الرئيسيةدراساتسياسية

اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل.. السلام رهين معضلة السلاح

وحدة الدراسات السياسية – مركز العرب للدراسات والأبحاث

لم يأتِ توقيع لبنان وإسرائيل على “اتفاق الإطار” في واشنطن، مساء الجمعة 26 يونيو، تتويجًا لمفاوضات ثنائية تقليدية أنهكتها سنوات الصراع، بقدر ما جاء نتيجة مباشرة لتحولات إقليمية فرضتها الحرب الإيرانية-الإسرائيلية-الأمريكية، ثم التفاهم الذي أعقبها بين واشنطن وطهران. فالاتفاق لا يمثل نهاية أزمة، بقدر ما يؤسس لمسار سياسي جديد تتقاطع فيه حسابات الدولة اللبنانية، والهواجس الأمنية الإسرائيلية، والمصالح الأمريكية، والنفوذ الإيراني الذي لا يزال يجد في “حزب الله” إحدى أهم أدواته الإقليمية.

ومن هنا، تبدو قراءة الاتفاق باعتباره تفاهمًا بين بيروت وتل أبيب وحدهما قراءة قاصرة؛ إذ إن مستقبله لا يتوقف فقط على ما سيفعله الطرفان الموقعان عليه، وإنما أيضًا على ما ستؤول إليه العلاقة بين واشنطن وطهران، وعلى قدرة الدولة اللبنانية نفسها على استعادة احتكار القرار الأمني والسيادي بعد عقود من تشابك السلطات الرسمية مع موازين قوى فرضتها ظروف الحرب والصراعات الإقليمية.

ولهذا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس ما إذا كان الاتفاق سينجح في وقف إطلاق النار، وإنما ما إذا كان قادرًا على إعادة بناء معادلة الدولة في لبنان؛ أي نقل قرار الحرب والسلم من ساحات التجاذب الإقليمي إلى المؤسسات الدستورية اللبنانية. وهذه هي القضية التي ستحدد، في النهاية، ما إذا كان الاتفاق بداية سلام مستدام، أم مجرد هدنة مؤقتة في صراع لم تتغير أسبابه العميقة.

توقيع اتفاق إطار بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية - فرانس 24 / France 24
من حرب إقليمية إلى أزمة سيادية
لم يدخل لبنان الحرب الأخيرة بقرار اتخذته مؤسساته الدستورية، بل وجد نفسه منخرطًا فيها نتيجة قرار اتخذه “حزب الله” في إطار المواجهة الإيرانية-الإسرائيلية-الأمريكية التي اندلعت أواخر فبراير 2026.
فبعد مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في غارات أمريكية إسرائيلية مع بداية الحرب، أعلن الحزب، في الثاني من مارس، دخوله المواجهة بإطلاق صواريخ على إسرائيل، معتبرًا أن استهداف خامنئي تجاوز حدود المواجهة مع إيران ليطال المرجعية التي يستند إليها عقائديًّا وسياسيًّا. وجاء الرد الإسرائيلي سريعًا عبر حملة عسكرية واسعة، جوية وبرية، خلّفت -بحسب السلطات اللبنانية- أكثر من أربعة آلاف قتيل، وأدت إلى نزوح ما يزيد على مليون لبناني، فضلًا عن خسائر كبيرة في البنية التحتية والاقتصاد.
وقد أعادت هذه الحرب طرح سؤال قديم بصيغة أكثر إلحاحًا: من يملك قرار الحرب والسلم في لبنان؟ فالحرب كشفت مرة أخرى أن الدولة لم تكن صاحبة القرار في الدخول إلى المواجهة، لكنها كانت الطرف الذي تحمّل كلفتها السياسية والاقتصادية والإنسانية. وهنا لم تعد القضية مجرد مواجهة عسكرية مع إسرائيل، بل تحولت إلى أزمة سيادية تتعلق بقدرة الدولة على احتكار استخدام القوة، وإدارة علاقاتها الخارجية وفق أولوياتها الوطنية، لا وفق حسابات قوى إقليمية تتجاوز حدودها.
ولم يُخفِ “حزب الله” طبيعة هذا الارتباط. ففي الرسالة التي وجّهها أمينه العام نعيم قاسم في 17 مارس، أعاد التأكيد على أن تحركات الحزب تأتي ضمن إطار “وحدة الساحات” وربط الجبهات، بما يجعل الجبهة اللبنانية جزءًا من معادلة إقليمية أوسع، بينما ظلّ الموقف الرسمي اللبناني يدعو إلى تحييد البلاد عن الصراعات الخارجية، والتمسك بمؤسسات الدولة باعتبارها المرجعية الوحيدة لاتخاذ القرارات المصيرية.

برعاية أمريكية.. شاهد لحظة توقيع الاتفاق بين لبنان وإسرائيل
وفي خضم العمليات العسكرية، بدأت بيروت وتل أبيب مفاوضات مباشرة في أبريل، رغم رفض “حزب الله” المعلن لأي تفاوض مع إسرائيل. إلا أن هذه المفاوضات بقيت محدودة الأثر؛ إذ استمرت العمليات العسكرية، وتواصل القصف المتبادل، وبدا واضحًا أن القرار الحقيقي بوقف التصعيد لم يكن يُصنع على الحدود اللبنانية، بل في مكان آخر.
ولم يتغير المشهد إلا في 17 يونيو، مع توقيع “مذكرة التفاهم” الأمريكية الإيرانية التي نصت على وقف الحرب في مختلف الجبهات، بما فيها لبنان. ومنذ تلك اللحظة، بدا أن مسار التهدئة في الجنوب اللبناني أصبح جزءًا من تفاهم إقليمي أشمل، لا مجرد نتيجة للمفاوضات المباشرة بين بيروت وتل أبيب.
وهكذا، انتقل الملف اللبناني من كونه ساحة مواجهة عسكرية إلى كونه حلقة في معادلة تفاوضية أوسع، تتداخل فيها اعتبارات الأمن الإقليمي، والمفاوضات الأمريكية الإيرانية، ومحاولات الدولة اللبنانية استعادة قرارها السيادي.
لماذا لم يكن القرار اللبناني كافيًا؟
عندما بدأت بيروت وتل أبيب مفاوضاتهما المباشرة في أبريل الماضي، بدا لأول وهلة أن إنهاء الحرب أصبح مسألة تفاوض بين دولتين متجاورتين. غير أن تطورات الميدان سرعان ما كشفت حدود هذا التصور. فالمفاوضات استمرت، وأُعلن أكثر من وقف لإطلاق النار، لكن العمليات العسكرية لم تتوقف، واستمر القصف المتبادل، وتواصل التقدم الإسرائيلي في بعض مناطق الجنوب، بينما واصل “حزب الله” استهداف القوات الإسرائيلية.
ولم يكن هذا التعثر نتيجة خلافات تقنية حول ترتيبات وقف النار، بقدر ما كان انعكاسًا لحقيقة أكثر عمقًا؛ إذ لم تكن الجبهة اللبنانية تتحرك وفق حساباتها الداخلية وحدها، وإنما باعتبارها إحدى ساحات المواجهة في الصراع الإيراني-الإسرائيلي-الأمريكي.
ومن ثم، لم يكن إنهاء الحرب ممكنًا عبر تفاهم لبناني إسرائيلي منفصل، طالما بقيت أسبابها الحقيقية قائمة خارج الحدود اللبنانية.
وهذا ما يفسر المفارقة اللافتة في مسار الأحداث؛ فالمفاوضات الثنائية لم تُحدث تحولًا حاسمًا، بينما بدأ الهدوء الميداني يظهر فور الإعلان عن التفاهم الأمريكي الإيراني في السابع عشر من يونيو، وهو ما كشف أن مفتاح التهدئة لم يكن في بيروت أو تل أبيب وحدهما، وإنما في العلاقة بين واشنطن وطهران.

مذكرة إسلام آباد… المرجعية غير المعلنة
جاءت “مذكرة تفاهم إسلام آباد”، التي وقعها الرئيسان الأمريكي دونالد ترامب والإيراني مسعود بزشكيان يومي 17 و18 يونيو، لتؤكد هذه الحقيقة.
فالوثيقة لم تقتصر على وقف العمليات العسكرية بين واشنطن وطهران، وإنما نصت على وقف الحرب في جميع الجبهات، بما فيها لبنان، مع التزام متبادل بعدم العودة إلى المواجهة، وفتح مسار تفاوض يمتد ستين يومًا لمعالجة الملفات الأكثر تعقيدًا، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني، والعقوبات الاقتصادية، والأموال المجمدة، وأمن الملاحة في مضيق هرمز، فضلًا عن الوكلاء وأبرزهم “حزب الله” وبالتبعية “سلاحه”.
وهنا اكتسب الملف اللبناني بعدًا جديدًا؛ إذ لم يعد مجرد نزاع حدودي بين لبنان وإسرائيل، وإنما أصبح جزءًا من صفقة إقليمية أوسع، تتشابك فيها ملفات الأمن والاقتصاد والنفوذ الإقليمي.
لكن هذه المذكرة، التي بدت عاملًا مساعدًا على التهدئة، خلقت في الوقت نفسه إشكالية سياسية جديدة؛ فـ”حزب الله” تعامل معها باعتبارها المرجعية الأساسية لأي تسوية في لبنان، ورأى أن الانسحاب الإسرائيلي يجب أن يتم تنفيذًا لما ورد فيها، لا نتيجة تفاوض مباشر مع إسرائيل. أما تل أبيب، فرفضت الاعتراف بأي التزام تجاه اتفاق لم تكن طرفًا فيه، وأكدت أن انسحابها سيظل مشروطًا بنزع سلاح “حزب الله”، بصرف النظر عما جاء في التفاهم الأمريكي الإيراني.
أما الدولة اللبنانية، فوجدت نفسها أمام معادلة مختلفة تمامًا. فمن ناحية، كانت تدرك أن التهدئة التي وفرتها المذكرة تمثل فرصة نادرة لإنهاء الحرب. ومن ناحية أخرى، كانت تخشى أن يتحول مستقبل الجنوب اللبناني إلى ملف يُدار بالكامل خارج مؤسساتها، فتفقد الدولة مرة أخرى حقها في إدارة أحد أهم ملفاتها السيادية.
ولهذا، لم يكن قبول بيروت بالمضي في اتفاق الإطار مجرد استجابة لوساطة أمريكية، بل كان أيضًا محاولة لاستعادة موقع الدولة داخل عملية صناعة القرار، وإثبات أن مستقبل الأراضي اللبنانية ينبغي أن يُحسم عبر تفاوض تقوده الحكومة اللبنانية، لا عبر تفاهمات إقليمية تُبرم خارجها.

14 بنداً في «اتفاق الإطار» بين لبنان وإسرائيل: تصور كامل لإنهاء الصراع بين  البلدين
اتفاق الإطار… محاولة لاستعادة المبادرة
بهذا المعنى، لم يكن الاتفاق الذي وُقّع في واشنطن مجرد نتيجة لمذكرة إسلام آباد، كما لم يكن بديلًا عنها، بل مثّل محاولة لبنانية لاستثمار المناخ الذي وفره التفاهم الأمريكي الإيراني، من أجل نقل مركز الثقل من التفاهمات الإقليمية إلى التفاوض المباشر بين الدولتين.
ومن هنا، فإن الاتفاق لا يعكس فقط رغبة في إنهاء المواجهة العسكرية، وإنما يعكس أيضًا صراعًا على من يملك حق إدارة الملف اللبناني نفسه: هل يبقى جزءًا من التفاوض بين القوى الإقليمية والدولية، أم يعود تدريجيًا إلى مؤسسات الدولة اللبنانية؟

اتفاق واشنطن… ماذا أراد كل طرف؟
عندما اجتمع ممثلو لبنان وإسرائيل في واشنطن مساء 26 يونيو لتوقيع “اتفاق الإطار”، بدا المشهد، للوهلة الأولى، وكأنه اختراق دبلوماسي أنهى واحدة من أكثر الجبهات اشتعالًا في الشرق الأوسط. لكن القراءة المتأنية للمواقف التي أعقبت التوقيع تكشف أن الاتفاق لم ينهِ الخلافات، بل وفّر لكل طرف إطارًا يمكنه من السعي إلى تحقيق أهدافه عبر السياسة بدلًا من الحرب.
ولهذا، فإن فهم الاتفاق لا يبدأ من نصوصه، وإنما من فهم ما الذي كان يبحث عنه كل طرف عند توقيعه.

لبنان… استعادة الدولة قبل إنهاء الحرب
بالنسبة إلى الدولة اللبنانية، لم يكن الهدف الأساسي توقيع وثيقة مع إسرائيل، بل استعادة زمام المبادرة في ملف ظل، لسنوات طويلة، يتجاوز قدرتها على التحكم فيه؛ فالحرب الأخيرة أظهرت أن الدولة هي من يدفع الثمن الأكبر، حتى عندما لا تكون هي صاحبة قرار المواجهة. ولهذا، بدا الاتفاق فرصة لإعادة تثبيت مبدأ طالما نص عليه الدستور والوثائق الوطنية، وهو أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون حكرًا على مؤسسات الدولة.
ومن هنا، جاءت تصريحات المسؤولين اللبنانيين مركزة على مفاهيم السيادة ووحدة الأراضي وانتشار الجيش وعودة النازحين أكثر من تركيزها على العلاقة مع إسرائيل ذاتها؛ فالرئيس جوزيف عون قدّم الاتفاق باعتباره بداية لاستعادة السيادة الكاملة، بينما أكد رئيس الحكومة نواف سلام أن الالتزامات الواردة فيه لا تمثل خروجًا على الثوابت اللبنانية، بل امتدادًا لما نص عليه اتفاق الطائف وقرار مجلس الأمن 1701 بشأن بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها. ويعكس هذا الخطاب محاولة واضحة لتقديم الاتفاق بوصفه مشروعًا لبناء الدولة، لا مجرد تسوية مع إسرائيل.

إسرائيل.. الأمن قبل أي شيء
أما إسرائيل، فقد دخلت المفاوضات بمنطق مختلف تمامًا. فهي لا تنظر إلى الاتفاق باعتباره محطة في مسار تطبيع سياسي، وإنما باعتباره وسيلة لإزالة التهديد العسكري الذي مثّله “حزب الله” لعقود.
ولهذا، لم تربط تل أبيب نجاح الاتفاق بإعادة العلاقات أو بتوقيع وثائق سياسية جديدة، بل ربطته بمدى قدرة الدولة اللبنانية على منع الحزب من استعادة قدراته العسكرية، وضمان ألا تتحول الحدود الشمالية مرة أخرى إلى جبهة مفتوحة.
ومن هنا، جاء إصرار رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على أن الانسحاب الإسرائيلي لن يكون تلقائيًّا، وإنما سيظل مرتبطًا بمدى تنفيذ الالتزامات الأمنية، وفي مقدمتها معالجة ملف السلاح.
كما أن اقتراح إنشاء “مناطق تجريبية” يتولى الجيش اللبناني مسؤوليتها قبل توسيع الانسحاب، يعكس رغبة إسرائيل في اختبار الواقع الميداني قبل اتخاذ قرارات نهائية، أكثر مما يعكس استعدادًا لانسحاب سريع وشامل.
وبذلك، فإن إسرائيل تنظر إلى الاتفاق باعتباره آلية للتحقق، لا وثيقة للثقة.

الولايات المتحدة… تثبيت تسوية إقليمية
أما الولايات المتحدة، فقد كانت أهدافها أوسع من حدود لبنان؛ فواشنطن لا تنظر إلى الجبهة اللبنانية باعتبارها ملفًا مستقلًا، وإنما باعتبارها إحدى حلقات الترتيب الإقليمي الذي بدأ مع التفاهم الأمريكي الإيراني.
ولهذا، حرص وزير الخارجية ماركو روبيو على وصف الاتفاق بأنه “بداية البداية”، وهي عبارة تعكس إدراكًا أمريكيًّا بأن الوثيقة ليست غاية في حد ذاتها، وإنما خطوة ضمن عملية أطول تهدف إلى تثبيت نتائج التهدئة الإقليمية، ومنع عودة المواجهات العسكرية إلى أكثر من جبهة في وقت واحد.
كما يكشف الدور الأمريكي في الإشراف على آليات التنفيذ، وإنشاء مجموعات التنسيق العسكري، وربط المساعدات الاقتصادية بالتقدم في تنفيذ الالتزامات، أن واشنطن لم تكتفِ بدور الوسيط، بل أصبحت شريكًا مباشرًا في إدارة المرحلة التالية.

قناة عبرية تنشر بنود اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل - RT Arabic
اتفاق واحد… وثلاث قراءات مختلفة
تكشف هذه المواقف أن الأطراف الثلاثة وقّعت الوثيقة نفسها، لكنها لم توقّع بالضرورة على الرؤية نفسها؛ فلبنان يرى في الاتفاق مدخلًا لاستعادة الدولة، وإسرائيل تراه وسيلة لضمان أمنها، أما الولايات المتحدة، فتنظر إليه باعتباره إحدى أدوات تثبيت التوازن الإقليمي الذي تسعى إلى بنائه بعد الحرب.
ومن هنا، لا تبدو المشكلة الأساسية في اختلاف نصوص الاتفاق، بل في اختلاف الغايات التي يسعى كل طرف إلى تحقيقها من خلاله، وهذا الاختلاف هو ما يفسر وصف الاتفاق، منذ لحظة توقيعه، بأنه إطار لا تسوية؛ إذ إنه يحدد الطريق الذي سيسير عليه التفاوض، لكنه لا يحسم وجهته النهائية.

السلاح… عقدة تختبر الجميع
ورغم تعدد الملفات التي تناولها الاتفاق، فإنها جميعًا تنتهي عند نقطة واحدة يصعب تجاوزها: سلاح “حزب الله”. فهو ليس مجرد بند بين بنود الاتفاق، بل القضية التي ستحدد ما إذا كان هذا المسار سينتهي إلى سلام مستدام، أم سيتحول إلى جولة جديدة من إدارة الأزمة.

السلاح… عقدة تختبر مستقبل الدولة
إذا كان اتفاق الإطار قد نجح في جمع الأطراف حول طاولة تفاوض واحدة، فإنه لم يقترب من حل القضية التي ستحدد مصيره في النهاية، وهي مستقبل سلاح “حزب الله”. فهذه القضية لا تمثل مجرد خلاف أمني بين لبنان وإسرائيل، بل تعكس تعارضًا بين ثلاث رؤى مختلفة للدولة والسيادة والأمن، وهو ما يجعلها العقدة التي تدور حولها جميع بنود الاتفاق.
بالنسبة إلى الدولة اللبنانية، يمثل احتكار استخدام القوة أحد المقومات الأساسية لقيام الدولة الحديثة؛ فليس من الممكن الحديث عن سيادة مكتملة أو سياسة خارجية مستقلة، بينما يحتفظ طرف غير رسمي بقدرة منفردة على اتخاذ قرار الحرب أو فرض معادلات ردع تتجاوز المؤسسات الدستورية. ومن هنا، لم يكن التزام الحكومة اللبنانية باستعادة هذا الاحتكار مجرد استجابة لضغوط أمريكية أو إسرائيلية، بل محاولة لإعادة بناء أحد أسس الدولة التي تعرضت للاهتزاز خلال العقود الماضية.
لكن هذا الهدف يصطدم بواقع سياسي أكثر تعقيدًا من النصوص الدستورية. فـ “حزب الله” لم يعد مجرد تنظيم مسلح يمكن التعامل معه باعتباره ملفًا أمنيًّا، بل أصبح جزءًا من التوازن السياسي والاجتماعي اللبناني، وله حضور نيابي وشعبي وتحالفات داخلية، فضلًا عن ارتباطه الوثيق بالمشروع الإقليمي الإيراني. ولهذا، فإن أي مقاربة تختزل القضية في مجرد قرار إداري بنزع السلاح تتجاهل طبيعة البنية التي تشكلت داخل لبنان منذ سنوات.
وفي المقابل، ترى إسرائيل أن التجارب السابقة تجعلها غير مستعدة لقبول أي ضمانات سياسية لا تقترن بإجراءات عملية قابلة للتحقق. فمن وجهة نظرها، لا يكتمل أي انسحاب من الجنوب ما دام الحزب قادرًا على إعادة بناء بنيته العسكرية أو استئناف عملياته في أي لحظة. ولذلك، فإنها تتعامل مع نزع السلاح باعتباره شرطًا يسبق الانسحاب، بينما ترى بيروت أن الانسحاب نفسه يجب أن يكون جزءًا من عملية متزامنة تسمح للدولة بفرض سلطتها تدريجيًّا على المناطق التي تستعيدها.
وهنا تظهر المعضلة الأساسية؛ إذ يطالب كل طرف بخطوة أولى لا يستطيع الطرف الآخر تقديمها منفردًا. فإسرائيل تريد ضمانات أمنية كاملة قبل الانسحاب، بينما ترى الدولة اللبنانية أن بسط سلطتها الكاملة يصبح أكثر صعوبة كلما استمر الوجود العسكري الإسرائيلي داخل أراضيها. وهكذا، يتحول كل شرط إلى مبرر لتأجيل الشرط المقابل.

