رأي

الدكتور عبد الراضي رضوان يكتب.. نافذة على الوعي (١٨)

( ظاهرة الجهل المتعاقل )
جاءت مدوَّنة العُمْران النفسي التي افتتحناها في المقال السابق ضمن أبعاد الحكمة الفلسفية لدى المتنبي متعددة الجوانب ثرية المعطيات متسعة الأرجاء مما لا يمكن معه الإحاطة بها إلا في أجزاء نبدأها بعلاجه الفذ ظاهرةً نفسية تفشَّت بصورة وَرَمٍ سرطاني من خلال عالم وسائل التواصل الاجتماعي وهي ظاهرة ( الجهل المتعاقل ).

وهي ظاهرة مَرَضية نفسية تشخِّص نمطا إنسانيا بالغ الخطورة اجتماعيا وثقافيا بما يثيره من فـِتَنٍ ويبثه من جهالات معرفية ؛ لأنه يجمع بين الجهل المطبِق المُركَّب من انتفاء العلم ومن الجهالة الأخلاقية على حد سواء ، إلى جانب تشبُّعه بموانع العلم ومضاداته المتمثلة في وَهْم المعرفة وتوهُّم الفَهم .

فهو لا يجهل الحقائق وأصول المعارف والعلوم فحسب، بل يرفض أن يتعلمها أو يفهمها أو يقبل النصح فيها ، فيتعامل مع كل نصيحة على أنها انتقاص من وَهْم المعرفة وتوهم الفهم المستقر لديه .

وهذا اللون من الجهل المُرَكَّب المُسْتَحْكم هو الذي يجعل الحوار معه مرهقًا دون جدوى إذ سيمنح الحوارُ ذلك الجاهلَ المتعاقل شعورا زائفا بقيمته وقيمة الزيف الذي يتقيؤه ، كما سيمنحه شعورا زائفا آخر بأن مرتبة العلم والمعرفة والعقلانية والالتحاق برَكْب ذويها وأربابها قد باتت قريبة المنال من إدركها ؛ لأن المشكلة لديه ليست كامنة فحسب في غياب الحقائق عنه نتيجة نقص المعلومات وأصول المعارف والعلوم وقواعد المنطق والبرهان ، بل كامنة كذلك في استغلاق النفس والعقل أمام إدراك أو قبول شيئ من ذلك بسبب وَهْم المعرفة وتَوَهم العقلانية المستحوذ عليه ؛ ذلك الخلل الذي يعمل عميد عمداء الإعلام الدكتور حسن علي على وضع خارطة استقصائية لأصناف وتوجهات المَرْضَى ضحايا ذلك الداء العضال ، ومن جانبنا نطمح إلى أن تتبنى الدولة من خلال الوعي مشروعا قوميا لعلاج ( ظاهرة الجاهل المتعاقل ) كما نجحتْ في علاج فيروس سي ؛ لأن خطورة فيروس (الجاهل المتعاقل ) أشد وأنكى على العقل والنفس والجسد والوطن معاً .

وهذا التشخيص الآنف لحالة الجاهل المتعاقل المَرَضية هو ما يتوافق مع الهدي القرآني الذي يتماهى المتنبي معه ، وتُعد حكمة المتنبي امتدادا للرؤية القرآنية للإنسان وتكوينه النفسي والروحي ومنهجية بناء الإنسان السوي السالم من الآفات النفسية .

فيشير القرآن في هذا الشأن بقوله تعالى: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ )
إلى أن العائق هنا ليس غياب الدليل ، وإنما استعلاء النفس الذي يمنعها من قبول الحق ، ويجعلها تتخذ من الهوى حجابًا يحول بين الإنسان وبين الرؤية الصحيحة ، كما يجعلها تهرب من الاعتراف بالحقيقة وتلجأ إلى صناعة الأعذار كما قال تعالى : ( بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ ) .

فوَهْمُ المعرفة وتَوَهُّم الفَهم يترتب عليه الجانب الثاني الكارثي في شخصية الجاهل المتعاقل ألا وهو التعالم وادعاء امتلاك أدوات العلم والمعرفة ومنهجية التفكير ، ومن ثم يبدأ في التقيئ ببعض المنتحَلَات شبيهة ( رغاوي الصابون ) في متواليات من الانتفاخ والانفثاء عديمة المذاق ، غير منتهية إلى حُجَّة قابلة للمعاينة والفحص والتمحيص وإن طُرحت عليها من ألوان التزاويق والتلاوين والتلاعب الساذج بالكلمات ما قد يُوهِم الأغرارَ بأنها تَمُتُّ إلى العلم والتحليل بماتَّةٍ وماهي بذاك على حد عبارة شيخ العربية الكبير الدكتور سعد مصلوح .

