رأي

إدريس أحميد يكتب.. قراءة في واقع التحالف السعودي–الباكستاني–التركي

في مقال سابق، قدمتُ قراءة استشرافية توقعتُ فيها إمكانية قيام تحالف عسكري يضم السعودية وباكستان وتركيا، مع احتمال انضمام مصر إليه، انطلاقًا من مؤشرات التقارب السياسي والأمني بين هذه الدول. واليوم، يأتي توقيع الاتفاق الدفاعي السعودي–الباكستاني–التركي ليمنح تلك القراءة بُعدًا واقعيًا، ويعيد طرح السؤال حول ما إذا كان هذا الاتفاق مجرد شراكة بين ثلاث دول، أم بداية لمسار أوسع.

لم تعد التحولات في المنطقة تُقاس فقط بما يُعلن من اتفاقيات، وإنما بما تكشفه من اتجاهات استراتيجية جديدة. ومن هذه الزاوية، فإن الاتفاق يتجاوز التعاون العسكري المباشر، ويفتح الباب أمام إعادة تشكيل جزء من معادلات الأمن الإقليمي.
ومن وجهة نظري، فإن أحد دوافع هذا المسار يرتبط بتراجع الثقة لدى بعض دول المنطقة في قدرة الضمانات الأمنية الأمريكية وحدها على توفير الحماية الكافية. وقد عززت التطورات الأخيرة هذا الشعور، خصوصًا في ظل ما اعتبرته دول في المنطقة محدودية فاعلية الدور الأمريكي في ردع إيران ومنع التصعيد.
وهذا لا يعني القطيعة مع واشنطن، وإنما يعكس توجهًا نحو تنويع مصادر القوة والحماية، وعدم الاعتماد على مظلة أمنية واحدة، عبر بناء القدرات الذاتية وتوسيع الشراكات الإقليمية.
ومن المهم التأكيد أن مصر لم توقّع الاتفاقية، وإنما طُرحت إمكانية انضمامها مستقبلًا، وفق ما أشار إليه وزير الخارجية التركي. وإذا تحققت هذه الخطوة، فإن القاهرة ستضيف وزنًا سياسيًا وعسكريًا واستراتيجيًا كبيرًا إلى هذا الإطار.
لكن المسألة قد لا تتوقف عند مصر؛ إذ يمكن أن تفتح الاتفاقية الباب أمام انضمام دول إسلامية أخرى ترى في هذا المسار فرصة لتعزيز أمنها ومصالحها وبناء قدر أكبر من التنسيق الدفاعي.
وهنا تظهر زاوية أخرى تتعلق بالهند وإسرائيل. فالهند وباكستان تملكان تاريخًا طويلًا من التنافس، بينما ترتبط نيودلهي بعلاقات استراتيجية مع إسرائيل. ومن الطبيعي أن تراقب الهند أي ترتيبات دفاعية تضم باكستان وتركيا والسعودية بحساسية، خصوصًا إذا اتجهت نحو التوسع.
وفي المقابل، قد تنظر إسرائيل إلى اتساع هذا الإطار بقدر أكبر من القلق، ليس لأنه يستهدفها بالضرورة، وإنما لأن قيام منظومة دفاعية تضم قوى إقليمية مؤثرة يمكن أن يغير بعض معادلات القوة في المنطقة.
ولهذا، فإن القضية الأساسية ليست الاتفاق في حد ذاته، بل ما إذا كان سيتوسع ومن سينضم إليه. فإذا تحولت الدول الثلاث إلى نواة لإطار أوسع، فإن تأثيره لن يقتصر على الشرق الأوسط، بل قد يمتد إلى جنوب آسيا، بما يفرض حسابات جديدة على الهند وإسرائيل والقوى الدولية.
ولا ينبغي اختزال التحالف في كونه موجهًا ضد إيران أو ضد طرف بعينه؛ فالدول تتحرك وفق حسابات أوسع تتعلق بالأمن القومي، وحماية المصالح، وتنويع الشراكات، وتعزيز القدرة على التعامل مع الأزمات الإقليمية.
في النهاية، قد يكون ما نشهده اليوم بداية لمسار أكبر؛ فالتحالفات لا تبدأ دائمًا بصورتها النهائية، وإنما قد تبدأ بثلاث دول، ثم تتسع عندما تلتقي المصالح.
وما كان في السابق قراءة لاحتمالات التقارب، أصبح اليوم واقعًا سياسيًا وأمنيًا. ويبقى السؤال: هل سيكون هذا الاتفاق مجرد شراكة دفاعية محدودة، أم نواة لمنظومة إسلامية أوسع تعيد رسم جزء من خريطة الأمن الإقليمي؟

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى