د. نبيل أبو الخير يكتب.. مضيق هرمز على حافة الانفجار: صراع الإرادات بين واشنطن وتل أبيب وطهران

يُمثّل مضيق هرمز اليوم بؤرة الاشتعال الأكثر حساسية في الجغرافيا السياسية العالمية؛ فهو ليس مجرد ممر بحري استراتيجي يعبر من خلاله نحو خمس تجارة النفط المنقولة بحراً، بل هو المرآة العاكسة لميزان القوى بين طهران من جهة، وواشنطن وتل أبيب من جهة أخرى. وفي المشهد الراهن، يعيش المضيق حالة غير مسبوقة من “التأهب القتالي الصامت”، حيث تحوّلت مياهه إلى مسرح لعمليات الاستطلاع المكثف، والتشويش السيبراني على أجهزة الملاحة البحرية، والاحتكاكات التكتيكية بالزوارق السريعة والمسيّرات، فضلاً عن الارتفاع القياسي في تكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب على ناقلات الطاقة، مما يجعل حركة التجارة الدولية تسير فوق حقل ألغام سياسي وأمني دائم الانتظار لأي شرارة عابرة.
تتحرك الأطراف المعنية في هذا التوقيت بحسابات بالغة الدقة؛ فبينما تسعى إسرائيل إلى كسر قواعد الاشتباك وتوجيه ضربات تستهدف تقويض النفوذ الإيراني، تجد الولايات المتحدة نفسها في مأزق الحفاظ على أمن الملاحة وحماية حلفائها دون التورط في نزاع إقليمي واسع، في حين تستخدم إيران تهديد سلامة المضيق كدرع ردع أخير يمنع أي استهداف مباشر لعمقها الحيوي أو منشآتها الاستراتيجية.
وفي ضوء هذه المعطيات، يرسم استشراف مستقبل هذا الشريان الدولي ثلاثة مسارات محتملة:
سيناريو استنزاف الملاحة وإدارة الأزمة (الأكثر ترجيحاً): بقاء التوتر تحت سقف الحرب الشاملة عبر استمرار الضغوط الاستخباراتية والاعتراضات البحرية المحدودة، ما يُبقي أسواق الطاقة في حالة تذبذب مستمر دون شلل تام للممر.
سيناريو الانفجار الإقليمي والإغلاق القسري: انزلاق المواجهة إلى ضربات عسكرية مباشرة وشاملة تقود طهران إلى محاولة تعطيل المضيق بالألغام والصواريخ الساحلية، ما يستدعي تدخلاً عسكرياً أمريكياً فورياً ويجر الاقتصاد العالمي إلى أزمة تضخم وركود تاريخية.
سيناريو التهدئة الاضطرارية وإعادة ضبط المسار: لجوء القوى الدولية والوسطاء الإقليميين إلى صياغة تفاهمات أمنية غير معلنة تحد من المخاطر وتؤمن الممرات المائية مقابل تخفيف القيود الاقتصادية وإعادة رسم مسارات التفاوض.
إن مستقبل أمن الطاقة العالمي بات معلقاً بمدى انضباط الحسابات عند هذا الممر المائي الحرج؛ فأي خطأ تكتيكي أو تقدير غير محسوب في هرمز كفيل بإعادة تشكيل النظام الأمني في الشرق الأوسط وفرض واقع جيوسياسي جديد على العالم بأسره.



