الاماراتالرئيسيةنشرة الأخبار

الإمارات في أسبوع.. كيف صنعت الدولة نموذجًا عالميًا في بناء المجتمع المستدام؟

أبو ظبي – مركز العرب

في عالم تتسارع فيه التحولات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية، لم تعد قوة الدول تُقاس فقط بحجم اقتصادها أو قدراتها العسكرية، وإنما أصبحت تُقاس أيضًا بقدرتها على بناء مجتمع متماسك؛ يمتلك المعرفة، ويواكب التكنولوجيا، ويتمتع بالأمن والاستقرار وجودة الحياة. ومن هذا المنطلق، اختارت دولة الإمارات العربية المتحدة أن تجعل الإنسان محور مشروعها التنموي، باعتباره الاستثمار الأكثر استدامة، والأساس الحقيقي لأي نهضة وطنية.

وخلال السنوات الماضية، تحولت هذه الرؤية إلى استراتيجية متكاملة، لا تقتصر على إطلاق المبادرات الاجتماعية، بل تمتد إلى تطوير منظومة الأمن السيبراني، والاستثمار في الذكاء الاصطناعي، وتعزيز مكانة الدولة دوليًا، وترسيخ ثقافة الرياضة، وتمكين المؤسسات المجتمعية لتصبح شريكًا رئيسيًا في تحقيق التنمية.

وجاء استقبال الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، وفد مؤسسة الإمارات ليجسد هذه الفلسفة، حيث أكد أن المجتمع القوي والمتماسك يمثل الركيزة الأساسية لبناء وطن قادر على مواجهة التحديات وصناعة المستقبل، مشيدًا بالدور الذي لعبته المؤسسة طوال أكثر من عشرين عامًا في دعم المبادرات المجتمعية، وتمكين الإنسان، وتعزيز قيم المشاركة والانتماء.

الإمارات قمة الـ7

 المجتمع.. نقطة الانطلاق

لا تنظر القيادة الإماراتية إلى التنمية باعتبارها مشروعات بنية تحتية أو مؤشرات اقتصادية فحسب، بل باعتبارها عملية متكاملة تبدأ من الإنسان نفسه.

ولهذا، أكد الشيخ محمد بن زايد أن المجتمع المستقر والمتماسك يمثل أساس الدولة القوية، وأن المؤسسات الوطنية تؤدي دورًا محوريًا في ترسيخ القيم الاجتماعية، وتعزيز روح المسؤولية المشتركة، وإطلاق المبادرات التي ترفع جودة الحياة وتدعم استقرار الأسرة.

ويمثل هذا التوجه امتدادًا لنهج إماراتي تأسس منذ قيام الاتحاد، يقوم على الاستثمار في الإنسان قبل الاستثمار في الموارد، وعلى اعتبار التنمية المجتمعية جزءًا لا يتجزأ من الأمن الوطني.

وخلال أكثر من عقدين، نجحت مؤسسة الإمارات في ترجمة هذه الرؤية إلى برامج عملية استهدفت تمكين الشباب، ودعم العمل التطوعي، وتعزيز المسؤولية المجتمعية، وبناء شراكات بين القطاعين الحكومي والخاص، بما جعلها واحدة من أبرز المؤسسات التنموية في المنطقة.

وأكد الشيخ ذياب بن محمد بن زايد آل نهيان، رئيس مجلس إدارة المؤسسة، أن المرحلة المقبلة ستشهد إطلاق مبادرات أكثر تأثيرًا، ترتكز على تمكين الإنسان، واستثمار طاقات الشباب، وتعزيز ثقافة المشاركة المجتمعية، بما يواكب مستهدفات التنمية الوطنية ورؤية الإمارات للمستقبل.

 التنمية تبدأ بالأمن

لكن بناء الإنسان لا يمكن أن يتحقق في بيئة تفتقر إلى الأمن، ولهذا وسعت الإمارات مفهوم الأمن ليشمل حماية الفضاء الرقمي، الذي أصبح جزءًا لا يتجزأ من حياة الأفراد والمؤسسات.

وفي هذا الإطار، أعلن مجلس الأمن السيبراني نجاح المنظومة الوطنية في التصدي لهجمات إلكترونية استهدفت القطاع المالي، استخدمت فيها تقنيات متطورة شملت الذكاء الاصطناعي، ومحاولات اختراق للبنية التحتية الرقمية، وحملات تصيد إلكتروني معقدة.

وأظهر نجاح الإمارات في احتواء هذه الهجمات حجم التطور الذي وصلت إليه منظومة الأمن السيبراني، وقدرتها على حماية استقرار الخدمات المالية والحفاظ على الثقة في الاقتصاد الرقمي.

ولا تقتصر أهمية هذا الإنجاز على الجانب التقني، بل يعكس إدراكًا متقدمًا لطبيعة التهديدات الحديثة، التي لم تعد تقتصر على الحدود التقليدية، وإنما أصبحت تمتد إلى الفضاء الإلكتروني، حيث يمكن لهجوم رقمي أن يعطل مؤسسات مالية أو يؤثر في الاقتصاد الوطني.

ولهذا، بات الأمن السيبراني أحد أهم أعمدة الأمن القومي الإماراتي، وجزءًا من استراتيجية الدولة لحماية مكتسباتها الاقتصادية والتنموية.

 الرياضة أسلوب حياة

في الوقت نفسه، تولي الإمارات اهتمامًا متزايدًا بجودة الحياة، باعتبارها أحد مؤشرات التنمية الحديثة، وجسد استقبال رئيس الدولة للفائزين في “ألعاب الماسترز أبوظبي 2026” هذا التوجه، حيث أكد أن الرياضة ليست نشاطًا ترفيهيًا، بل أسلوب حياة يعزز الصحة، ويرفع جودة الحياة، ويقوي الروابط الاجتماعية بين أفراد المجتمع.

وتعكس هذه الرؤية مفهومًا تنمويًا متقدمًا، يربط بين الصحة البدنية والاستقرار الاجتماعي والإنتاجية الاقتصادية، ويجعل ممارسة الرياضة مسؤولية مجتمعية تمتد إلى مختلف الفئات العمرية.

كما أن استضافة الإمارات لهذا النوع من الفعاليات الدولية يعزز مكانتها مركزًا عالميًا للأحداث الرياضية، ويؤكد نجاحها في توظيف الرياضة كأداة للتنمية وبناء الإنسان، وليس فقط للمنافسة أو الترفيه.

 

الدبلوماسية تصنع الثقة

يظهر نجاح النموذج الإماراتي أيضًا في المجال الدبلوماسي، حيث حافظ جواز السفر الإماراتي على المركز الثاني عالميًا في تصنيف أقوى جوازات السفر لعام 2026، بإمكانية دخول 188 وجهة دون تأشيرة مسبقة أو بتأشيرة عند الوصول.

ولا يعكس هذا الإنجاز قوة الوثيقة الرسمية فحسب، بل يعبر عن شبكة واسعة من العلاقات الدولية التي بنتها الإمارات على مدار سنوات، من خلال سياسة خارجية تقوم على التعاون والانفتاح وبناء الشراكات.

ويؤكد خبراء العلاقات الدولية أن قوة جواز السفر أصبحت اليوم مؤشرًا على المكانة السياسية والاقتصادية للدول، وقدرتها على بناء الثقة مع المجتمع الدولي، وهو ما نجحت الإمارات في تحقيقه عبر توسيع اتفاقياتها الثنائية وتعزيز حضورها العالمي.

كما يشكل هذا الإنجاز عاملًا داعمًا للاستثمار والسياحة والتجارة، ويعكس صورة الدولة باعتبارها شريكًا موثوقًا على المستوى الدولي.

 الذكاء الاصطناعي… رهان المستقبل

ربما يمثل الاستثمار في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أكثر الجوانب طموحًا في المشروع الإماراتي، فالإمارات لا تسعى فقط إلى استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وإنما تعمل على أن تصبح مركزًا عالميًا لتطوير هذه الصناعة، عبر استثمارات ضخمة، وشراكات مع كبرى الشركات العالمية، وتطوير بنية تحتية رقمية متقدمة.

وقد كشفت تقارير دولية عن الاهتمام الأمريكي المتزايد بالتعاون مع الإمارات في هذا المجال، في ظل الطموح الإماراتي لبناء واحدة من كبرى منظومات الذكاء الاصطناعي في العالم، بما يعزز مكانة الدولة كمركز إقليمي للتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي.

ورغم التنافس الدولي المحتدم في هذا القطاع، استطاعت الإمارات أن ترسخ موقعها لاعبًا رئيسيًا في سباق التقنيات المتقدمة، مستفيدة من بيئة تشريعية مرنة، واستثمارات استراتيجية، ورؤية حكومية طويلة المدى.

 

 الطاقة والتنمية المستدامة

لا يكتمل الحديث عن النموذج الإماراتي دون التوقف عند قطاع الطاقة، الذي يشهد تحولًا متسارعًا نحو تنويع مصادر الدخل وتعزيز أمن الطاقة، فقد أعلنت “أدنوك” اتخاذ قرار استثماري ضخم لتطوير الغطاء الغازي لحقل أم الشيف باستثمارات تتجاوز 22 مليار درهم، في خطوة تستهدف زيادة إنتاج الغاز الطبيعي، وتعزيز أمن الطاقة، ودعم الصناعات المستقبلية، وعلى رأسها مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.

ويمثل المشروع جزءًا من استراتيجية أشمل تهدف إلى تعظيم الاستفادة من موارد الدولة، وتوسيع صادرات الغاز الطبيعي المسال، وترسيخ مكانة الإمارات باعتبارها أحد أهم موردي الطاقة منخفضة الانبعاثات عالميًا، كما يعكس استمرار ثقة الشركاء الدوليين في الاقتصاد الإماراتي، وقدرته على جذب الاستثمارات طويلة الأجل في القطاعات الاستراتيجية.

نموذج تنموي متكامل

عند قراءة هذه المؤشرات مجتمعة، يتضح أن الإمارات لا تدير ملفات منفصلة، بل تنفذ مشروعًا تنمويًا متكاملًا، تتداخل فيه التنمية المجتمعية مع الأمن الرقمي، والاستثمار مع التكنولوجيا، والطاقة مع الابتكار، والدبلوماسية مع جودة الحياة؛ فبناء الإنسان، وحماية الاقتصاد، وتطوير التكنولوجيا، وتعزيز الحضور الدولي، ليست أهدافًا متوازية، بل حلقات في منظومة واحدة تسعى إلى إعداد دولة قادرة على المنافسة في عالم سريع التغير.

ولهذا، تبدو الإمارات اليوم نموذجًا إقليميًا في كيفية تحويل الرؤية الاستراتيجية إلى سياسات عملية، تستثمر في الإنسان قبل كل شيء، وتعتبر أن المجتمع الواعي والمتماسك هو الثروة الحقيقية لأي دولة تطمح إلى المستقبل.

وفي ظل التحديات العالمية المتصاعدة، يواصل هذا النموذج ترسيخ حضوره، مؤكدًا أن التنمية المستدامة لا تُبنى بالمشروعات وحدها، وإنما ببناء الإنسان، وتمكينه، وتهيئة البيئة التي تسمح له بالإبداع والمشاركة وصناعة المستقبل.

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى