
احتفل البعض، فيما اختار آخرون عدم الاحتفال. ومع انقضاء هذه الليلة، ستخفت أضواء الاحتفال بذكرى ثورة الفاتح من سبتمبر 1969، غير أن واقع الليبيين سيظل على حاله؛ واقعًا صعبًا لم يستثنِ أحدًا.
وهنا يبرز السؤال الأهم:
الاحتفال… وماذا بعد؟
منذ فبراير 2011، ونحن ندور في الحلقة ذاتها. فريق يحمّل فبراير مسؤولية ما آلت إليه أوضاعنا، وآخر يحمّل سبتمبر المسؤولية، وبين هذا وذاك تتسع الفجوة بين الليبيين، وتمضي السنوات، وتُستنزف الثروات، ويظل المواطن يدفع ثمن الانقسام والفوضى.
اختلفنا طويلًا حول الماضي، لكننا لم ننجح في بناء المستقبل.
فالدولة لم تستعد عافيتها، والأمن والاستقرار لم يترسخا على أرض الواقع، والثروة الوطنية ما زالت عرضة للهدر والصراع، فيما يعيش جيل كامل على أمل انتهاء مرحلة انتقالية يبدو أنها لا تنتهي.
ومع ذلك، ما زلنا نستنزف حاضرنا في صراعات الماضي!
إلى متى ننتظر الآخرين؟
ما زال الليبي ينتظر اجتماعات السياسيين واتفاقات المتنافسين على السلطة، ويتابع تصريحات السفراء وتغريدات المسؤولين الأجانب ولقاءات المبعوثين الدوليين، وكأن مستقبل ليبيا لا يُصاغ إلا خارج حدودها.
ويتسابق البعض إلى أبواب المبعوثين بحثًا عن موقع في سلطة انتقالية جديدة، بينما ينتظر المواطن دولة تحميه، وقانونًا ينصفه، وثروةً تُصان، ومستقبلًا يليق بأبنائه.
وهنا ينبغي أن يتوقف الانتظار.
ليبيا ليست طاولة مفاوضات دولية، ولا غنيمة سياسية، ولا حصة لهذا الطرف أو ذاك.
ليبيا وطن.
وطن لجميع أبنائه، من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب.
يا أبناء ليبيا… أفيقوا!
لقد طال الانتظار، وكفى ما دفعناه من أمننا وأرزاقنا ومستقبل أبنائنا.
لسنا بحاجة إلى حرب جديدة بين الليبيين، ولا إلى انتقام، ولا إلى إعادة فتح جراح الماضي.
نحن بحاجة إلى أن تنتصر ليبيا على الانقسام، والدولة على الفوضى، والقانون على السلاح، والسيادة على التدخل الأجنبي.
ونحتاج إلى أن ندرك أن الليبي ليس عدوًا لليبي، وأن اختلافنا في قراءة التاريخ لا ينبغي أن يتحول إلى صراع على مستقبل الوطن.
فلنختلف في قراءة التاريخ كما نشاء، ولكن لنتفق على الوطن.
ولنجعل أولويتنا بناء دولة واحدة، ومؤسسات موحدة، وقانون يسري على الجميع، وثروة وطنية تُدار بشفافية، وقرار ليبي مستقل لا يُملى من الخارج.
الاحتفال الحقيقي لم يبدأ بعد
الاحتفال الحقيقي لا يتمثل في رفع الرايات الخضراء ليلة واحدة، ثم العودة إلى الانتظار.
الاحتفال الحقيقي هو أن نستعيد وطنًا موحدًا، ودولةً ذات سيادة، وثروةً مصانة، ومواطنًا آمنًا كريمًا.
فلا تجعلوا سبتمبر القادم موعدًا جديدًا للجدل، ولا فبراير القادم محطة أخرى لتبادل الاتهامات.
اجعلوا الموعد مع ليبيا.
فمستقبل الوطن لن يصنعه الآخرون نيابةً عنا.
إن أردنا دولة، فعلينا أن نعمل من أجلها.
وإن أردنا سيادة، فعلينا أن نحمي قرارنا الوطني.
وإن أردنا وحدة، فعلينا أن نرفض كل ما يمزقنا.
يبدأ الخلاص عندما يدرك الليبيون أن وطنهم مسؤوليتهم، وأن مستقبل أبنائهم أمانة في أيديهم.
فليبيا ليست بلا مستقبل، وإنما تنتظر إرادة أبنائها.
وكما قال أبو القاسم الشابي:
إذا الشعبُ يومًا أراد الحياة
فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلي،
ولا بد للقيد أن ينكسر.
فهل نريد الحياة حقًا؟
إذن… فلنبدأ.