لماذا يرفض “حزب الله” الاتفاق؟
قد يبدو الرفض الذي أعلنه “حزب الله” رد فعل مباشر على البند المتعلق بالسلاح، لكنه في الحقيقة يعكس رؤية أوسع لطبيعة الصراع؛ فالحزب لا ينظر إلى سلاحه باعتباره شأنًا لبنانيًّا خالصًا، وإنما باعتباره جزءًا من منظومة ردع إقليمية تشكلت على مدى عقود، وترتبط مباشرة بعلاقة إيران مع إسرائيل والولايات المتحدة. ومن هذا المنطلق، يصبح أي تفاوض حول مستقبل هذا السلاح خارج إطار التفاهم الإيراني الأمريكي، في نظره، انتقاصًا من الدور الذي يؤديه داخل تلك المنظومة.
ولهذا، لم يكتفِ الحزب برفض الاتفاق، بل رفض أيضًا المرجعية التي يقوم عليها. فهو يرى أن المسار الحقيقي لإنهاء الحرب بدأ في إسلام آباد، حيث جرى التفاهم بين واشنطن وطهران، وأن أي محاولة لنقل الملف إلى تفاوض لبناني إسرائيلي مباشر تعني، عمليًّا، إخراج إيران من معادلة تعتبرها جزءًا من أمنها الإقليمي.
ومن هنا، يمكن فهم حدة الخطاب الذي رافق رفض الاتفاق، وكذلك التحذيرات من أن فرضه قد يقود إلى انقسام داخلي. فالقضية، بالنسبة إلى الحزب، ليست مجرد خلاف حول وثيقة سياسية، بل خلاف حول الجهة التي تملك حق تحديد مستقبل توازن القوى داخل لبنان.

بين الواقعية السياسية ومنطق الدولة
ورغم ذلك، فإن قراءة المشهد من زاوية توازنات القوى تكشف أن جميع الأطراف تواجه حدودًا لا تستطيع تجاوزها بسهولة؛ فالدولة اللبنانية تدرك أن أي محاولة لفرض حل بالقوة قد تهدد السلم الأهلي، وهو ما يجعلها تميل إلى مقاربة تدريجية تقوم على تعزيز دور الجيش، وتوسيع مساحة سلطة الدولة خطوة بعد أخرى.
وإسرائيل، رغم تفوقها العسكري، تعلم أن تجربة العقود الماضية أثبتت أن القضاء الكامل على “حزب الله” بالقوة العسكرية وحدها هدف يصعب تحقيقه، وأن أي تسوية مستدامة تحتاج، في نهاية المطاف، إلى شريك لبناني قادر على إدارة المرحلة التالية.
أما “حزب الله”، فرغم احتفاظه بقدرات عسكرية وسياسية مؤثرة، فإنه خرج من الحرب الأخيرة وهو يواجه واقعًا أكثر تعقيدًا؛ إذ إن حجم الخسائر التي لحقت بلبنان، والضغوط الاقتصادية المتزايدة، والنقاش الداخلي المتجدد حول احتكار الدولة للسلاح، كلها عوامل تجعل المحافظة على المعادلة السابقة أكثر صعوبة مما كانت عليه قبل الحرب.
ولهذا، فإن مستقبل السلاح لن يُحسم على الأرجح بانتصار كامل لأي طرف، بل عبر مسار تفاوضي طويل، تتداخل فيه الاعتبارات اللبنانية مع التفاهمات الإقليمية، ويقوم على خطوات متبادلة أكثر مما يقوم على قرارات أحادية.
وهنا تتضح المفارقة الأساسية التي يقوم عليها اتفاق الإطار؛ فهو لا يحل العقدة الأكبر، لكنه يحاول إدارة آثارها إلى أن تنضج الظروف السياسية لمعالجتها. ولذلك، فإن نجاح الاتفاق لن يُقاس بعدد البنود التي يتضمنها، بل بقدرته على بناء الحد الأدنى من الثقة الذي يسمح بتحويل أكثر الملفات حساسية من منطق المواجهة إلى منطق التفاوض.

اتفاق الإطار… بين منطق الوثيقة ومنطق الواقع
عند قراءة النص الكامل لاتفاق الإطار، قد يبدو لأول وهلة أنه يقدّم وصفة متكاملة لإنهاء الصراع. فهو يتحدث عن انسحاب إسرائيلي تدريجي، وانتشار الجيش اللبناني، وحصر السلاح بيد الدولة، وإنشاء آليات للتنسيق الأمني، وإطلاق مسار تفاوضي نحو سلام دائم، فضلًا عن ربط ذلك ببرنامج لإعادة الإعمار ودعم الاقتصاد اللبناني.
غير أن القيمة الحقيقية للوثيقة لا تكمن في عدد بنودها، بل في الفلسفة التي تقوم عليها؛ فالولايات المتحدة لم تسعَ إلى فرض تسوية نهائية بقرار سياسي واحد، لأنها تدرك أن القضايا التي يتناولها الاتفاق أكبر من أن تُحسم بتوقيع دبلوماسي. لذلك صاغت الوثيقة باعتبارها إطارًا لإدارة الانتقال من الحرب إلى السياسة، لا باعتبارها معاهدة سلام مكتملة.
ومن هنا، فإن الاتفاق لا يَعِد بحل جميع الأزمات، وإنما يحاول تنظيم العلاقة بينها، بحيث يصبح التقدم في أحد الملفات مدخلًا للتقدم في الملفات الأخرى؛ فانسحاب القوات الإسرائيلية يرتبط بانتشار الجيش اللبناني. وانتشار الجيش يرتبط بقدرته على بسط سلطة الدولة؛ واستعادة الدولة سلطتها ترتبط بمعالجة قضية السلاح. أما إعادة الإعمار والدعم الاقتصادي؛ فترتبط بالتقدم في تنفيذ هذه الالتزامات. وبذلك، يتحول الاتفاق إلى سلسلة مترابطة من الخطوات، لا يمكن فصل أي منها عن الأخرى.

معادلة “الأداء مقابل الدعم”
ولعل أكثر ما يميز الاتفاق أنه لا يكتفي بوضع التزامات سياسية، وإنما يربط تنفيذها بحوافز اقتصادية مباشرة؛ فالولايات المتحدة تعهدت بحشد الدعم الدولي لإعادة إعمار لبنان، وإنعاش اقتصاده، وتقديم مساعدات إنسانية عاجلة، لكنها ربطت استمرار هذا الدعم بمدى التقدم في تنفيذ الالتزامات الأمنية والسيادية.
وهذه ليست مجرد آلية تمويل، بل فلسفة سياسية كاملة؛ فواشنطن تراهن على أن إعادة بناء الدولة اللبنانية لن تتحقق بالضغوط الأمنية وحدها، ولا بالمساعدات الاقتصادية وحدها، وإنما بدمج المسارين في إطار واحد؛ بحيث يصبح تحسن الوضع الاقتصادي نتيجة مباشرة لتعزيز سلطة الدولة، وليس بديلًا عنها.
لكن هذه المعادلة نفسها قد تتحول إلى مصدر توتر إذا اختلفت الأطراف حول تقييم التنفيذ؛ فمن الذي يحدد أن الدولة اللبنانية أنجزت ما يكفي للحصول على الدعم؟ وهل يكفي انتشار الجيش في بعض المناطق؟ أم يجب أن يتحقق تقدم ملموس في ملف السلاح؟ وأين تبدأ المعايير الأمنية، وأين تنتهي الاعتبارات السياسية؟
مثل هذه الأسئلة لا تجيب عنها الوثيقة بصورة قاطعة، وهو ما يجعلها قابلة لتفسيرات مختلفة مع كل مرحلة من مراحل التنفيذ.

الدعم العربي والدولي… توافق في الهدف واختلاف في الأولويات
حظي الاتفاق بترحيب عربي ودولي واسع، لكن قراءة ردود الفعل تكشف أن هذا الإجماع يخفي تباينًا في ترتيب الأولويات؛ فالعواصم العربية ركزت، في مجملها، على فكرة استعادة الدولة اللبنانية سيادتها الكاملة، وانتشار الجيش، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وتهيئة الظروف لعودة النازحين وإعادة إعمار الجنوب.
وكان القاسم المشترك في هذه المواقف هو النظر إلى الاتفاق باعتباره فرصة لتعزيز مؤسسات الدولة، وإنهاء حالة الاستثناء التي فرضتها سنوات الصراع.
أما الموقف الأوروبي، فقد انطلق من زاوية مختلفة قليلًا، فقد ركزت العواصم الأوروبية، ومعها مؤسسات الاتحاد الأوروبي، على أهمية الالتزام الحرفي بآليات التنفيذ، وعلى أن نجاح الاتفاق يتوقف على قدرة الدولة اللبنانية على فرض احتكارها للسلاح، باعتبار ذلك الضمانة الأساسية لعدم تجدد المواجهة.
ولا يعكس هذا الاختلاف تباينًا في الأهداف بقدر ما يعكس اختلافًا في ترتيبها؛ فالعرب ينطلقون من أولوية حماية الدولة اللبنانية. بينما ينطلق الأوروبيون من أولوية ضمان الاستقرار الأمني. أما الولايات المتحدة، فقد جمعت بين الهدفين معًا، لكنها أضافت إليهما هدفًا ثالثًا لا يقل أهمية، وهو تثبيت نتائج التفاهم الأمريكي الإيراني، ومنع انهيار المسار الإقليمي الذي أتاح الوصول إلى اتفاق الإطار.
وبهذا المعنى، يصبح الاتفاق أكثر من مجرد تفاهم بين لبنان وإسرائيل؛ إذ يتحول إلى إحدى حلقات إعادة تشكيل التوازنات في الشرق الأوسط بعد الحرب الأخيرة.

اختبار الدولة… لا اختبار الاتفاق
في صورته النهائية، لا يبدو اتفاق الإطار اتفاقًا للسلام بقدر ما يبدو اتفاقًا لإدارة مرحلة انتقالية شديدة التعقيد. فهو لا ينهي الصراع، ولا يحسم أكثر قضاياه حساسية، لكنه يوفّر إطارًا سياسيًّا يسمح بنقلها من ساحات المواجهة العسكرية إلى طاولة التفاوض، وهو تحول لا يقل أهمية عن الاتفاق نفسه.
لكن نجاح هذا المسار لن يتوقف على ما ورد في بنود الوثيقة وحدها، وإنما على قدرة الأطراف على التعامل مع التناقضات التي جاءت الوثيقة أصلًا لإدارتها؛ فالدولة اللبنانية مطالبة بإثبات قدرتها على استعادة احتكار القرار الأمني والعسكري دون أن تنزلق إلى مواجهة داخلية تهدد استقرارها. وإسرائيل مطالبة بإثبات أن هواجسها الأمنية لن تتحول إلى ذريعة لإبقاء واقع الاحتلال قائمًا تحت مسميات جديدة. أما “حزب الله”، فيواجه واقعًا مختلفًا عمّا عرفه طوال العقود الماضية؛ إذ لم يعد النقاش يدور حول دوره في مواجهة إسرائيل فحسب، بل حول موقعه داخل الدولة اللبنانية نفسها، وحدود العلاقة بين هذا الدور وبين التحولات التي تشهدها البيئة الإقليمية.
وفي الوقت نفسه، يبقى مستقبل الاتفاق مرتبطًا بعامل لا يملكه أي من الأطراف الثلاثة بصورة كاملة، وهو مسار العلاقة بين واشنطن وطهران. فإذا نجح التفاهم الأمريكي الإيراني في الصمود، ازدادت فرص انتقال اتفاق الإطار من وثيقة سياسية إلى واقع ميداني. أما إذا تعثر ذلك المسار، فقد يجد الاتفاق نفسه أسيرًا لتوازنات إقليمية تعيد إنتاج أسباب الأزمة التي جاء لمعالجتها.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي يطرحه اتفاق الإطار لا يتعلق فقط بإمكان تحقيق سلام بين لبنان وإسرائيل، وإنما بمستقبل الدولة اللبنانية نفسها. فبعد عقود ظل فيها القرار السيادي موزعًا بين اعتبارات داخلية وضغوط خارجية، يضع الاتفاق مؤسسات الدولة أمام اختبار غير مسبوق: هل تستطيع أن تستعيد احتكارها للقرار، وأن تدير علاقتها بجوارها وبمحيطها الإقليمي انطلاقًا من مصالحها الوطنية وحدها؟
الإجابة عن هذا السؤال لن تقدمها الوثيقة التي وُقّعت في واشنطن، بل ستقدمها السنوات التي ستليها. ولذلك، قد يُسجَّل اتفاق الإطار في التاريخ بوصفه بداية سلام جديد، وقد يُسجَّل بوصفه محطة أخرى في سلسلة طويلة من التسويات غير المكتملة. وما سيحسم أي الوصفين أقرب إلى الحقيقة لن يكون عدد البنود التي تضمنها الاتفاق، بل قدرة الدولة اللبنانية على تحويله من فرصة سياسية إلى واقع سيادي مستدام.

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى