رامي زهدي يكتب.. أكتوبر 1973 في الذاكرة الإفريقية

بعد أكثر من نصف قرن على حرب أكتوبر 1973، لم يعد السؤال فقط كيف يتذكر المصريون ذلك الانتصار، وإنما كيف تنظر إليه الأجيال الإفريقية الجديدة، وهي أجيال لم تعِش الحرب ولم ترَ صور العبور إلا عبر الكتب والتسجيلات والقصص والصور التي انتقلت إليها من جيل إلى آخر؟
هذا السؤال ليس تاريخيا فقط، بل يتعلق بالحاضر والمستقبل أيضا، فإفريقيا التي نعرفها اليوم تختلف كثيرًا عن إفريقيا عام 1973، أكثر من 60 % من سكان القارة دون الخامسة والعشرين، ما يعني أن غالبية الأفارقة اليوم لم يكونوا قد ولدوا عندما عبرت القوات المصرية قناة السويس في السادس من أكتوبر 1973، وبالتالي انتقلت ذكرى أكتوبر بالنسبة إلى هذه الأجيال من تجربة عاشها أصحابها إلى تاريخ تتشكل صورته من خلال التعليم والإعلام والثقافة والذاكرة السياسية والمنصات الرقمية.

وهنا تحديدًا تكمن أهمية السؤال: ماذا بقي من أكتوبر في الوعي الإفريقي الجديد؟
في عام 1973، كانت مصر جزءًا أصيلًا من حركة التحرر الوطني الإفريقية، وكانت منظمة الوحدة الإفريقية قد تأسست قبل الحرب بعشر سنوات، بينما كانت قضايا الاستقلال والسيادة ومقاومة الاستعمار والعنصرية حاضرة بقوة في الوعي السياسي للقارة.
ولذلك لم تكن حرب أكتوبر في الوعي الإفريقي القديم مجرد مواجهة عربية إسرائيلية بعيدة جغرافيا، وإنما ارتبطت لدى كثير من الدول الإفريقية بمفاهيم استعادة الأرض والسيادة وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وقتها 25 دولة إفريقية قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل خلال الفترة من يناير 1973 إلى نهاية 1974، في سياق المواقف الإفريقية من الصراع العربي – الإسرائيلي، كما شاركت دول إفريقية لاحقًا في قوة الطوارئ التابعة للأمم المتحدة التي جاءت بعد الحرب.
وكانت مصر بالنسبة إلى إفريقيا في ذلك الوقت أكثر من دولة عربية تخوض حربًا؛ كانت دولة إفريقية ذات حضور سياسي وتاريخي في قضايا التحرر والاستقلال.
أما اليوم فقد تغيرت البيئة الدولية وتغير معها الجيل الذي يستقبل هذه الذاكرة.
الشاب الإفريقي الذي يبلغ عشرين عامًا في 2026 ينظر إلى العالم من خلال قضايا أخرى أيضًا: البطالة، والتكنولوجيا، وتغير المناخ، والأمن الغذائي، والهجرة، والنزاعات، وصعود الصين والهند، والتنافس الدولي على المعادن والطاقة، والبحث عن نموذج تنموي إفريقي مستقل.
ولهذا فإن تقديم أكتوبر إلى هذا الجيل لا ينبغي أن يتوقف عند تفاصيل المعركة، وإنما يجب أن ينتقل إلى معنى التجربة.
لقد نجحت مصر بعد هزيمة 1967 في إعادة بناء قدراتها العسكرية والسياسية والاستراتيجية، ثم خاضت حربًا استطاعت خلالها القوات المصرية عبور قناة السويس واقتحام التحصينات الإسرائيلية على الضفة الشرقية، ووفقًا للبيانات الرسمية المصرية، شاركت أكثر من 220 طائرة في الضربة الجوية الأولى، وعبر نحو 8 آلاف جندي إلى الضفة الشرقية خلال الساعات الأولى، وتم فتح 60 ممرًا في الساتر الترابي وإنشاء 8 كبارٍ ثقيلة و4 كبارٍ خفيفة وتشغيل 30 معدية.
لكن أهمية أكتوبر لا تكمن في هذه الأرقام وحدها.
القيمة الأعمق أن دولة تعرضت لهزيمة عسكرية قاسية استطاعت خلال سنوات قليلة أن تعيد بناء قدرتها، وتحدد أهدافها، وتدير حربًا معقدة، ثم تحول النتائج العسكرية إلى مسار سياسي ودبلوماسي طويل انتهى باستعادة السيادة المصرية على سيناء.
وهذه الفكرة بالذات يمكن أن تكون ذات صدى قوي لدى الأجيال الإفريقية.
فالقارة الإفريقية تعرف جيدًا معنى النضال من أجل الأرض والسيادة وبناء الدولة، لكن معركة إفريقيا الحالية لم تعد عسكرية في جوهرها، إنها معركة التنمية، والتصنيع، والأمن الغذائي والطاقة، ونقل التكنولوجيا، وتعظيم القيمة المضافة للموارد، وبناء المؤسسات، وتحقيق الاستقلال الاقتصادي.
ومن هنا يمكن أن يصبح أكتوبر جسرًا بين ذاكرة مصر ودورها الإفريقي المعاصر.
فإذا كان عبور قناة السويس عام 1973 قد ارتبط بكسر حاجز عسكري، فإن إفريقيا اليوم أمام حواجز اقتصادية وتكنولوجية ومؤسسية تحتاج إلى عبورها هي الأخرى.
وهنا تظهر مسؤولية مصر في تحويل أكتوبر من مناسبة وطنية إلى رصيد من القوة الناعمة في إفريقيا.
القوة الناعمة لا تعني أن نقول للآخرين إن لدينا تاريخًا عظيمًا، وإنما أن نجعل الآخر يرى في هذا التاريخ قيمة يمكن أن يستفيد منها في حاضره.
يمكن أن تقدم مصر تجربة أكتوبر للأجيال الإفريقية باعتبارها درسًا في إعادة بناء القدرة الوطنية بعد الهزيمة، وفي إدارة القوة، وفي الجمع بين الأدوات العسكرية والسياسية والدبلوماسية، وفي تحويل نتيجة الحرب إلى مسار سياسي قادر على تحقيق أهداف الدولة.
والأهم أن تقدمها في إطار إفريقي لا باعتبارها قصة مصرية منعزلة.
فمصر كانت ولا تزال جزءًا من القارة، وعضوًا مؤسسًا لمنظمة الوحدة الإفريقية، التي تأسست في 25 مايو 1963 بمشاركة 32 دولة إفريقية مستقلة، ولذلك فإن الذاكرة المصرية والذاكرة الإفريقية ليستا منفصلتين تمامًا، وإن كانت الأجيال الجديدة تحتاج إلى إعادة اكتشاف الروابط بينهما.
وهنا يجب أن ندرك أن وسائل صناعة الذاكرة تغيرت.
الجيل الجديد لا يتلقى التاريخ فقط من الكتب المدرسية. الهاتف المحمول أصبح مصدرًا للمعلومة، والمنصات الرقمية أصبحت أرشيفًا مفتوحًا، والفيديو القصير قد يصنع أثرًا لدى شاب أكثر من صفحات طويلة في كتاب.
لذلك فإن الحفاظ على حضور أكتوبر في الوعي الإفريقي يحتاج إلى أدوات جديدة: محتوى رقمي متعدد اللغات، ووثائقيات موجهة للشباب، وبرامج تبادل جامعي، وندوات في الجامعات الإفريقية، ودراسات مشتركة بين مراكز الأبحاث المصرية والإفريقية، وترجمة المصادر التاريخية إلى اللغات الإفريقية والإنجليزية والفرنسية.
لكن الأهم هو ألا نقدم أكتوبر باعتباره قصة مكتملة لا تحتاج إلى نقاش، بل باعتباره تجربة استراتيجية قابلة للدراسة.
ويمكن للطالب الإفريقي أن يقرأ أكتوبر في إطار العلاقات الدولية، والباحث العسكري أن يدرسه كنموذج في التخطيط وإدارة العمليات، والاقتصادي أن يدرس تأثير الحرب على المنطقة وأسواق الطاقة والتجارة، والسياسي أن يقرأه في إطار استعادة السيادة وإدارة التفاوض، عندها تتحول الذكرى إلى معرفة، وتتحول المعرفة إلى قوة ناعمة، وتتحول القوة الناعمة إلى علاقة أكثر عمقًا بين مصر والأجيال الإفريقية الجديدة.
إفريقيا اليوم تضم أكثر من 1.5 مليار نسمة، وتتمتع بأحد أصغر التكوينات العمرية في العالم، بينما تتجه القارة إلى تنفيذ أجندة 2063 ومنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، وتبحث عن نموذج اقتصادي أكثر استقلالًا وقدرة على إنتاج القيمة.
وفي هذا السياق، فإن الرسالة الأهم التي يمكن أن تحملها مصر من أكتوبر ليست فقط أن جيشها عبر قناة السويس، وإنما أن الدولة التي تعرضت لهزيمة تستطيع أن تعيد بناء نفسها وتستعيد قدرتها وتفرض حضورها، وهذه الرسالة تتجاوز مصر، إنها رسالة يمكن أن تجد صدى لدى إفريقيا التي تسعى اليوم إلى استعادة السيطرة على مواردها، وبناء صناعاتها، وتعزيز تجارتها البينية، وتقليل اعتمادها على تصدير المواد الخام، وصناعة مكان أكثر تأثيرًا لها في الاقتصاد العالمي.
لذلك فإن أفضل احتفال مصري بانتصار أكتوبر في إفريقيا ليس أن نطلب من الأجيال الجديدة حفظ تفاصيل الحرب، وإنما أن نجعلها تفهم لماذا كان أكتوبر نقطة تحول، فبعض الانتصارات لا تنتهي بانتهاء المعركة، لأنها تحمل فكرة أكبر من المعركة نفسها، وأكتوبر يحمل فكرة استعادة الأرض، وإعادة بناء القدرة، وصناعة القرار، وتحويل الهزيمة إلى نقطة انطلاق، ولذلك يمكن أن يبقى أكتوبر حاضرًا في إفريقيا، لا باعتباره صورة قديمة لجندي يعبر قناة السويس، وإنما باعتباره فكرة حديثة لشعوب تريد أن تعبر هي الأخرى حواجز التاريخ نحو المستقبل.
وربما تكون هذه هي أفضل طريقة لكي تظل ذكرى أكتوبر حية في وجدان الأجيال الإفريقية الجديدة: أن ننتقل بها من ذاكرة الحرب إلى دروس بناء الدولة، ومن الاحتفال بالانتصار إلى صناعة القدرة، ومن التاريخ إلى المستقبل.



