السودان في أسبوع.. جهود التهدئة تصطدم بالواقع الميداني وتحذيرات من كارثة محتملة بالأبيض

تتسارع الجهود الدولية والإقليمية الرامية لوضع حد للنزاع المسلح العنيف الذي يمزق الأراضي السودانية، حيث شهدت العاصمة الخرطوم لقاءً قادته مستويات رفيعة جمعت بين رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، والمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو. وتأتي هذه الزيارة، وهي الثانية للمبعوث الأممي منذ تعيينه رسمياً في مارس الماضي، في إطار حراك دبلوماسي أممي مكثف لبناء الثقة وتخفيف حدة التوترات الميدانية المتصاعدة، تمهيداً لخلق بيئة سياسية مواتية تسمح ببدء حوار شامل وجاد يقوده السودانيون أنفسهم لإنهاء الحرب وإحلال السلام المستدام.
وأطلع هافيستو رئيس مجلس السيادة على نتائج المشاورات والتحركات المكثفة التي أجراها مؤخراً مع عدد من رؤساء الدول والحكومات في الإقليم، إلى جانب لقاءاته مع مجموعات واسعة من الفاعلين السياسيين وممثلي القوى المدنية السودانية للوقوف على تطلعات المواطنين بشأن مستقبل بلادهم. كما استعرض المبعوث الأممي مخرجات اللقاءات التي عقدتها “الآلية الخماسية” –المكونة من الاتحاد الأفريقي، ومنظمة “إيغاد”، وجامعة الدول العربية، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي– في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، والتي ركزت على بحث أنجع الطرق والوسائل لتقريب وجهات النظر وتوحيد الرؤى والمسارات الأمنية والسياسية بين الشركاء السودانيين، مجدداً التزام المنظمة الدولية الصارم والكامل بدعم وحدة السودان، واستقلاله، وسيادته الوطنية، وسلامة أراضيه.
اقرأ أيضا: توازنات السلطة في السودان: كيف تؤثر المقاربات الإقليمية على صياغة المشهد السياسي المقبل؟

تحذير أممي من معركة واسعة في الأُبيّض وواشنطن تعاقب الجيش والدعم السريع
حذر مسؤولون أمميون، من المخاطر المتزايدة التي يواجهها المدنيون في السودان بسبب تزايد أعمال القتال في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان، مؤكدين أن الدعم العسكري الخارجي يعزز قدرة طرفي النزاع على مواصلة القتال.
وقالت روزماري ديكارلو، وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام، إن مدينة الأبيض شهدت زيادة كبيرة في استخدام طرفي النزاع للمسيّرات، وإن قوات الدعم السريع عززت وجودها حول المدينة.
وأكدت ديكارلو، خلال جلسة خصصها مجلس الأمن الدولي لمناقشة الوضع في السودان، أن أي تصعيد في الأبيض سيعرض مئات آلاف المدنيين لخطر وشيك.
وأشارت إلى أن المفوض السامي لحقوق الإنسان حذر من كارثة حقوقية وشيكة في المنطقة، مشيرة إلى أن اندلاع معركة جديدة سيزيد من عدم الاستقرار، وسيتسبب في موجات نزوح جديدة لمنطقة تعيش ضغوطا فعلية بسبب النازحين.
معركة خطيرة محتملة
وحذرت المسؤولة الأممية من أن أي معركة جديدة “ستكون عنيفة وطويلة، وستنسق مواقف الأطراف في المفاوضات، وتقلص من دور الوساطة السياسية”، مطالبة باتخاذ التدابير اللازمة لحماية المدنيين “لأن فرصة تجنب تصعيد أوسع في الأبيض تتقلص”.
وقالت ديكارلو إن القتال لا يزال مستمرا في مختلف مناطق السودان، وإن منطقة كردفان هي منطقة النزاع الرئيسية حيث تشتد حدة القتال في ديلينغ وكادوجولي وبابنوسة.
وأضافت أن طرفي النزاع يحاولان السيطرة على مناطق إستراتيجية، ويشنان هجمات بالمسيّرات على الجسور وممرات النقل في دارفور وكردفان مما أضر بوصول المساعدات وبالمجتمعات المحلية المنعزلة.
وأوضحت أن الوضع الأمني في ولايتي النيل الأزرق (جنوب شرق) والنيل الأبيض (جنوب) لا يزال هشا، وأن الاشتباكات مستمرة في الكرمك وقيسان وباو، حيث تحاول الأطراف الاستحواذ على الأراضي مما يزيد الخسائر بصفوف المدنيين بشكل متواصل.

دماء تحت سماء الأبيض
على الصعيد الميداني والعملياتي، دخلت المواجهات المسلحة منعطفاً تكتيكياً خطيراً يعكس طبيعة الحرب المتغيرة، مع تصاعد حدة الهجمات الجوية المكثفة بالطائرات المسيّرة الانقضاضية على مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان. فبعد أكثر من عام على نجاح القوات المسلحة السودانية في كسر الحصار البري الخانق الذي فرضته قوات الدعم السريع على المدينة وتراجع حدة القصف المدفعي المباشر، تحولت السماء فجأة إلى مصدر التهديد الوجودي الأكبر للمدنيين العزل ولشريان الإمداد العسكري الإستراتيجي اللوجستي الذي يربط إقليم كردفان ببقية ولايات السودان.
وسجلت المدينة خلال الساعات الممتدة من مساء الأربعاء إلى صباح الخميس واحدة من أعنف موجات القصف الجوي وأكثرها دموية منذ اندلاع النزاع، حيث أسفرت الضربات المتتالية بحسب الحصيلة الرسمية الأولية عن مقتل 23 مدنياً وإصابة 19 آخرين بجروح بليغة، وسط توقعات قوية بارتفاع عدد الوفيات نتيجة وجود حالات حرجة بين المصابين. ووجهت منظمات ومجموعات حقوقية محلية، وفي مقدمتها مجموعة “محامو الطوارئ”، اتهامات مباشرة لقوات الدعم السريع بتنفيذ هذه الهجمات العشوائية الممنهجة. وأفادت التقارير الحقوقية بأن القصف تعمد استهداف التجمعات المدنية، حيث ضربت إحدى الطائرات المسيّرة حشداً من المواطنين أثناء تواجدهم لتشييع ضحايا الهجوم الأول في “مقبار دليل”، مما ضاعف أعداد الضحايا وأثار موجة عارمة من التنديد والاستنكار ضد الانتهاكات الصارخة لقواعد القانون الدولي الإنساني.

ذاكرة خمسة قرون في مهب الريح
لم تقتصر الآثار التدميرية الكارثية للحرب الضروس على حصد الأرواح وتخريب البنية التحتية الأساسية فحسب، بل امتدت لتهدد الإرث الحضاري والتاريخي والهوية الوطنية للبلاد. فبالقرب من منطقة القيادة العامة للجيش في العاصمة الخرطوم، تواجه “دار الوثائق القومية” خطر التلف والضياع النهائي جراء الأضرار الهيكلية الجسيمة، والحرائق، وأكوام الغبار والركام الناجمة عن المواجهات العسكرية العنيفة التي دارت في محيطها منذ الساعات الأولى لاندلاع الحرب، إثر وقوعها تحت سيطرة قوات الدعم السريع في أبريل من عام ألفين وثلاثة وعشرين.
وتضم الدار داخل مبناها المؤلف من أربعة طوابق كنزاً تاريخياً لا يقدر بثمن، يتمثل في أكثر من 30 مليون وثيقة ومخطوطة قديمة جرى جمعها وتنظيمها منذ عام 1505، لتشكل سجلاً متكاملاً وتفصيلياً لتاريخ السودان السياسي، والإداري، والاجتماعي عبر العصور. وأكدت مديرة دار الوثائق القومية، الدكتورة نجوى محمود، أن الكتلة الورقية والمخطوطات الكبرى قد نجت بأعجوبة من ألسنة اللهب، إلا أن الأرشيف الإلكتروني للدار قد تعرض للفقدان والتفحم بالكامل، مشددة على أن بقاء هذه الوثائق في بيئة متضررة وغير مهيأة تقنياً وبيئياً يعرضها للآثار الكيميائية والفيزيائية القاتلة نتيجة التقادم والهشاشة. وأوضحت الدكتورة نجوى أن الإدارة تقدمت بطلب رسمي لمجلس الوزراء لاستثنائها من القرار الصادر في مارس 2025 بنقل المؤسسات الحكومية خارج وسط العاصمة عقب استعادة الجيش السيطرة على ولاية الخرطوم، نظراً لأن المبنى الحالي مشيد بمواصفات فنية وهندسية عالمية خاصة لحفظ الوثائق، وأن عملية نقل هذا الحجم الهائل من المستندات تمثل تحدياً لوجستياً كارثياً قد يقضي على ما تبقى من الذاكرة القومية، مطالبة وزارة الاتصالات والجهات المعنية بتقديم دعم فوري لتنفيذ خطة تحول رقمي إنقاذية جديدة.

صرخة حقوقية.. 20 ألف معتقل في دارفور
في خطوة دبلوماسية وقانونية متقدمة، تقود جمهورية السودان تحركاً دولياً واسع النطاق لوضع المجتمع الدولي والهيئات الأممية أمام مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية تجاه الجرائم والانتهاكات الجسيمة المرتكبة داخل مراكز الاحتجاز التابعة لقوات الدعم السريع في إقليم دارفور. ووجه مندوب السودان الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير الحارث إدريس، مذكرة رسمية عاجلة إلى الأمين العام أنطونيو غوتيريش وإلى رئيسة مجلس الأمن الدولي ليونور زلاباتا توريس، مطالباً باعتماد المذكرة كوثيقة رسمية وتعميمها فوراً على كافة الدول الأعضاء للتدخل العاجل لضمان الإفراج عن أكثر من 20 ألف سجين ومحتجز تعسفياً يعيشون أوضاعاً صحية وإنسانية كارثية تتجاوز كافة المعايير والعهود الدولية.
قبضة سيادية على قطاع الذهب
في مسعى حكومي حازم لضبط الموارد الحيوية، وحماية الاقتصاد الوطني، وفرض هيبة الدولة على الأنشطة غير القانونية، أعلنت السلطات السودانية عن حزمة من القرارات الرسمية الصارمة الرامية لتنظيم قطاع التعدين الأهلي والتقليدي عن الذهب وتحويله إلى نشاط منضبط يخضع بالكامل للقوانين والرقابة المالية والرسمية. وتضمن القرار البدء الفوري والملزم في إصدار بطاقات تعريفية وحصر شامل لكافة المعدنين التقليديين في مختلف مواقع الإنتاج بجميع أنحاء البلاد لمنع عمليات التهريب غير المشروع للمعدن النفيس ولحصر القوى البشرية العاملة في هذا الحقل.
وتزامناً مع هذا الضبط الإداري والأمني، أصدر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، توجيهات مباشرة وحاسمة تقضي بالإزالة الفورية والكلية لكافة الطواحين وأحواض استخلاص الذهب العشوائية المنتشرة داخل الأحياء السكنية المكتظة بالمواطنين والمناطق العسكرية والأمنية الحيوية، إلى جانب إعادة تنظيم الأسواق العشوائية في مناطق الإنتاج. وشملت التوجيهات الحكومية إطلاق حملات ميدانية مكثفة للتوعية والإرشاد بمخاطر استخدام المواد الكيميائية السامة والقاتلة في عمليات استخلاص الذهب، وعلى رأسها مادتَا “الزئبق” و”السيانيد”، لما لهما من آثار صحية وبيئية مدمرة وقاتلة للإنسان والمحيط الحيوي، والعمل على تقديم وإرشاد المعدنين إلى البدائل التقنية الآمنة والحديثة التي تضمن حماية الأرواح والحد من التلوث البيئي الكارثي الناتج عن مخلفات التعدين.
بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب



