رأي

سليم عبد الكريم الهندي يكتب.. حين تتغير الأولويات بين النجاة الفردية والمسؤولية الجماعية

في المجتمعات التي تمر بأزمات ممتدة، لا تتغير الظروف المحيطة بالإنسان فحسب، بل تتغير معها نظرته إلى الحياة وإلى ذاته وإلى المجتمع الذي يعيش فيه. ومع استمرار الخوف والفقدان وعدم اليقين، يصبح البحث عن الأمان والاستقرار أولوية تتقدم على كثير من القضايا الأخرى.

في مثل هذه الظروف، قد ينشغل الإنسان بتأمين احتياجات أسرته، والحفاظ على مصدر دخله، وضمان مستقبل أبنائه، والبحث عن مساحة أكثر أماناً. وهي احتياجات طبيعية ومشروعة، خصوصاً عندما تكون الحياة اليومية نفسها مصدراً للقلق والضغط.
غير أن استمرار الأزمات قد يؤدي تدريجياً إلى تغير أعمق في طريقة التفكير. إذ ينتقل الاهتمام من المجال العام إلى المجال الخاص، ومن الإحساس بالمسؤولية الجماعية إلى التركيز على النجاة الفردية. ويبدأ الإنسان، بصورة واعية أو غير واعية، في إعادة ترتيب أولوياته وفقاً لما يراه أكثر إلحاحاً بالنسبة إليه وإلى أسرته.
ومن هنا يبرز مفهوم كيّ الوعي بوصفه حالة لا ترتبط فقط بمحاولة فرض الأفكار، وإنما يمكن أن تتشكل أيضاً من خلال تراكم الإحباطات والخيبات وفقدان الثقة والشعور بالعجز عن التأثير. فعندما تتكرر التجارب التي تجعل الفرد يشعر بأن صوته لا يُسمع، وأن مشاركته لا تحدث فرقاً، وأن محاولات التغيير لا تقود إلى نتائج ملموسة، فإن ذلك قد يدفعه تدريجياً إلى الانسحاب من المجال العام.
ولا يحدث هذا التحول بصورة مفاجئة، بل يتشكل ببطء. تبدأ المسافة بالاتساع بين الفرد ومجتمعه، ويصبح الاهتمام بالشأن العام أقل حضوراً في تفاصيل الحياة اليومية. وقد يتحول السؤال من: ماذا يمكن أن نفعل معاً؟ إلى: ماذا يمكن أن أفعل أنا؟
هنا يظهر الخلاص الفردي بوصفه أحد مخرجات هذه الحالة. فالإنسان يبحث عن طريق يضمن له ولأسرته قدراً أكبر من الأمان والاستقرار، وقد يرى في الهجرة، أو تحسين الوضع الاقتصادي، أو تأمين تعليم الأبناء، أو الابتعاد عن مناطق الصراع، فرصاً للخروج من دائرة الأزمة.
ولا ينبغي النظر إلى هذا السلوك باعتباره أنانية بالضرورة، فالنجاة حاجة إنسانية أساسية، ومن الصعب مطالبة الإنسان بالتفكير في القضايا العامة بينما يكافح من أجل تأمين أبسط احتياجات حياته. غير أن الإشكالية تظهر عندما يتحول الخلاص الفردي من استجابة لظرف استثنائي إلى ثقافة اجتماعية مستقرة، يصبح فيها مستقبل الفرد منفصلًا في وعيه عن مستقبل المجتمع.
عند هذه النقطة، لا يعود التحدي متعلقاً بالفرد وحده، وإنما يصبح متعلقاً بقدرة المجتمع على الحفاظ على مفهوم «نحن».
فالوعي الجمعي لا يعني أن يتخلى الإنسان عن مصالحه الخاصة، ولا يعني أن يقدم احتياجات المجتمع على احتياجات أسرته في كل الظروف، وإنما يعني إدراك أن المصالح الفردية لا تعيش في فراغ، وأن أمن الفرد واستقراره ومستقبل أبنائه يرتبط بدرجة كبيرة بسلامة البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها.
ومن هنا، فإن مواجهة آثار كيّ الوعي لا يمكن أن تقوم على اللوم أو الخطاب الوعظي. بل تحتاج إلى إعادة بناء الثقة بين الفرد ومجتمعه، وبين المواطن والمؤسسات، وإلى توفير مساحات حقيقية للمشاركة والتعبير والتأثير. فالإنسان لا يصبح شريكًا في الحياة العامة بمجرد دعوته إلى المشاركة، وإنما عندما يشعر أن مشاركته ذات قيمة وأن لصوته أثراُ.
كما أن استعادة الوعي الجمعي تتطلب إعادة الاعتبار لفكرة الأمل. فالأمل ليس مجرد شعور إيجابي، وإنما عنصر أساسي في قدرة المجتمعات على الصمود والتغيير. وحين يفقد الإنسان الأمل بإمكانية تحسين واقعه، يصبح الانسحاب والبحث عن الخلاص الشخصي أكثر جاذبية.
لذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في مطالبة الناس بالتخلي عن أحلامهم الفردية، بل في بناء بيئة تجعل هذه الأحلام جزءاً من مشروع جماعي أوسع. أن يستطيع الإنسان أن يبحث عن مستقبله، وفي الوقت نفسه يشعر بأن له دوراً في صناعة مستقبل مجتمعه.
إن المجتمعات التي تمر بالأزمات تحتاج إلى أكثر من القدرة على البقاء؛ تحتاج إلى الحفاظ على الروابط التي تجعل أفرادها يشعرون بأنهم جزء من مصير مشترك. فحين تتسع مساحة «أنا» على حساب «نحن»، يصبح المجتمع أكثر هشاشة، وحين تتكامل «أنا» مع «نحن»، يصبح الاختلاف والتنوع مصدر قوة لا سبباً للانقسام.
وفي النهاية، ليس المطلوب أن نضع النجاة الفردية في مواجهة المسؤولية الجماعية، بل أن نعيد تعريف العلاقة بينهما. فالإنسان من حقه أن يبحث عن الأمان، وأن يحمي أسرته، وأن يحلم بمستقبل أفضل، لكن من حق المجتمع أيضًا أن يحافظ على أفراده كقوة فاعلة وشريكة في بناء المستقبل.
ربما يكون الخلاص الحقيقي هو أن نصل إلى مرحلة لا يضطر فيها الإنسان إلى الاختيار بين أن ينقذ نفسه وأن يساهم في إنقاذ مجتمعه، بل أن يدرك أن الطريقين يمكن أن يلتقيا.
فنجاة الفرد مهمة، لكن بناء مجتمع يستطيع الجميع أن ينجوا فيه معاً هو المعنى الأوسع للمسؤولية.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى