الردع القاسية ضد قاصرين والتي أسفرت عن إصابات بالغة وتسجيل آلاف التوقيفات مما ادى إلى تصعيد الموقف و تحولت بصلة الغضب من الشكوى من المناهج والمدرسين إلى صدمة مجتمعية ضد طريقة إدارة الدولة للأزمات ما فتح ملف “عنف الشرطة” ومراجعة أدوات الضبط الإداري تجاه القاصرين.

و ​تكتسب الأزمة أبعادا إقليمية نظرا لمكانة فرنسا كـ “مُحرك سياسي” للاتحاد الأوروبي فأي اضطراب في العاصمة الفرنسية ينعكس فورا على التوازنات الأوروبية و تأتي هذه الأزمة في وقت تطالب فيه بروكسل حكومة سيباستيان لوكورنو بضبط العجز المالي وتقليص الإنفاق العام فخضوع الحكومة لمطالبات ضخ مليارات اليوروهات في قطاع التعليم سيعقد التزام فرنسا بالمعايير المالية الأوروبية مما يثير حفيظة دول شمال أوروبا المشددة على الانضباط المالي مثل هولندا والدنمارك اضافة لموقف المانيا الرافض لتدخل البنك الأوروبى لأنها سوف تعيد الأزمة الأوروبية مثلما حدث فى اليونان كما تخشى الحكومات الأوروبية خاصة في إيطاليا وإسبانيا من أن تنتقل العدوى التنظيمية للطلاب المحفزة بواسطة خوارزميات شبكات التواصل الاجتماعي إلى شبكات طلابية أوروبية تعاني بدورها من الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة كما تضعف الأزمات الداخلية المتكررة القدرة القيادية لفرنسا داخل المجلس الأوروبي فبينما تحاول باريس صياغة السياسات الدفاعية والصناعية للتكتل يفرض المشهد الداخلي المتأزم إبراز فرنسا كدولة استنزفتها صراعاتها الاجتماعية المتلاحقة.

​ التجاذبات الجيوسياسية.. كيف تستغل القوى العظمى الأزمة؟

​لم تعد الأزمات الداخلية للدول الكبرى شأنا محليا خالصا بل تحولت إلى مسرح حرب معلوماتية وتدافع جيوسياسي بين القوى الكبرى

فروسيا تستغل حرب المعلومات وتفكيك السردية الغربية فضلا عن استغلال شبكات التواصل الاجتماعي والإعلام الموجه عبر بذور حسابات وهمية لتضخيم مشاهد القمع وشل الحركة المدرسية ولهذا تهدف موسكو إلى دحض السردية الغربية التي تسوق نفسها كحامية للحقوق والحريات عبر تسليط الضوء على استخدام القوة ضد القاصرين فى حين  يسعى الكرملين لإقناع الرأي العام الداخلي والدولي بأن “الديمقراطيات الغربية هشة ومفككة” وإشغال القيادة الفرنسية بحديقتها الخلفية لإضعاف حماسها في ملفات المواجهة الجيوسياسية بشرق أوروبا.

​على جانب على أخرى ترى الصين أن تسويق تفوق “النموذج التنموي المغلق” من خلال التحليل الإعلامي الاستراتيجي وتوظيف الأدوات الرقمية (مثل تيك توك) للمقارنة بين انضباط المنظومة التعليمية الآسيوية وحالة الاضطراب الغربي و لا تسعى بكين لإشعال الشارع بشكل مباشر بل تركز على نقد “النموذج الليبرالي” كما تقدم الصحافة الرسمية الصينية المشهد كدليل على عجز الدول الغربية عن إدارة التحولات الديمغرافية والتعليمية داعية الأسواق الناشئة والمستثمرين إلى ملاحظة استقرار النموذج الصيني في مقابل التذبذب الأوروبي.

​ فى حين تتحين الولايات المتحدة الحليف الحذر ومراقبة بدائل السلطة

من خلال التقييم الاستخباري والدبلوماسية الهادئة  فنظرة واشنطن للأزمة بعين القلق الاستراتيجي ورصد غليان الشارع الفرنسي يعزز فرص التيارات الراديكالية (أقصى اليمين وأقصى اليسار) في أي استحقاق انتخابي قادم يخشى صناع القرار في واشنطن من أن يؤدي انهيار الوسط السياسي الفرنسي إلى صعود قوى سياسية تشكك في جدول أعمال حلف الناتو ولذا تسعى واشنطن ضمنا لدعم الاستقرار السياسي في باريس دون التدخل المباشر الذي قد يفسر كوصاية أمريكية.

​وبينما تحاول الحكومة استيعاب الشارع بوعود الميزانيات وتوفير الكوادر الطارئة تظل هذه الأزمة مكشوفة أمام التجاذبات الدولية حيث أصبحت النزاعات الاجتماعية الداخلية في العواصم الغربية ثغرات استراتيجية تستغلها القوى المنافسة لتعديل موازين القوى في النظام الدولي المتغير.

​

 

 

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى