الرياضة العراقية … ثمانية وسبعون عاماً من الدوران في الحلقة المفرغة! متى نبني المنظومة؟

إعداد/ دكتور ناؤوك / ريسان خريبط مجيد
في البداية يمكننا تفكيك مضمون عنوان الموضوع عبر تسع أفكار محورية:
1- الفجوة بين النظام المكتوب والنظام الفعلي: ثمة فارق جوهري بين النظام المدوَّن على الورق، والنظام الذي يعمل فعلياً على أرض الواقع.
2- هشاشة المؤسسة المرتبطة بالأفراد: حين تتوقف فاعلية المؤسسة على شخص بعينه – أميناً عاماً كان أو مدرباً أو مسؤولاً فنياً – تصبح هذه المؤسسة عرضة للانقطاع والتعثر كلما تغيّر ذلك الشخص.
3- بناء الأشخاص داخل المنظومة لا العكس: لا ينبغي أن تُبنى الرياضة على الأشخاص؛ بل يجب أن يُبنى الأشخاص داخل منظومة رياضية متكاملة.
4- الانتقال من “كم صرفنا؟” إلى “ماذا أنتج الإنفاق؟”: يجب أن تنتقل الرياضة العراقية من منطق حساب حجم الإنفاق، إلى منطق قياس ما تحقق فعلياً من هذا الإنفاق.
5- الإصلاح لا يبدأ بتغيير المدربين: لا يبدأ الإصلاح الجاد لإعادة بناء الرياضة العراقية بتغيير المدربين، بل يبدأ من إعادة بناء المنظومة الرياضية برمّتها.
6- مؤشرات أداء سنوية واضحة لكل اتحاد: يجب أن يمتلك كل اتحاد أرقاماً سنوية واضحة، لا مجرد تصريحات عامة من قبيل “حققنا نتائج جيدة”. فالسؤال الحقيقي هو: ما الرقم؟ وما نسبة التطور؟ وأين موقعنا عربياً وقارياً وعالمياً؟
7- تطبيق الحوكمة في الرياضة العراقية: لا بد من تحديد واضح للأدوار: من يقرر؟ ومن ينفذ؟ ومن يراقب؟ ومن يقيّم؟ ومن يحاسب؟
8- تمويل موجَّه بأهداف ومؤشرات، لا تمويل عام: لا ينبغي أن يكون تمويل الاتحادات تمويلاً عاماً غير موجَّه، بل تمويلاً للمشروع، بحيث تكون له أهداف ونتائج ومؤشرات محددة.
9- كسر حلقة إعادة إنتاج الفشل: عند كل خسارة، نلوم المدرب، ثم نغيّر المدرب، ثم نغيّر اللاعبين، ثم نشكّل لجنة، ونضع توصيات، ونبدأ من جديد… لنخسر مرة أخرى. هذه ليست منظومة إصلاح، بل دورة متكررة لإعادة إنتاج الفشل.
مقدمة:
لم تعد مشكلة الرياضة العراقية مشكلة نقص في الأشخاص أو المسؤولين، ولا مشكلة تبديل مدربين أو تغيير وجوه، بقدر ما هي مشكلة منظومة وفلسفة وتخطيط. فمنذ أكثر من سبعة عقود، تتكرر الأخطاء نفسها، وتتغيّر الوجوه، وتتبدّل اللجان، بينما يبقى السؤال قائماً: لماذا لا تتغيّر النتائج؟
إن بناء رياضة عراقية قادرة على المنافسة لا يبدأ من تغيير الأشخاص، بل من بناء منظومة علمية وطنية تقوم على التخطيط طويل الأمد، والحوكمة، والقياس، والاستثمار في الإنسان، وربط المدرسة والجامعة والنادي والاتحاد والدولة في مشروع رياضي واحد.
فالمشكلة الأعمق ليست غياب الورق، وإنما الفجوة بين “النظام المكتوب” و”النظام الذي يعمل فعلياً”.
أولاً: أين تكمن المشكلة؟
من وجهة نظر علمية، يمكن اختزال جذور الأزمة في سبع حلقات مترابطة:
1- غياب الفلسفة الرياضية الوطنية:
يحتاج العراق أولاً إلى الإجابة عن سؤال جوهري: ماذا نريد من الرياضة العراقية خلال 20 أو 30 سنة؟ هل نريد رياضة جماهيرية؟ أم رياضة مدرسية؟ أم صناعة بطل أولمبي؟ أم احترافاً واستثماراً؟ أم كل ذلك ضمن منظومة واحدة؟ لا يمكن أن تبدأ من اختيار المدرب أو اللاعب قبل تحديد فلسفة الرياضة الوطنية.
2- تحول المؤسسة إلى شخص:
وهذه من أخطر نقاط الخلل. فعندما تتوقف المؤسسة على رئيس أو أمين عام أو مدرب أو مسؤول فني، تصبح عرضة للانقطاع كلما تغيّر الشخص.
أما المؤسسة الحقيقية فتقول: الخطة باقية، والمؤشرات باقية، ونظام العمل باقٍ، والأشخاص يتغيّرون. وهنا تبرز واحدة من أهم قواعد الإصلاح: لا نبني الرياضة على الأشخاص؛ بل نبني الأشخاص داخل منظومة رياضية.
وهذا ليس مجرد انطباع؛ فدراسات عراقية تناولت السياسات الإدارية والقيادية في الاتحادات الرياضية، وكشفت عن ضعف في الإدارة المتميزة، وفي تطوير الأساليب الإدارية، وفي التدريب الإداري، وكذلك في غياب مقاييس واضحة لتقييم تطور السياسات والقيادة.
3- غياب “سلسلة صناعة الرياضي”:
وهذه من أخطر المشكلات على الإطلاق. فالبطل الأولمبي لا يبدأ من المنتخب الوطني، بل يبدأ من سلسلة متكاملة: الأسرة ← المدرسة ← اكتشاف الموهبة ← القياس العلمي ← النادي ← الاتحاد ← مركز التدريب المتخصص ← المنتخب ← الاحتراف الدولي ← المستوى الأولمبي.
فإذا انقطعت حلقة واحدة، تضرر المشروع كله؛ لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال: من هو مدرب المنتخب؟ بل: أين اكتُشفت الموهبة؟ وكيف قيسَت؟ وكيف تطورت خلال 8 أو 12 سنة؟ ومن المسؤول عن انتقالها من مرحلة إلى أخرى؟
ومن هنا فإن أي مشروع يتبنى “بصمة علمية شاملة” للفعاليات الرياضية يمكن أن يشكّل جزءاً مهماً جداً من هذه الفلسفة، لأنه يحوّل الفعالية الرياضية من وصف عام إلى منظومة من متطلبات ومؤشرات قابلة للقياس.
4- التخطيط عندنا كثيراً ما يكون “خطة” وليس “نظاماً”:
هذه نقطة دقيقة جداً. فالخطة قد تكون وثيقة جميلة من عشرات الصفحات، لكن النظام يعني:
• أهدافاً محددة
• مؤشرات قياس
• مسؤوليات واضحة
• ميزانية
• جدولاً زمنياً
• جهة تنفيذ
• جهة رقابة
• تقويماً سنوياً
• تصحيحاً للمسار
• ومحاسبة عند عدم التنفيذ
وقد ظهرت محاولات حديثة في العراق لتقوية هذا الجانب؛ ففي مايو 2026 عُقدت ورشة متخصصة لتطوير الفرق التنفيذية للاستراتيجية الوطنية للرياضة، ركّزت على التخطيط والتنفيذ والمتابعة ومؤشرات الأداء والتشريع والبنية التحتية. وهذا بالضبط هو الاتجاه الذي يجب البناء عليه.
5- الرياضة ليست وزارة ولا لجنة أولمبية وحدها:
الرياضة منظومة مجتمعية وليست مؤسسة واحدة. يجب أن تتكامل فيها:
الدولة ← التشريع ← وزارة الشباب والرياضة ← اللجنة الأولمبية ← الاتحادات ← الأندية ← المدارس والجامعات ← كليات التربية البدنية وعلوم الرياضة ← الإعلام ← القطاع الخاص والاستثمار ← الأسرة والمجتمع ← الرياضي نفسه.
فإذا عمل كل طرف منفرداً، لن تنتج دولة رياضية. ولهذا فإن قانون اللجنة الأولمبية نفسه يتحدث عن التعاون بين المؤسسات الرياضية الحكومية وغير الحكومية، وقانون الاتحادات يتضمن مبادئ الحكم الرشيد وتطوير الكوادر.
6- المشكلة ليست فقط في المال:
زيادة الميزانية لا تعني بالضرورة تطور الرياضة. يمكن أن يتوفر مال كثير، لكن إن لم تتوفر معه: (أولوية + تخطيط + إدارة + علم + قياس + رقابة + محاسبة)، فإن المال قد يزيد حجم المشكلة بدلاً من حلّها. لذلك ينبغي أن ينتقل العراق من مفهوم “كم صرفنا؟” إلى مفهوم ”ماذا أنتج الإنفاق؟”.
فمثلاً، إذا أُنفق مليار دينار على إعداد فعالية معينة، ينبغي السؤال: ما الذي حدث في المستوى الرقمي؟ في عدد الموهوبين؟ في مستوى المدربين؟ في النتائج الدولية؟ في البنية التدريبية؟ في المؤشرات الفسيولوجية؟ في الاستمرارية؟ وفي العائد الاجتماعي؟ هنا يبدأ الاقتصاد الرياضي الحقيقي.
7- غياب الحوكمة والمحاسبة:
هذه حلقة لا يمكن تجاوزها. فالمؤسسة الرياضية الحديثة تحتاج إلى: (شفافية + مساءلة + عدالة + كفاءة + استقلالية + تقييم أداء)، وقد اقترحت دراسات عراقية حديثة نماذج لتطبيق الحوكمة في المؤسسات الرياضية، ركّزت على الإفصاح والشفافية والمساءلة والعدالة والمساواة وآليات الرقابة. أي إن حتى الدراسات العراقية نفسها تشير إلى أن الحوكمة ليست قضية ثانوية، بل جزء أصيل من الإصلاح الرياضي.
ثانياً: الحلقة المفرغة:
يمكن تلخيص واقع الرياضة العراقية الحالي بدقة في هذه الدورة المتكررة: نخسر ← نلوم المدرب ← نغيّر المدرب ← نغيّر اللاعبين ← نشكّل لجنة ← نضع توصيات ← نبدأ من جديد ← نخسر مرة أخرى، هذه ليست منظومة إصلاح، بل دورة إعادة إنتاج الفشل.
والخروج منها يكون بتحويل الدورة إلى: تشخيص ← تخطيط ← تنفيذ ← قياس ← تقييم ← تصحيح ← تراكم معرفي ← نتيجة، عندها يصبح الفشل نفسه معلومة علمية نستفيد منها، لا مناسبة للبحث عن كبش فداء.
ثالثاً: ما هو الحل الواقعي؟
الحل ليس في تغيير الأشخاص واحداً بعد الآخر، بل في تغيير طريقة إنتاج القرار الرياضي نفسه. ويمكن تصوّر ذلك ضمن مشروع شامل يمكن تسميته: «المشروع الوطني لإعادة بناء الرياضة العراقية»، ولا يبدأ هذا المشروع بتغيير المدربين، بل بإعادة بناء المنظومة نفسها عبر عشرة مسارات:
1. بناء فلسفة وطنية للرياضة العراقية — وثيقة مختصرة جداً تحدد: لماذا نريد الرياضة؟ وإلى أين نريد أن نصل؟
2. وضع استراتيجية 20 سنة، لا أربع سنوات فقط، تُقسّم إلى: 20 سنة ← 10 سنوات ← 5 سنوات ← سنة واحدة.
3. إنشاء نظام وطني لاكتشاف الموهبة يعتمد على القياسات العلمية لا الاختيار العشوائي.
4. إعادة بناء الرياضة المدرسية، لأن المدرسة هي أكبر قاعدة لاكتشاف المواهب.
5. ربط الجامعات بالرياضة الوطنية، بحيث لا تبقى كليات التربية البدنية وعلوم الرياضة منفصلة عن الواقع الرياضي.
6. بناء مراكز علمية للإنجاز الرياضي تضم: فسيولوجيا + بايوميكانيك + علم نفس + تغذية + طب رياضي + قياس وتقويم + تحليل بيانات + تدريب رياضي.
7. إنشاء نظام وطني لمؤشرات الأداء الرياضي — فكل اتحاد يجب أن تكون لديه أرقام سنوية واضحة، ليس “حققنا نتائج جيدة”، بل: ما الرقم؟ وما نسبة التطور؟ وما موقعنا عربياً وقارياً وعالمياً؟
8. تطبيق الحوكمة، وتحديد: من يقرر؟ من ينفذ؟ من يراقب؟ من يقيّم؟ ومن يحاسب؟
9. تحويل التمويل من “تمويل النشاط” إلى “تمويل المشروع” — أي لا يُموَّل الاتحاد لمجرد وجوده، بل يُموَّل مشروع محدد الأهداف والنتائج والمؤشرات.
10. حماية الاستراتيجية من تغيّر الأشخاص — وربما هذه أهم نقطة على الإطلاق: إذا تغيّر الوزير أو رئيس الاتحاد أو رئيس اللجنة أو المدرب، لا تتغيّر الاستراتيجية الوطنية؛ فالشخص الجديد يستلم النظام ويعمل داخله، لا أن يعيد اختراعه.
رابعاً: المرصد الوطني للرياضة العراقية:
ليس اتحاداً جديداً، وليس وزارة جديدة، بل جهة علمية مستقلة وظيفتها: جمع البيانات ← تحليلها ← قياس الأداء ← مقارنة العراق دولياً ← إصدار تقرير سنوي عن حالة الرياضة العراقية. وفي نهاية كل عام يصدر تقرير، على سبيل المثال بعنوان: “المؤشر الوطني للرياضة العراقية 2027″، يجيب بوضوح عن أسئلة من قبيل:
• أين تقدّمنا؟ وأين تراجعنا؟
• أي اتحاد نجح؟ وأي اتحاد أخفق؟ ولماذا؟
• أين صُرفت الأموال؟ وماذا أنتجت؟
• ما الألعاب التي لديها قابلية أولمبية؟
• أين توجد المواهب؟
• ما مستوى المدربين؟ وما مستوى المنشآت؟
• وما توقعاتنا لأولمبياد 2032 و2036؟
عندها تصبح الرياضة موضوعاً علمياً قابلاً للقياس، لا موضوعاً انطباعياً.