وذلك ماضرب له القرآن بعض الأمثلة في مثل قوله تعالى : ( وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ) ، وقوله تعالى : ( إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ) .

وكذلك أرشد القرآن الكريم إلى طريق الإعراض سبيلا للتعاطي مع آفة الجاهل المتعاقل في أكثر من موضع، مثل قوله تعالى : ( وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ) ، وقوله تعالى : ( وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ) ، وقوله تعالى أمراً تأكيديا بالإعراض عن الجاهل المتعاقل : ( وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ لَا يَسْمَعُوا ۖ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ).

ومن هنا كانت عبقرية المتنبي ؛ إذ أدرك أن علاج هذا الصنف لا يكون بالجدل العقيم، وإنما بعدم استنزاف الجهد فيما لا ثمرة منه ، فقرر قاعدته المبدئية في علاج الجاهل المتعاقل بالتغافل التام عنه ، قائلا :
أَنامُ مِلءَ جُفوني عَن شَوارِدِها
وَيَسهَرُ الخَلقُ جَرّاها وَيَختَصِمُ
وَجاهِلٍ مَدَّهُ في جَهلِهِ ضَحِكي
حَتّى أَتَتهُ يَدٌ فَرّاسَةٌ وَفَمُ

ثم ينتقل المتنبي إلى مرحلة علاجية أخرى من مراحل علاج الجاهل المتعاقل وهي التي تزداد فيها الحدة المَرَضية لدى الجاهل المتعاقل فيتباهى بما يتقيؤه من وهْم المعرفة وتوَهُّم الفَهْم ، ويتعالم ويتذاكى على أهل العلم وأرباب الفكر والنظر ، فيعلن – في سفور عدائي – تحديه لهم مُطالباً إياهم بمحاورته ومناقشته والرد عليه .

في هذه المرحلة العلاجية يرى المتنبي أن التغافل السلبي البسيط لن يجدي لأن الجاهل المتعاقل لن يستشعره أو يتفهمه بعد أن أقدمَ على طلب الحوار والرد ، وإنما العلاج في هذه المرحلة يكون بالإعراض العقابي ؛ أي بالاستقبال الواضح والملموس لطلب الحوار المُعْلَن من الجاهل ، ثم الإعراض الإيجابي الظاهر عنه عقاباً له بما يسبب له التعب النفسي والغيظ والهياج نظراً لإحساس الدونية والحقارة الذي سيتلبَّسه ويُشْعِره بعمق تفاهته وضآلة قيمته الحقيقية.

يقول المتنبي الحكيم النفساني :

لِساني بِنُطقي صامِتٌ عَنهُ عادِلٌ
وَقَلبي بِصَمْتي ضاحِكٌ مِنهُ هازِلُ
وَأَتعَبُ مَنْ ناداكَ مَنْ لا تُجيبُهُ
وَأَغيَظُ مَنْ عاداكَ مَن لا تُشاكِلُ
وَما التيهُ طِبّي فيهِمُ غَيرَ أَنَّني
بَغيضٌ إِلَيَّ الجاهِلُ المُتَعاقِلُ

وهنا تتجلى حكمة المتنبي في أربعة جوانب :
١- جَعَل العلم تكليفا واجباً وليس تشريفا .
٢- التأكيد على أن تجاهل السفه والخصومة أبلغ من الاسترسال في معارك لا ينتصر فيها العقل، لأن الطرف الآخر لا يبحث عن الحقيقة، وإنما عن الانتصار لوهم المعرفة وتوهم الفهم .
٣- بيان أن سلاح الإعراض عن الجاهل المتعاقل قوة في إدارة الصراع وليس ضعفًا ؛ وحكمته في قدرته اللامحدودة على إحداث التأثير العقابي المؤلم في نفس الجاهل المتعاقل.

٤- لم يكتف بوصف السلوك المَرَضي بل نفذ إلى الدوافع النفسية الكامنة وراءه ، فجعل من الشعر وسيلة لفهم الإنسان وإصلاحه ، وهي الوظيفة نفسها التي سيؤديها الأدب النفسي في العصور الحديثة، وإن اختلفت الوسائل والأساليب.

وقد قام المتنبي بالتطبيق العملي لهذا العلاج النفسي لبعض الجهال المتعاقلين الذين تعرضوا له فما كان منه إلا أن تجاهلهم تماما معرضا عنهم مُبدياً لطائف جديدة من حكمة الإعراض عنهم تتمثل في لطيفة فكرية تتمثل في تحقق خلاف مقصودهم من الهذيان الذي جاءوا به :

و إذا أَتَتْكَ مَذَمَّتي من ناقصٍ
فهي الشهادةُ لي بأني كاملٌ

وذلك نتيجة وعي المتلقي بدوافعهم النفسية وبطبيعة جهالتهم المعرفية والأخلاقية .

ولطيفة أخلاقية نفسية يظهر من خلالها قدر نُبْل المُعْرض عن الجاهل المتعاقل بما يتبدَّى من أخلاق المُعْرض من الحِلْم وإن كان حِلْماً عقابيا نظرا لما يتركه في نفس الجاهل المتعاقل من إحساس بالندم :
و أَحلُم عن خِلّي و أعْلم أنه
متى أجْزه حِلْماً على الجهل يندم

ويشتمل التحليل النفسي لشخصية الجاهل المتعاقل على بُعد آخر قد تضمنه القرآن الكريم في بيانه لأسباب الانحرافات الإدراكية والفكرية والسلوكية لدى الجاهل المتعاقل ؛ ألا وهو التبعية والانقياد لسلطة أو سطوة توجيه فكري من سيد أو ولي أمرٍ أو كبير مقام خوفا من سلطته أو طمعا في منفعته .

وذلك أمر ملموس لدى أعضاء اللجان الفيسبوكية والذباب الإليكتروني بمواقع التواصل الاجتماعي ممن توظِّفهم الأندية الرياضية للدعاية لها ، أو ممن ينتسبون للمراكز البحثية التي تمولها الدول الأوروبية لخدمة أجنداتها تحت مسميات العصرنة والحداثة و التمدين أو تحت المسميات الحقوقية … إلخ ، مستهدفين تفكيك الهوية الحضارية لأمتنا وهدم ثوابتها الدينية والأخلاقية والاجتماعية بالتشكيك في مضامينها والعبث في مؤكِّدات جدواها العصرية وتشويه رموزها وحُرَّاسها.

وهناك صنف آخر أجيرٌ دَعِيٌّ يعمل مُرْتزَقاً ثقافيا لقاء ما يرفع به خسيسته العلمية والثقافية .

فهؤلاء وأولئك يقومون بنشر وترويج المحتوى الموزَّع عليهم ( الاسكريبت ) دون القدرة العقلية على استيعابه أو فَهْمه أو أن يكون لهم حرية مناقشته أو رفضه مضمونا أوالامتناع عن الامتثال لأوامر ( تشييره ).

فيؤكد القرآن على دور هذا المؤثِّر القوي وخطورته في ترسيخ الجهالة المعرفية لدى الجاهل المتعاقل ، فيقول تعالى : ( وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ).

وذلك لأن هذه التبعية غير الواعية ولا الرشيدة التي يلغي التابع معها عقله فيُختَطف ذهنيا من المتبوع الذي يلَقِّنه بالمفتريات والمكذوبات والأباطيل : ( وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ ) ، ويزينها للتابع الذي يتوهمها حقا .قال تعالى : ( أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ۖ فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۖ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ).

فيظل التابع مخطوفا ذهنيا إلى أن تتجلى له الحقيقة المُرَّة في النهاية عندما تتضارب المصالح بينهما ، فتتكشف له حقيقة كونه مجرد أداة تلاعب بها المتبوع ثم تبرأ منها ومن التابع الذي وجب عليه أن يدفع ثمن تبعيته وكونه إمَّعَةً وظِلّا لغيره تنازل طواعية عن الوعي والعقل والاستقلالية معا ؛ فقاده ذلك التنازل الطوعي إلى الموقف المخزي يوم يعض أصابع الندم قائلا : ( يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا ) ؛ فيحاول التابع الثأر والانتصار لنفسه ؛ ليعوضها مهانة التبعية ومذلة الانقياد ؛ فيتبرأ من المتبوع لكن بعد أن يكون المتبوع قد أذاقه كأس الهوان مُجَدَّدا بالتبرؤ منه على الملأ ؛ نظراً لحقارة التابع الشخصية بالنسبة للمتبوع ولافتقاده القيمة والجدوى أو الجدارة بالصحبة: ( إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا ۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ۖ ).

فيبالغ التابع في خصومته وكراهيته وعداوته ومكنون حقده على المتبوع ، مما يظهر جلياً في مطلبه الغريب بمضاعفة اعقوبة العذاب للمتبوع وعدم الاكتفاء بالمساواة معه في القَدْر الكافي منها :
( وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا ) .

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى